Home » Archive by category "Speeches & Presentations"

الدستورية في فلسطين

– محاضرة القيت في ندوة في بيروت عن الدساتير العربية

الدستورية في فلسطين

د.أنيس مصطفى القاسم

مقدمة:

الدستورية في الوطن العربي مشكلة قائمة وما زالت تنتظر عملا جادا لمواجهتها، وقد حان الوقت لأهل الفكر، ورجال القانون بوجه خاص، في الوطن العربي لأن يعيدوا النظر بجدية وعلى مستوى الوطن العربي كله في نظم الحكم السائدة، وأن يطرحوا، على مستوى المواطن العادي وبلغة يفهمها، في الصحف ووسائل الاعلام الأخرى، ما يعانيه الوطن العربي من أوضاع دستورية شاذة لا يجوز لها أن تستمر. انه لا يكفي لتغيير الأوضاع أن يخاطب رجال القانون بعضهم بعضا في الندوات أو المجلات أو الكتب القانونية المتخصصة، بل يجب مشاركة المواطن العادي في هذا الشأن، وهو المواطن الذي أصبحت النظم تستفتيه سواء لإقرار دستور جديد أو لتعديل نصوص دستورية قائمة، لكي تحتج النظم بأنها لجأت للشعب، الذي هو مصدر السلطات، والشعب قد أقر الدستور أو التعديل، وليس لأحد بعد ذلك أن يعترض. فقد تكلم الشعب. ليس مهما أن الشعب لم يطلع أساسا على ما يُستفتَى فيه، أو أنه حتى لو اطلع، فإن عديدين ليس لديهم من الثقافة القانونية ما يسمح لهم بفهم ما هو مطروح وتحليله للتعرف على آثاره، في غياب حوار حر مفتوح على نطاق واسع في وسائل الإعلام والندوات، يشارك فيه المؤيدون والمعارضون، ويدوم فترة زمنية كافية لاشباعه بحثا. وليس مهما أن التزوير كثيرا ما يلعب دوره للحصول على النتيجة التي يريدها النظام. ولا يمكن تفسير التراجعات الدستورية التي شهدناها في العديد من الأقطار العربية، والتي كان الاستفتاء أداتها، الا لهذين السببين، إذ لا يعقل أن يوافق الشعب على التراجع أو على الأوضاع الشاذة التي يكون هو ضحيتها الأولى، لو كان واعيا لما يَستفتى فيه ومدركا لآثاره.

لابد من تكوين رأي عام على امتداد الوطن العربي كله يطالب بالدستورية السليمة ويصر على المشاركة الفاعلة، ويرفض التهميش، اذ لا يجوز أن ندخل القرن الواحد والعشرين وأوضاعنا الدستورية على هذا النحو من التردي: تتخذ القرارات المصيرية ولا توجد وسيلة فعالة لمحاسبة ومساءلة من يتخذونها، يُعتدى على حقوق المواطن وحرياته الأساسية وقلما يجد وسيلة لرفع الاعتداء والتعويض عنه، والحيلولة دون العودة اليه. وفي الوقت الذي تتأكد فيه سلطة الشعب ومبادئ الديموقراطية وتتراجع السلطة الفردية في أرجاء العالم، فان النظم الدستورية العربية تسير في الاتجاه المعاكس، فأصبحت معظم النظم العربية تكرس سلطة الفرد الذي لا يخضع للمساءلة مهما كانت الطريقة التي يصل بها الى السلطة. لقد أصبح مألوفا أن تنقل الانظمة العربية أسوأ ما تجده في تشريعات بعضها البعض وتبتكر اضافات تزيد السيء سوءاً.

ومع الأسف فإن المجالس النيابية في معظم الاقطار العربية خاضعة للسلطة التنفيذية ولارادة رئيس الدولة بوجه خاص. فلا تقوم بما هو واجبها من المراقبة والمحاسبة، وندر أن تؤدي مساءلة الى سحب الثقة من الوزير، وأندر من ذلك إسقاط الحكومة بسحب الثقة منها. وأخطر ما في الوضع أن رئيس الدولة يمارس سلطات حقيقية، بل ربما يمارس السلطات كلها، بما في ذلك المفاوضات ورسم السياسات والزام الدولة بالتزامات بعيدة المدى، ويبقى مع ذلك فوق المساءلة.

ولعل من أهم اسباب هذا الوضع غياب الحياة الحزبية الحقيقية. ووجود الاحزاب هو العامل المحرك للحياة السياسية. ومع ذلك فإن الاحزاب محظورة في العديد من الاقطار العربية، وحيث يسمح بتشكيلها، فإن ذلك يخضع لاجراءات يسيطر عليها في الغالب الحزب الحاكم، ولا بد من الحصول على ترخيص. وقلة نادرة من الأقطار العربية لا تتطلب ترخيصا. وفي غياب حرية تأسيس الاحزاب السياسية، تغيب المساءلة والمحاسبة، والكشف عن الأخطاء والأخطار،وينعدم طرح البدائل في السياسات والمواقف، كما ينعدم بطبيعة الحال فرص تداول السلطة، فيشيع التحكم والفساد وتتضاعف الأخطاء، ومع ذلك يظل القائمون على السلطة في مواقعهم يحمون أخطاءهم وفسادهم بما لديهم من سلطة. ولا شك أن الخوف من المساءلة هو من بين العناصر الاساسية للتمسك بالسلطة.

يضاف الى هذا أن الاحزاب القائمة قلَّ منها من يمارس الحزبية على وجهها الصحيح من وجود برامج عمل يتقدم بها للناخبين أو يسير في أموره الداخلية مسيرة بعيدة عن التحكم أو تتميز بتداول السلطة. فرؤساء الاحزاب أو أمناؤها العامون يبقون في مناصبهم، في معظم الحالات، سنوات وسنوات، تبلغ مدى الحياة في بعض الأحيان، فيفقد الحزب صفته كمنظمة تضم أعضاء يشاركون بحرية في رسم السياسات وفي تداول مواقع السلطة داخل الحزب. وفي هذه الحالات يصبح الحزب مجرد أداة تنفيذية لرغبات زعيم استأثر بكل الصلاحيات. واذا كان هو الحزب الحاكم، فالنتيجة دكتاتورية الزعيم على الحزب والسلطة والحياة السياسية بكاملها واتخاذ القرار. واذن يكون المطلوب أولا اطلاق حرية تأسيس الاحزاب وثانيا ممارسة هذه الاحزاب لدورها في الحياة السياسية على الوجه السليم.

وقد واجهت فلسطين هذه المشاكل عندما بدأت محاولة وضع نظام أساسي، لا دستور، للمرحلة الانتقالية. كيف يكون الرئيس رئيسا محدود السلطات ويخضع للمحاسبة والمساءلة، وكيف يقبل هو ذلك، وأمثاله من حوله يتمتعون بكل السلطات ولا يخضعون لمحاسبة أو مساءلة؟ كيف يُحظر تكرر فترات الرئاسة وهاهي دساتير عربية خالية من هذا الحظر، وأخرى ورد فيها، ولكنها عُدلت وتعدل لالغائه؟ كيف تُزال معرة محاكم أمن الدولة بحظر انشائها، وهذه المحاكم منتشرة على امتداد الوطن العربي؟ كيف تُعزز الحقوق والحريات الأساسية وتـُحمى من اقتناص القوانين لها، والقوانين من حولنا تغتالها بشكل متزايد؟ لقد عانى واضعوا النظام الأساسي من هذه السوابق الدستورية العربية ومن المناخ الذي أوجدته. ومع ذلك فقد خطت الدستورية في فلسطين خطوات لا بأس بها الى الأمام نتيجة لرأي عام وقف نصيرا للدستورية، وتحمل كثيرون نتائج وقوفهم معها.

1 – لمحة تاريخية عن الدستورية في فلسطين

من المفيد قبل الخوض في الوضع الدستوري الحالي في فلسطين أن نلقي نظرة سريعة على تاريخها الدستوري، خاصة وأن هذا التاريخ لم يكتب حتى الآن، الا في القليل منه فيما نعلم . وسنقسم هذا التاريخ الى مراحل أساسها مدى مساهمة الشعب الفلسطيني في صياغة نظامه الدستوري. ونتيجة للأوضاع السياسية التي مرت بها فلسطين منذ نكبة عام 1948 فان هذه المراحل تتداخل، ذلك أنه بعد ذلك العام قسمت فلسطين الى ثلاثة أجزاء: جزء أصبح اسرائيل، وهذا لا يعنينا في هذه الدراسة، وجزء انضم للمملكة الأردنية الهاشمية، وهو ما سمي فيما بعد بالضفة الغربية، وجزء أصبح خاضعا للادارة المصرية، وهو ما سمي بقطاع غزة، وأصبح خاضعا لنظام دستوري وضعته الجمهورية المصرية في ذلك الوقت، وفي الوقت ذاته كانت هناك حكومة عموم فلسطين ولها نظامها الدستوري. وفي عام 1964 قامت منظمة التحرير الفلسطينية ولها نظامها، ثم جاء الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 واستمرت منظمة التحرير قائمة بنظامها. وأخيرا جاء القانون الأساسي للفترة الانتقالية. وتسهيلا للبحث، دون أن يغيب عن النظر هذا التداخل، فاننا سنتجاهله ونقسم البحث الى ثلاثة أقسام: القسم الأول الوضع في العهد العثماني، والقسم الثاني الفترات التي تتميز بعدم المشاركة الفلسطينية في وضع النظام الدستوري، والقسم الثالث المحاولات الفلسطينية في هذا الخصوص.

في العهد العثماني:

عندما احتلت القوات البريطانية فلسطين عام 1917 وفرض الانتداب البريطاني كانت فلسطين جزءا من الخلافة العثمانية، وكان أبناؤها عثمانيي الجنسية، يتمتعون بكامل الحقوق الدستورية التي يتمتع بها المواطنون العثمانيون بموجب دستوري عام 1876 و 1908. وقد اعترف الدستوران بحق الترشيح والانتخاب لمجلس المبعوثان العثماني لمواطني الخلافة، ومارس الفلسطينيون حقهم هذا وكان لهم ممثلون في المجلس . ووفقا للدستورين المذكورين جرت أربعة انتخابات عام 1896 1908 وعام 1912 وعام 1914. وكان للفلسطينيين ممثلون منتخبون في كل مرة. فقد كان يوسف ضيا باشا الخالدي، ممثل القدس، رئيسا لمجلس المبعوثان في أول انتخابات عام 1896 ، وفي انتخابات 1908 كان للفلسطينيين خمسة ممثلين وكذلك الحال في انتخابات 1912، وصار عددهم ستة في النتخابات عام 1912. كما أنهم شاركوا في الحياة السياسية للخلافة وفي الوظائف العامة، كمواطنين. وكان دستور فلسطين هو دستور الخلافة، شأنها في ذلك شأن بقية أجزاء الخلافة، بما في ذلك تركيا. أي أن فلسطين لم تكن مستعمرة تركية وانما كانت جزءا من دولة الخلافة ذات السيادة، وكان الفلسطينيون شركاء في هذه السيادة، كما كان غيرهم من المواطنين، وبانفصال فلسطين (وغيرها من الاقطار العربية) أصبحت السيادة للشعب الفلسطيني تطبيقا لمبدأ الحق في تفرير المصير الذي اعترفت به عصبة الأمم.

القسم الثاني: مرحلة عدم المشاركة الفلسطينية

تنقسم هذه المرحلة الى:

أولا: فترة الانتداب البريطاني

ثانيا: فترة تجزئة فلسطين

ثالثا: فترة الاحتلال الاسرائيلي

أولا: تحت الانتداب البريطاني

وتمتد هذه الفترة من الاحتلال العسكري البريطاني لفلسطين عام 1917 وتنتهي في 14 مايو 1948 بانسحاب بريطانيا من فلسطين بعد أن أحالت القضية للامم المتحدة متخلية عن انتدابها وصدور قرار الجمعية العامة للامم المتحدة بتقسيم فلسطين وانهاء الانتداب البريطاني.

قامت في فلسطين، بعد احتلالها عام 1917، ادارة عسكرية بريطانية استمرت الى أن منحت عصبة الأمم بريطانيا انتدابا عليها في 24 يوليو1922، ونظام الانتداب نظام ابتكرته عصبة الأمم لادارة أقطار كانت تابعة لدول المحور، أو جزءا منها وفصلت عنها غير أنها في نظر المنتصرين اعتبرت غير جاهزة للاستقلال الناجز بعد هذا الانفصال، وكانت هذه الاقطار الأخيرة جزءا من الخلافة العثمانية ، ومن بينها فلسطين. ولذا نصت الفقرة رقم 3 من المادة 22 من عهد عصبة الأمم الذي أصبح نافذا في 10 يناير 1920 على وضع خاص لهذه الاقطار: “إن بعض الشعوب التي كانت خاضعة للامبراطورية التركية قد وصلت الى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف مؤقتا بكيانها كأمم مستقلة خاضعة لقبول الارشاد الاداري والمساعدة من قبل الدولة المنتدبة حتى ذلك الوقت الذي تصبح فيه هذه الشعوب قادرة على النهوض وحدها ويجب أن يكون لرغبات هذه الشعوب المقام الاول في اختيار الدولة المنتدبة”. وبموجب هذا النص فان فلسطين كانت معتبرة مستقلة ولكنها تحتاج الى مساعدة ادارية من الدولة المنتدبة لتصبح قادرة على الوقوف بمفردها.

وفي العام ذاته، عام 1922، أصدرت الحكومة البريطانية دستورا لفلسطين في صيغة أمر من مجلس الملك هو (Palestine Order-in-Council, 1922) . وعندما نُشِرَ هذا الدستور اعترض عليه الفلسطينيون، وسافر وفد الى لندن للتفوض مع الحكومة البريطانية. غير أن الوفد لم يحقق شيئا، اذ أصرت بريطانيا على دستورها. ويتضح اعتراض الوفد الفلسطيني من الرسالة التي بعثوا بها لوزير المستعمرات البريطاني عند مغادرتهم لندن، حيث قالوا: “إن حقوق العرب في فلسطين لن تكون مضمونة الا بتأسيس حكومة وطنية فورا، تكون مسئولة أمام مجلس نيابي، ينتخب جميع أعضائه أهل البلاد المسلمون والمسيحيون واليهود”.

وبموجب هذا الدستور أُسْنِدَت حكومةُ فلسطين لمندوب سامٍ، يُعينه ملك المملكة المتحدة، ويساعده مجلسٌ تنفيذي تعينه الحكومة البريطانية. ونص الدستور على انشاء مجلس تشريعي “في الموعد الذي يحدده المندوب السامي” على أن يتكون المجلس من اثنين وعشرين عضوا، عدا المندوب السامي، الذي يكون رئيسا له، عشرة منهم من الموظفين البريطانيين وعشرة من الوطنيين من مسلم ومسيحي واثنان من اليهود. ونظرا لأن العرب سيكونون الاقلية في المجلس، حيث أنه لو جمعت المقاعد المخصصة لليهود مع المقاعد المخصصة للاعضاء الرسميين، فان العرب، وهم الغالبية الساحقة من السكان، سيكونون دائما في الأقلية وستكون التشريعات التي ستنسب للمجلس قانونية، حتى ولو اعترض عليها النواب العرب جميعا، مسلمين ومسيحيين. وكانت صلاحيات هذا المجلس محدودة جدا، وللمندوب السامي حق رفض اي قرار من قراراته، وانحصرت سلطته التشريعية في التشريع “من أجل السلام والنظام وحسن الادارة في فلسطين” ولا يسري أي تشريع الا اذا نال موافقة المندوب السامي أو مجلس الملك أو وزير المستعمرات. ازاء هذا الوضع قاطع العرب الانتخابات، فأوقف المندوب السامي العمل بهذا الجانب من الدستور وعين مجلس شورى بنفس التركيبة، الا أن العرب الذين جرى تعيينهم رفضوا المشاركة في أعمال هذا المجلس. واستمر الحاح العرب على تأليف مجلس تشريعي، الا أن الحكومة البريطانية أعلنت عام 1925 “بأن اقتراح تأسيس مجلس تشريعي لن يطرح للبحث ثانية ما دام العرب يتمسكون بعدائهم للصهيونية ولا يعدلون عنه.”

وبقيت قضية تكوين مجلس تشريعي على أسس سليمة مطلبا فلسطينيا، وعلى إثر اضطرابات 1929 وتقرير لجنة تحقيق برلمانية – لجنة شو (1930) – قررت الحكومة البريطانية “أن الوقت قد حان للتقدم خطوة أخرى في سبيل منح أهالي فلسطين درجة من الحكم الذاتي” وأعلنت عن نيتها في تأليف مجلس تشريعي. غير أن هذا المجلس لم ير النور بسبب المعارضة الصهيونية. ثم كانت محاولة ثالثة عام 1935 بمشروع لمجلس تشريعي يتألف من 28 عضوا: مسلمون: 8 منتخبون و3 معينون، مسيحيون: واحد منتخب واثنان معينان، يهود: 3 منتخبون و4 معينون، تجار: اثنان معينان، موظفون بريطانيون: 5 معينون. ويكون رئيس المجلس بريطانيا يختار من خارج فلسطين، ومدة المجلس خمس سنوات. وكان من بين صلاحياته مناقشة القوانين وعرضها على المندوب السامي للموافقة عليها، ومناقشة الميزانية، واستجواب الحكومة. وافق الفلسطينيون على المجلس من حيث المبدأ، الا أن اليهود رفضوه واستطاعوا حمل مجلس العموم البريطاني على رفضه، مما أدى الى استقالة وزير المستعمرات حينئذ، المستر توماس، من الحكومة ومجلس العموم معا. وقامت ثورة 1936. ثم جاء اقتراح بتقسيم فلسطين، ورفضه العرب كما رفضته عصبة الأمم “لأنه غير عملي ولا ينفع لحل المشكلة القائمة في فلسطين حلا صحيحا”، وعقد مؤتمر في لندن عام 1938 سعيا للوصول الى حل. ولم يتفق الوفدان العربي والصهيوني.

بعد انفضاض مؤتمر لندن، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، والثورة الفلسطينية التي بدأت عام 1936 كانت ما زالت مشتعلة، أصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض لعام 1939 متضمنا الحل الذي ارتأته، وأهم ما جاء فيه، فيما يتعلق بهذا البحث، أن تصبح فلسطين دولة مستقلة بعد مرور عشر سنوات، ويشترك العرب واليهود في الحكومة بصورة تحفظ لكل من الفريقين حقوقه ومصالحه، وتتولى الحكومة البريطانية مسئولية الحكم والادارة في الفترة الانتقالية. وطبعا، لم ينفذ هذا الكتاب الأبيض بعد انتهاء الحرب ودخول أمريكا كالحليف الأقوى للصهيونية. . فتخلت عن الانتداب للامم المتحدة، فكان قرار التقسيم عام 1947 وانتهى الانتداب البريطاني بالكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني.

وهكذا بقيت فلسطين طوال عهد الانتداب محكومة حكما مباشرا من المندوب السامي مجتمعة في يديه السلطتان التشريعية والتنفيذية، يساعده مجلس تنفيذي من البريطانيين المعينين من الحكومة البريطانية. وبهذا فان فترة الانتداب كانت، من الناحية الدستورية، نكسة عما كانت عليه الأوضاع في العهد العثماني، مع أن بريطانيا كانت تدعي الديموقراطية، ومع أن صك الانتداب قد نص على تهيئة الأوضاع في فلسطين للاستقلال. وقد أغفلت بريطانيا هذا الهدف الأساسي للانتداب، بالرغم من الثورات الفلسطينية المتعاقبة ضد هذه السياسة . لقد قال المندوب البريطاني أمام اللجنة الدائمة للانتدابات التي عقدت عام 1925 ، مشيرا الى الاقتراحات التي رفضها العرب في سنتي 1922 و 1923، “إنه يمكن احضار الحصان الى الحوض ليشرب لكنه لا يمكن اجباره على الشرب”. فاجابه رئيس اللجنة:”ربما كان الماء قذران واذا كان كذلك فامتناع الحصان عن شربه أمر معقول، بل هو ضروري.” ومما قالته اللجنة أيضا: “ان العرب وهم في بلادهم يجب أن يكون لهم حق في الادارة أكثر بكثير من أولئك المهاجرين الدخلاء. ولا يستطيع أحد أن يقول بأن العرب مخطئون في طلبهم هذا الحق.”

ثانيا: الفترة ما بين 1948 و 1967

أحالت الحكومة البريطانية مستقبل فلسطين للأمم المتحدة، بعد أن كانت قد التزمت التزاما كاملا بتنفيذ شق من صك الانتداب وهو تهيئة البلاد لتأسيس وطن قومي لليهود، في حين فشلت في تنفيذ الهدف الاساسي منه، والذي اعتبرته المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم “أمانة مقدسة في يد الحضارة” وهو “مصلحة وتنمية” البلاد اداريا لتصبح قادرة على حكم نفسها بنفسها ، وكان هذا سبب اصرار العرب طوال فترة الانتداب على قيام مجلس تشريعي وحكومة مسئولة أمامه، وهو ما حاول الكتاب الأبيض لعام 1939 البدء في تحقيقه، ولكن بريطانيا مرة أخرى لم تنفذ التزاماتها تجاه الفلسطينيين، واشتعل الارهاب الصهيوني للحيلولة دون تنفيذ الكتاب الأبيض، وادعت الحكومة البريطانية بأنها عاجزة عن حكم البلاد.

كان على الامم المتحدة، في هذه الحالة، التزاما بصك الانتداب، أن تعترف باستقلال فلسطين، وتعين من يساعد على لتخاذ اجراءات محددة لنقل السلطة لحكومة فلسطينية. الا أن الجمعية العامة أصدرت في 29 نوفمبر 1947 القرار رقم 181(2) الذي أوصى بتقسيم البلاد الى دولتين احداهما عربية والثانية يهودية مع اتحاد اقتصادي بينهما، ووضع خاص لمدينة القدس. وأعلنت بريطانيا عزمها على الانسحاب من فلسطين يوم 14 مايو 1948 وفي 15 مايو أعلن قيام دولة اسرائيل . وكانت حرب 1948 التي احتلت فيها اسرائيل مساحات اضافية وبقي من فلسطين في يد العرب ما سموه فيما بعد بقطاع غزة والضفة الغربية، واختفى بذلك اسم فلسطين من الخرائط والخطاب السياسي العربي والأجنبي الا ما كان يسمى بالقضية الفلسطينية. ودخل هذا الجزءان في وضعين دستوريين مختلفين. يضاف الى ذلك أن آلافا من الفلسطينيين قد لجأوا الى أقطار عربية وأجنبية واعتبروا لاجئين، فهؤلاء فقدوا حقوقهم الدستورية (وكثيرا من الحقوق الأخرى) ولم يكتسبوا حقوقا دستورية جديدة في أماكن تواجدهم، باستثناء تلك القلة التي لجأت لاقطار أجنبية واكتسبت، مع الزمن، جنسيتها. كما أصبح جزء من الشعب الفلسطيني الذي بقي في الأرض خاضعا للدولة العبرية وقوانينها وممارساتها العنصرية. ولكنهم مارسوا حقهم في الانتخاب، ونجحوا، مع الزمن، في تشكيل أحزاب سياسية والدخول الى الكنيسيت نتيجة للانتخابات.

قطاع غزة

بدأت الادارة المصرية لقطاع غزة في 26 مايو 1948 . وفي بادئ الأمر حوفظ على الدستور الفلسطيني في عهد الانتداب مع ممارسة الصلاحيات التي كانت للمندوب السامي من قبل الحاكم الاداري المصري. واستمر هذا الوضع الى أن اصدر الرئيس جمال عبد الناصر قانونا أساسيا لقطاع غزة في 29 مارس 1962 والغي دستور الانتداب.

نص القانون الأساسي على حاكم عام، يعينه رئيس الجمهورية المصرية، ومجلس تنفيذي ومجلس تشريعي وقضاء مستقل. وبموجبه يتولى الحاكم العام اصدار القوانين التي يقرها المجلس التشريعي، وله حق الاعتراض على هذه القوانين واعادتها للمجلس، فاذا أقرها المجلس، بعد اعادتها، بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه، أصبحت قانونا نافذا وسقط حق الاعتراض عليها.

أما المجلس التنفيذي فيتكون من الحاكم العام ونائبه وتسعة رؤساء دوائر. ويتولى وزير الحربية المصري تعيين نائب الحاكم العام ورؤساء الدوائر. ومع أن القانون الأساسي لا يشترط أن يكون أعضاء المجلس التنفيذي مصريين الا أن العمل الذي جرى به طوال الادارة المصرية للقطاع أنه لم يعين فلسطيني واحد عضوا في المجلس التنفيذي أو رئيسا لدائرة.

أما المجلس التشريعي فقد نص على أنه يتكون من (1) الحاكم العام، رئيسا و(2) أعضاء المجلس التنفيذي و (3) 22 عضوا تنتخبهم اللجان المحلية لحزب جديد تم انشاؤه باسم الاتحاد القومي العربي الفلسطيني و (4) 10 أعضاء آخرين من الشخصيات المشهود لهم بالكفاءة يختارهم الحاكم العام من بين أولئك المؤهلين للترشيح للجان المحلية للاتحاد المذكور. وهؤلاء الاثنان والثلاثون عضوا جميعهم من الفلسطينيين. وحيث أنه من غير المتوقع أن يصوت أعضاء المجلس التنفيذي الى جانب قانون يعترض عليه رئيس المجلس، وهو الحاكم العام، فانه يصبح من شبه المستحيل امرار تشريع يرده الحاكم العام الى المجلس، اذ أن ذلك يتطلب تصويت جميع النواب الفلسطينيين، بما فيهم المعينون من الحاكم العام، الى جانب القانون. وبهذا فان سلطة الحاكم العام كانت مؤكدة في التحكم في التشريعات، وتجعل من حق الاعتراض حق نقض حقيقي. وبموجب هذا القانون الاساسي فقد اعتبر الفلسطينيون جميعا أعضاء في هذا الحزب الواحد ويشتركون، نظريا، في اختيار اللجان المحلية التي تختار بدورها الاعضاء الاثنين والعشرين. انه نظام معقد لحزب واحد يعبر عن الانتخاب غير المباشر بدلا من الانتخاب الشعبي المباشر لممثليه، كما أن وجود تسعة من المعينين الذين هم اعضاء المجلس التنفيذي وعشرة آخرون يعينهم الحاكم العام يباعد ما بين هذا النظام والنظام الديموقراطي، غير أنه لم يكن بعيدا عما كان معمولا به في مصر في ذلك الحين.

لقد سار النظام الأساسي هذا على نهج دستور فلسطين أيام الانتداب البريطاني، فالحاكم العام هو المندوب السامي، ورؤساء الدوائر هم تسعة، وكل هؤلاء من المصريين، كما كان أسلافهم من البريطانيين. والمجلس التشريعي هو التغيير الوحيد اذ وضع موضع التنفيذ. وواضح أن الحكومة المصرية لم ترغب في احداث تغييرات جوهرية، مثل اقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي، مع أنها لم تكن دولة محتلة يحظر عليها، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، اجراء تغييرات في الأوضاع الدستورية القائمة، كما أن النظام لم يمنح للمجلس التشريعي حق مساءلة الحاكم العام أو المجلس التنفيذي أو سحب الثقة من أي منهما. الا أن الحكم المصري بوجه عام كان حكما يرعى مصلحة الفلسطينيين ولم يقع تشاد أو تنابذ بين الجانبين، خاصة وأن مصر أرسلت للقطاع عددا من خيرة القضاة ورجال النيابة العامة، الأمر الذي ساهم مساهمة كبيرة في ارساء قواعد سيادة القانون. ولا نغالي اذا قلنا بأن الفلسطينيين كانوا يتمتعون بحقوق الانسان بقدر أكبر من نظرائهم في مصر ذاتها. ومع ذلك فقد حرم هذا النظام الفلسطينيين من ممارسة الحكم الذاتي، وتحمل مسئولية الحكم، وممارسة الديموقراطية، بما تنطوي عليه من المساءلة والمحاسبة. وبقي هذا النظام معمولا به الى أن وقع الاحتلال الاسرائيلي عام 1967.

الضفة الغربية

وكما حدث في القطاع، فان المملكة الاردنية الهاشمية لم تمارس سلطاتها في الضفة الغربية، التي كانت في يد القوات الاردنية عند توقف القتال عام 1948، كسلطة احتلال. وفي البداية سنت عددا من التشريعات، كما فعلت مصر بشأن القطاع، نقلت بموجبها الى السلطات الاردنية الاختصاصات التي منحها دستور فلسطين لملك المملكة المتحدة وللمندوب السامي، وعين حاكم عسكري لادارة الضفة يساعده عدد من الفلسطينيين. وفي أول شهر ديسمبر عام 1948 عقد عدد من وجهاء فلسطين مؤتمرا في أريحا وقرروا تقديم عريضة للملك عبد الله (الأول) ملك الأردن في ذلك الحين يطلبون فيها توحيد ضفتي النهر في دولة واحدة. وفي 24 ابريل 1950 صادق البرلمان الاردني بمجلسيه على تلك العريضة وأصبحت الضفة الغربية من ذلك التاريخ جزءا من المملكة الاردنية الهاشمية ، وأصبح مواطنوها من رعايا تلك المملكة. وبهذه الصفة أصبحوا خاضعين للدستور الأردني القائم، وأصبح من حقهم ممارسة الحقوق السياسية التي يمارسها المواطن الأردني.

ووزعت المقاعد في مجلس النواب بالتساوي بين الضفتين وتولى الفلسطينيو الأصل مناصب وزارية بالتساوي في معظم الأحيان مع الاردنيين الأصليين. أما منصب رئيس الوزراء فنادرا ما أسند الى أردني من أصل فلسطيني. ولم يكن الأردن في يوم من الأيام يسير على نظام الحزب الواحد، بل كانت التعددية من أبرز خصائصه، ولهذا فقد كانت الممارسة الحزبية متاحة لفلسطينيي الضفة الغربية. وعلى هذا فقد أتيحت للفلسطينيين في الأردن فرص ممارسة الحياة السياسية والبرلمانية والحزبية وتحمل المسئولية على نحو لم يتح لهم في القطاع في ظل القانون الأساسي لعام 1962. واستمر هذا الوضع الى أن وقعت حرب 1967 وسقطت الضفة الغربية تحت الاحتلال الاسرائيلي.

تحت الاحتلال الاسرائيلي

استولت اسرائيل على الضفة والقطاع عام 1967 كمحتل له برنامجه السياسي التي كان يتعارض تعارضا كليا مع حقوق ورغبات الشعب الفلسطيني. وكان من أول الاجراءات نقل الاختصاصات كلها من تشريعية وتنفيذية وقضائية لحكام عسكريين. ولم تلتفت اسرائيل الى التزاماتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر عليها، كدولة محتلة، احداث تغييرات في الوضع القائم أو في التشريعات، وكثيرا ما أدينت في الأمم المتحدة، بهيئاتها المتعددة، لانتهاكها أحكام تلك الاتفاقية. وما يهمنا في هذا البحث هو أن اسرائيل قد عطلت جميع الحقوق والأوضاع الدستورية للشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال، مع أنها، في أول الأمر، عينت حاكمين عسكريين مستقلين ، واحد للضفة والثاني للقطاع، غير أنها عادت وعدلت عن ذلك وعينت حاكما واحدا، ولم تتح للفلسطينيين أية فرصة لممارسة حقوق سياسية، كالابقاء في القطاع على المجلس التشريعي، بل انها ألغت ما كانت قد أبقت عليه وهو الانتخابات المحلية للبلديات، وأعادت للحياة قانون الطوارئ الذي وضع في عهد الانتداب البريطاني والذي انتهكت بمقتضاه الحقوق المدنية انتهاكا صارخا. وامتدت يد السلطات الاسرائيلية للقضاء الفلسطيني فسحبت منه الكثير من اختصاصاته وأوكلتها للجان عسكرية اسرائيلية. وفي سبتمبر 2005، تنفيذا لخطة شارون أحادية الجانب، أعادت القوات الاسرائيلية انتشارها في قطاع غزة بالانسحاب منه، ودمرت المستوطنات، وألغت الحكومة المدنية الاسرائيلية بالنسبة للقطاع، واستلمت السلطة الوطنية الفلسطينية مسئولية ادارة القطاع، في حين بقيت اسرائيل مسيطرة على حدود القطاع برا وبحرا وجوا. وهذه الاجراءات لم تشمل الضفة الغربية، عدا عن تدمير أربع مستوطنات في شماله. وهكذا فقد بقي الاحتلال قائما.

القسم الثالث: المحاولات الدستورية الفلسطينية

لم يكن للفلسطينيين مشاركة في صياغة النظم الدستورية التي خضعوا لها، بغض النظر عن طبيعتها والحقوق التي تمتعوا بها في ظلها، أيام الانتداب البريطاني وفي قطاع غزة أيام الادارة المصرية. أما في الضفة الغربية أيام اتحاد الضفتين في المملكة الاردنية الهاشمية فكان ابناء الضفة جزءا من المملكة، ومن لم يكونوا بهذه الصفة كانوا خارج اطار الحياة الدستورية الاردنية. بيد أنه جرت ثلاث مبادرات لاقامة أوضاع دستورية تعبر عن الشعب الفلسطيني في مجموعه بغض النظر عن التجزئة والتشرد اللذين تعرض لهما: المبادرة الأولى عام 1948 عندما أعلنوا قيام حكومة عموم فلسطين، والثانية عام 1964 عندما أعلنوا قيام منظمة التحرير الفلسطينية، والثالثة عام 1988 عندما أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين وما تبع ذلك من وضع قانون أساسي هو الآن الدستور المعمول به في فلسطين في ظل الاحتلال الاسرائيلي. ونبحث الآن هذه المبادرات الثلاثة.

أولا: حكومة عموم فلسطين

أدى الفشل العربي في منع قيام دولة اسرائيل على ارض فلسطين، وحاجة الفلسطينيين للتعبير عن تمسكمهم بوطنهم ورفضهم لاقتطاع جزء كبير منه، الى تنادي الفلسطينيين لاعلان قيام حكومة فلسطينية سميت بحكومة عموم فلسطين. ففي اليومين الثاني والثالث من اكتوبر عام 1948 ، وبدعوة من الهيئة العربية العليا، التي كانت في ذلك الوقت تمثل الشعب الفلسطيني، عقد مؤتمر وطني في غزة شارك فيه ممثلون عن مختلف المنظمات الفلسطينية، وعددٌ من الناشطين في الميدان السياسي والوجهاء والمهنيين. وفي ذلك المؤتمر تقرر اعلان قيام حكومة عموم فلسطين، وأقر المجتمعون نظاما مؤقتا لتلك الحكومة. وقد اعتبر هذا النظام مؤقتا في انتظار عقد جمعية تأسيسية منتخبة تضع دستورا للبلاد وتحدد شكل حكومة فلسطين. ويتضح من هذا النظام أن المجتمعين كانوا معنيين باقامة حكومة لا بوضع دستور، وذلك لمواجهة الأحداث التي ألمت والتي لم تكن تسمح بوضع دستور يحتاج الى الكثير من التأني ووضوح الرؤية عن المستقبل.

يتكون هذا النظام من ثماني عشرة مادة، وينص على أن حكومة عموم فلسطين تتكون من مجلس وطني ومجلس للوزراء ومجلس أعلى. أما المجلس الوطني فيتكون من المجتمعين الى أن تجري انتخابات. ولم يحدد النظام اختصاصات هذا المجلس الوطني، كما أن التطورات لم تسمح له بعقد جلسة ثانية. وأما المجلس الأعلى، وهو مجلس رئاسة على ما يبدو، فيتكون من رئيس المجلس الوطني ورئيس الوزراء ورئيس المحكمة العليا، وهذا المجلس هو الذي يعين مجلس الوزراء. ووفقا للنظام فان حكومة عموم فلسطين تمارس صلاحياتها بخصوص جميع الاراضي الفلسطينية التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني، أي أن هذه الحكومة لم تعترف بقيام اسرائيل ولا بتقسيم فلسطين. وهذا الموقف ينسجم مع رفض الفلسطينيين والعرب لقرار التقسيم. ونص النظام على قيام قضاء مستقل عن الهيئتين التشريعية والتنفيذية.

ومن المؤسف أن الدول العربية، وان كانت قد اعترفت بهذه الحكومة واعتمدتها في جامعة الدول العربية ممثلا لفلسطين، الا أنها لم تسمح لها بممارسة أي نشاط في الاراضي الفلسطينية التي كانت تخضع للادارة العربية. فعند قيام هذه الحكومة لم تكن الضفة الغربية قد ضمت للاردن وكان قطاع غزة تحت الادارة المصرية العسكرية. لقد كان بالامكان السماح لها بالعمل مع شعبها وفي الاراضي الفلسطينية التي كانت تحت الادارة العربية، والسعي لكسب الاعتراف بها دوليا، لا سيما تلك التي عارضت قرار التقسيم، وتمكينها من الشروع في بناء كيان فلسطيني مستقل له مؤسساته الدستورية والنضالية بدعم من الدول العربية. ولكن الخلافات والمطامع العربية في ذلك الوقت حالت دون ذلك، بل حالت دون أن يكون لهذه الحكومة ولو مكتب في الاراضي الفلسطينية، فقد كان مقرها في القاهرة واقتصر نشاطها لفترة محدودة على اصدار جوازات سفر فلسطينية لبعض الفلسطينيين وحضور جلسات جامعة الدول العربية. وأشهد، وقد حضرت بعض هذه الجلسات على مستوى وزراء الخارجية، أن الجامعة والحكومات العربية في ذلك الوقت لم تكن تعير هذه الحكومة أي اهتمام، وكان اليأس واضحا على رئيس تلك الحكومة. وماتت حكومة عموم فلسطين بوفاة أول وآخر رئيس لها هو المرحوم أحمد حلمي عبد الباقي عام 1963، اذ أن المجلس الأعلى الذي نص عليه النظام لم يقم بتعيين خلف له. ويبقى السؤال قائما دون جواب عن مسيرة القضية الفلسطينية لو كان قد سمح لهذه الحكومة أن تنشط في أرضها ووسط شعبها وتقيم كيانا فلسطينيا يتمتع بالسيادة فيما تبقى من أرضه في عام 1948.

ثانيا: منظمة التحرير الفلسطينية

أدى انقضاء حكومة عموم فلسطين الى فراغ في الشأن الفلسطيني يتمثل في عدم وجود جهة معترف بها تمثل الشعب الفلسطيني في جامعة الدول العربية وفي غيرها من المحافل، الأمر الذي أدى الى اختيار المرحوم أحمد الشقيري، المحامي الفلسطيني اللامع والممثل السابق لسوريا في الأمم المتحدة، ممثلا لفلسطين في جامعة الدول العربية. وفي أول قمة عربية عقدت في 13 – 16 يناير 1964 اتخذ قرار يقضي بانشاء كيان فلسطيني يعبر عن رأي الشعب الفلسطيني ويطالب بحقوقه، ووقع الاختيار على الأستاذ أحمد الشقيري للقيام بهذه المهمة. وأدت زيارات الشقيري للتجمعات الفلسطينية في مختلف الأقطار العربية واتصالاته، الى اختياره لممثلين لهذه التجمعات وانعقاد مؤتمر فلسطيني في مدينة القدس في اليوم الثامن والعشرين من شهر مايو 1964 حضره 397 شخصا من مندوبين اختارهم الشقيري، ووجهاء ووزراء فلسطينيين من الأردن، ورؤساء بلديات وممثلي نقابات واتحادات ومخيمات. وكثيرون من هؤلاء فرضوا على الشقيري حيث أن العدد الأصلي الذي وجهت اليه الدعوات كان في حدود المائة فقط. وكان حضور المخابرات الأردنية واضحا في اللجان التي شكلها المؤتمر وفي الاجتماعات الأخرى. وشكل المؤتمر عددا من اللجان كان من أهمها لجنة الميثاق والأنظمة التي عهد اليها بصياغة الميثاق الوطني الفلسطيني وأنظمة منظمة التحرير الفلسطينية. واعتمد المؤتمر وثيقة اعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية والميثاق الوطني الفلسطيني والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية واللائحة الداخلية للمجلس الوطني الفلسطيني. وانتخب المؤتمر الاستاذ الشقيري رئيسا للجنة التنفيذية وكلفه باختيار أعضاء اللجنة. وقرر المؤتمر أن يكون هو المجلس الوطني الفلسطيني الى أن تجري الانتخابات التي نص عليها النظام الأساسي لمنظمة التحرير . وبهذه الاجراءات كانت منظمة التحرير الفلسطينية ربما أول حركة تحرير يكون لها نظام قانوني يحكمها، تعبيرا عن سيادة القانون في تصرفاتها ومسيرتها، وخروجا على التقاليد الثورية التي لا تعتد بوجود نظام قانوني يكون المرجعية في مواقفها وتحديد أهدافها والوسائل لبلوغ هذه الأهداف والمؤسسات التي ترسم السياسة وتتخذ القرار وطرق مساءلة القائمين على أمور المنظمة وشفافية مواردها المالية وطرق التصرف فيها.

وقد رجب بيان مجلس ملوك ورؤساء دول الجامعة العربية في دور اجتماعه الثاني في الاسكندرية من 5 حتى 11 سبتمبر 1964 “بقيام منظمة التحرير الفلسطينية دعما للكيان الفلسطيني وطليعة للنضال العربي الجماعي لتحرير فلسطين، واعتمد قرار منظمة التحرير الفلسطينية انشاء جيش التحرير الفلسطيني وعين التزامات الدول الاعضاء لمعاونتها في ممارسة مهمامها”

الميثاق الوطني الفلسطيني

الميثاق الوطني الفلسطيني، ويتكون من 29 مادة في صيغته الأصلية، يعتبر أهم وثيقة وطنية في التاريخ الوطني الفلسطيني المعاصر. ومن أهم مواد الميثاق، في صيغته التي أقرها المؤتمر، “أن فلسطين وطن عربي تجمعه روابط القومية العربية بسائر الاقطار العربية التي يؤلف معها الوطن العربي الكبير” (م 1)، “فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة اقليمية لا تتجزأ” (م 2) ، ” الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه وهو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية يشترك معها في آمالها وآلامها، وفي كفاحها من أجل الحرية والسيادة والتقدم والوحدة” (م 3)، “شعب فلسطين يقرر مصيره، بعد أن يتم تحرير وطنه، وفق مشيئته وبمحض ارادته واختياره” (م 4)، “الشخصية الفلسطينية صفة لازمة لا تزول وهي تنتقل من الآباء الى الأبناء” (م 5)، “إن مصير الأمة العربية، بل الوجود العربي بذاته، رهن بمصير القضية الفلسطينية، ومن هذا الترابط ينطلق سعي الأمة العربية وجهدها لتحرير قلسطين، ويقوم شعب فلسطين بدوره الطليعي لتحقيق هذا الهدف العربي المقدس” (م 13)، “إن تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام اسرائيل باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن لمغايرته لارادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه ومناقضته للمبادئ العامة التي نص عليها ميثاق الامم المتحدة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير” (م 17)، يعتبر باطلا كل من وعد بلفور وصك الانتداب وما ترتب عليهما وإن دعوى الروابط التاريخية أو الروحية بين اليهود وفلسطين لا تتفق مع حقائق التاريخ ولا مع مقومات الدولة في مفهمومها الصحيح” (م 18) “الصهيونية حركة استعمارية في نشوئها، عدوانية توسعية في أهدافها، عنصرية تعصبية في تكوينها، فاشستية بمراميها ووسائلها. وان اسرائيل بوصفها طليعة هذه الحركة الهدامة وركيزة للاستعمار، مصدر دائم للقلق والاضطراب في الشرق الأوسط خاصة، وللاسرة الدولية بصورة عامة. ومن أجل ذلك فان أهل فلسطين جديرون بعون الاسرة الدولية وتأييدها” (م19). وعدل الميثاق عام 1968 في دورة للمجلس الوطني عقد في القاهرة وشارك فيه ممثلون عن المنظمات فقط، ومن أهم التعديلات الاصرار على أن الكفاح المسلح هو وحده الطريق للتحرير، في حين أن النص الأصلي كان تعمد عدم النص على طريق واحد للتحرير لا غيره. ثم جرت محاولة لتعديله بعد اتفاقيات أوسلو، غير أنه لم تقم لجنة قانونية باعادة صياغة الميثاق في ضوء ما تقرر تعديله، ولم تتبع اجراءات التعديل المنصوص عليها في الميثاق، وبالتالي لم يقر المجلس الوطني تعديلات محددة بنصوصها، واكتفي بقراءة مواد كان سيطالها التعديل في اجتماع لمجلس وطني، مشكوك في عضوية من حضره، عقد في غزة بمناسبة زيارة الرئيس الامريكي كلنتون للقطاع.

وقد ألحق بالميثاق النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والنظام الاساسي للصندوق القومي الفلسطيني بوصفهما أداتي تنفيذ الميثاق لتحديد أهدافه. وبمقتضى النظام الاساسي لمنظمة التحرير اعتبر جميع الفلسطينيين أعضاء في المنظمة ، أي أن المنظمة اعتبرت هي الكيان القانوني الجامع للشعب الفلسطيني، وبالتالي فقد أصبح هذا الانتماء نافذا بحكم القانون ولا يستدعي الانتماء للمنظمة تقديم طلبات انضمام أو اتخاذ قرارات بهذا الشأن. فالمنظمة هي الشعب كله وهي التي تمثله بمؤسساتها التي نص عليها النظام وهي المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والصندوق القومي.

المجلس الوطني

المجلس الوطني هو السلطة الدستورية العليا للشعب الفلسطيني، هو البرلمان الفلسطيني في المنفى، ونص النظام على أن القدس هي مقر المجلس الوطني. كما نص على أن اعضاءه يأتون بالانتخاب عن طريق الاقتراع. وكما ذكرنا سابقا، فان الدول العربية عارضت في اجراء انتخابات فلسطينية في أراضيها، ولذلك فقد تم الاتفاق بين هيئة مكتب المجلس واللجنة التنفيذية والمنظمات الفلسطينية على أسلوب لاختيار الأعضاء بحيث يمثلون كافة التجمعات الفلسطينية والمنظمات والاتحادات والنقابات الفلسطينية. وكان للمستقلين الذين لا ينتمون لأي تنظيم عدد كبير من الممثلين. وأخذت عضوية المجلس في التزايد لاتاحة أوسع فرصة لتمثيل التجمعات الفلسطينية بحيث بلغت ما يفوق اربعمائة. ومدة المجلس الوطني ثلاث سنوات وينعقد دوريا مرة كل سنة. وبصفته السلطة الفلسطينية العليا، فإن المجلس هو الذي يرسم السياسة العامة للمنظمة، وهو الذي ينتخب أعضاء اللجنة التنفيذية ورئيس الصندوق القومي الفلسطيني الذي يصبح بعد انتخابه عضوا في اللجنة التنفيذية، وهو الذي ينظر في التقرير السنوي للصندوق القومي ويعتمد ميزانية المنظمة. ومن حق المجلس أثناء انعقاده أن يشكل ما يشاء من اللجان لتسيير أموره.

وقد قامت صعوبات كبيرة حول التقيد بالنص الذي يقتضي عقد دورات سنوية للمجلس، أو حتى عقده كل ثلاث سنوات، خاصة وأن عدد الأعضاء قد قارب على الاربعمائة، الأمر الذي استدعى انفاق مبالغ طائلة لعقد كل اجتماع، وما اقتضته الاجتماعات من اتخاذ ترتيبات أمنية لحماية الأعضاء. ونظرا لهذه الصعوبات فقد اتخذ المجلس قرارات تنظيمية هامة في دورته السابعة عشرة التي عقدت في عمان عام 1984، من بينها انشاء المجلس المركزي من عدد لا يتجاوز المائة يختارهم المجلس من بين أعضائه، على أن يمارس هذا المجلس المركزي اختصاصات المجلس الوطني باستثناء انتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية وقبول استقالتها أو تعديل الميثاق أو النظر في الميزانية. وكذلك وفي نفس الدورة أنشئت لجان دائمة لا تنفض بانفضاض الدورة وتبقى عاملة حسب الاقتضاء، من بينها لجنة سياسية وأخرى قانونية. بهذه الترتيبات جرى التغلب على عديد من الصعوبات العملية التي كانت تواجه انعقاد المجلس.

والمجلس الوطني هيئة مستقلة عن المنظمات المشاركة في عضويته، فهو لا يرسم سياساتها أو يتدخل في شئونها، وبالتالي فهو ليس مسئولا عن مواقفها وتصرفاتها، تماما كما هو الحال في المجالس النيابية، حيث أن المجلس النيابي لا يكون مسئولا عن سياسات أو تصرفات الأحزاب أو الأفراد الأعضاء فيه. ولا يتقيد المجلس بالاتفاقيات التي تبرمها المنظمات فيما بينها فيما يتعلق بأمور المجلس، وقد رفضت اللجنة القانونية مثلا اعتماد اتفاق بين المنظمات حول تشكيل مكتب المجلس، لأنها اعتبرت ذلك اعتداء على حق المجلس في انتخاب من يشاء لهذه المناصب وفقا لنظامه الداخلي. ومنعا لسيطرة أي تنظيم على المجلس فقد نص على أن النصاب القانوني لصحة اجتماعاته هو ثلثا كامل العضوية.

وقد شهد المجلس الوطني نمو الديموقراطية الفلسطينية، وظهور التكتلات والمعارضة والتعددية التنظيمية والمساءلة الدستورية للجنة التنفيذية، وكانت جلساته كلها علنية، تعبيرا عن أن المنظمة ليست منظمة سرية ترسم سياستها وتتخذ قراراتها في الخفاء. كما شهد المجلس تركيزا واضحا على ضرورة احترام سيادة القانون في تسيير أمور المنظمة والالتزام بالميثاق والنظام الأساسي واللائحة الداخلية للمجلس. وقد مر المجلس بتجربة عصيبة في الدورة السابعة عشرة (دورة عمان) عام 1984 حين تقدم عدد من الأعضاء طالبين انهاء عضوية أولئك الذين شاركوا في الهجوم على المخيمات الفلسطينية في لبنان وقيادة منظمة التحرير، وكان الجو عاصفا نظرا للمشاعر القوية التي كان يحس بها الأعضاء. ومع ذلك، وفي نقاش استمر أربع ساعات في جلسة علنية، تمسكت اللجنة القانونية بضرورة الالتزام بالاجراءات التي نصت عليها اللائحة الداخلية لسحب العضوية، ورفضت الحجج التي قدمت بأن هذا ظرف طارئ أو أن الحركات الثورية لا تتقيد بالنصوص التقليدية التي تتطلب اتاحة الفرصة لمن يراد اسقاط عضويته ليرد أولا على التهم الموجهة اليه. ومما يسجل للمجلس الوطني أنه بعد مناقشات حامية وعواطف ملتهبة استجاب لمنطق العدل والقانون وصوت الى جانب موقف اللجنة القانونية، وباشرت رئاسة المجلس في اتخاذ الاجراءات السليمة في هذا الشأن. وكان في ذلك حماية لأعضاء المجلس من اتفاق البعض لأي سبب من الأسباب على انهاء عضوية أي عضو دون تمكينه من الدفاع عن نفسه.

أما اللجنة التنفيذية فهي أعلى سلطة تنفيذية في المنظمة، وتكون دائمة الانعقاد، وأعضاؤها متفرغون للعمل، وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني وتكون مسئولة أمامه مسئولية تضامنية وفردية، ويكون مقرها القدس ولها أن تعقد اجتماعاتها في أي مكان آخر تراه مناسبا، وتتكون من 14 عضوا ينتخبهم المجلس الوطني، وتنتخب اللجنة رئيسا لها من بين أعضائها. ويرأس عدد منهم دوائر نص على ايجادها النظام الأساسي وهي الدائرة العسكرية ودائرة الشئون السياسية والاعلامية ودائرة الصندوق القومي الفلسطيني ودائرة الشئون الادارية . وخول النظام اللجنة التنفيذية انشاء ما تراه ضروريا من دوائر أخرى. وتستمر اللجنة في عملها ما دامت تتمتع بثقة المجلس الوطني، الا أن عليها أن تقدم استقالتها للمجلس الوطني الجديد في أول اجتماع يعقده.

أما الصندوق القومي الفلسطيني فله مجلس ادارة ونظام خاصان به وينتخب المجلس الوطني رئيسه الذي يصبح بهذه الصفة عضوا في اللجنة التنفيذية، وتتكون موارده من ضريبة ثابتة على الفلسطينيين تفرض وتجبى بنظام خاص، وكان كل فلسطيني في عدد من الأقطار العربية يدفع هذه الضريبة وتحصلها دوائر الضريبة في البلدان العربية، ويفترض أن تقوم بتحويلها للصندوق. وما أكثر الصعوبات التي كانت تواجه عملية التحويل هذه. أما الموارد الأخرى فنص على أنها المساعدات المالية التي تقدمها الحكومات والأمة العربية، وطابع التحرير الذي تنشئه الدول العربية لاستعماله في المعاملات البريدية وغيرها، والتبرعات والهبات، والقروض والمساعدات العربية أو التي تقدمها الشعوب الصديقة وأية موارد أخرى يقرها المجلس الوطني. ونص النظام على تشكيل لجان لنصرة فلسطين في البلاد العربية والصديقة لجمع التبرعات ومساندة المنظمة في مساعيها القومية.

ونص النظام غلى اقامة جيش من أبناء فلسطين يعرف بجيش التحرير الفلسطيني تكون له قيادة مستقلة تعمل تحت اشراف اللجنة التنفيذية، وواجبه القومي أن يكون الطليعة في خوض معركة التحرير. وبالفعل فقد قام هذا الجيش، ولكنه كان موزعا في الأقطار العربية، ولم يكن يتمتع بالاستقلالية التي نص عليها النظام، وانما أصبح في الواقع خاضعا لسلطات الدولة العربية الموجود في أراضيها، ولم يقم بالدور المرجو منه. وعندما قامت السلطة الوطنية أصبح الكثيرون من ضباطه ورجاله قوات الأمن الفلسطينية.

وألحق بالنظام الأساسي لمنظمة التحرير لائحة داخلية للمجلس الوطني سارت على نمط اللوائح الداخلية للنظم البرلمانية في الدول الديموقراطية.

لقد واجهت منظمة التحرير الكثير من الصعاب، غير أنها،بالرغم من كل ما قد يقال، فانها نجحت في المحافظة على الكيان الفلسطيني واستطاعت أن تنقل القضية الى حقيقتها كقضية شعب يناضل من أجل وطنه وحقوقه في هذا الوطن، بعد أن تنكر كثيرون لوجود الشعب الفلسطيني كشعب له حقوق، واعتبروا القضية قضية لاجئين فقط. واعترف العالم بهذا الوضع الجديد الذي ناضلت منظمة التحرير من أجله، بما في ذلك أمريكا وأوروبا واسرائيل، وأصبحت المنظمة هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني تتكلم باسمه وتطالب بحقوقه.

هذا عرض موجز للنظام الدستوري الذي يحكم منظمة التحرير الفلسطينية، وهو بالطبع لم يتعرض لكافة النصوص، غير أن ما ذكرناه يشير الى تجربة في الديموقراطية الفلسطينية في ظروف الشتات، وقد أرست هذه التجربة جذورها في الأوساط الفلسطينية، كما تكشف فيما بعد في مرحلة وضع واقرار القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية.

ثالثا: القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية

مقدمة

جاء القانون الأساسي للسلطة الوطنية في المرحلة الانتقالية تطورا طبيعيا للأحداث. وكانت البداية عندما أعلن الملك حسين فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 1988. وقد وصل إعلان الملك لمنظمة التحرير في رسالة رسمية تليت في المجلس المركزي عندما كان مجتمعا في بغداد، وبعد تلاوة تلك الرسالة تقدمت للمجلس، بصفتي رئيس اللجنة القانونية، باقتراح يقضي باعلان قيام دولة فلسطين، وذلك ممارسة من الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره، ومنعا لاسرائيل، الدولة المحتلة، من الادعاء بقيام فراغ في السيادة على الأرض الفلسطينية بعد إعلان فك الارتباط. وكانت الانتفاضة الأولى مشتعلة، وقد أقامت تنظيماتها الداخلية المعبرة عن ممارسة السلطة للعناية بالامور اليومية للشعب، بما في ذلك فض الخلافات التي تتولاها عادة السلطة القضائية. ووافق المجلس على الاقتراح بالاجماع. وكلفت بالبدء في اعداد صيغة اعلان الاستقلال وقيام الدولة. وبعد مشاورات ووضع صيغ متعددة قام الشاعر الكبير الاستاذ محمود درويش بصياغة الاعلان بصورة نهائية بأسلوب أدبي حافظ على الجوانب القانونية التي تتعرض للحقوق الثابتة وحق كل فلسطيني في الدولة العتيدة والأسس التي ستبنى عليها الدولة من نظام برلماني ديموقراطي يقوم على التعددية واحترام حقوق الانسان.

وكان من الأمور التي طُرحت البرنامج السياسي الذي ستسير عليه المنظمة بعد اعلان الاستقلال، واستقر الرأي على الفصل بين هذا البرنامج والاعلان، حيث أن البرامج السياسية عرضة للتغير، في حين أن وثيقة اعلان الاستقلال ثابتة، وهي مرجعية المستقبل، بالاضافة الى الميثاق الوطني الفلسطيني.

وعقد المجلس الوطني دورة الجزائر في الخامس عشر من نوفمبر 1988. في ذلك الاجتماع التاريخي أقر المجلس بالاجماع وثيقة إعلان الاستقلال، وقيام دولة فلسطين . وتقرر أن تتولى اللجنة التنفيذية مهام الوزارة الى أن تشكل وزارة . في هذه الظروف أصبح من الضروري وجود نظام للحكم يحدد الاختصاصات والمسئوليات ووسائل المحاسبة والمساءلة للتمشي مع الوضع الجديد، خاصة وأنه لا يمكن الاعتماد على الأوضاع الدستورية الموروثة في الضفة والقطاع. فالضفة، قبل عام 1967، كانت تخضع للدستور الأردني، في حين كان قطاع غزة يخضع لنظام مختلف تماما وضعته الادارة المصرية. ولذا كان لا بد من توحيد الوضع الدستوري للدولة العتيدة. ولا يجدي في هذا الوضع مجرد نقل الاختصاصات، كاختصاصات ملك الأردن واختصاصات رئيس الجمهورية المصرية، لأنه لا يوجد عام 1988 من يقابلهما في النظام الدستوري الفلسطيني المعبر عنه في الميثاق ونظام منظمة التحرير الفلسطينية. ووفقا للدستور الأردني يوجد ملك ومجلس وزراء، في حين يوجد حاكم عام في القطاع وفقا لنظام 1962، وهذا الحاكم العام نفسه كان يرأس اجتماعات المجلس التشريعي، وهذا يخالف الدستورية الفلسطينية التي اقتضت الفصل ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فلا يصح لرئيس اللجنة التنفيذية رئاسة المجلس الوطني . والمجلس التشريعي نفسه في القطاع لم يعد من الممكن تكوينه لاستناد عضويته على الاتحاد القومي، وهذا قد اندثر. هذا كله لا يستقيم مع الوضع الجديد. وهذا ينطبق أيضا على القوانين، فبعد عام 1948، بدأ يظهر الاختلاف في القوانين بين الضفة والقطاع، ففي الضفة ظهرت قوانين جديدة وضعتها الحكومة الاردنية، في حين ظهرت تشريعات مختلفة في القطاع وضعتها الادارة المصرية. واذن لا بد من التوحيد، ولا بد من نصوص دستورية سليمة تحسم الأمور وتقضي على التناقضات. ولهذا، وبصفتي رئيسا للجنة القانونية في المجلس، تقدمت للمجلس، مباشرة بعد اعلان الاستقلال وقيام الدولة، بمشروع قرار يقضي بتكليف المجلس المركزي بوضع نظام أساسي للدولة. ونذكر للتاريخ أن رئيس اللجنة التنفيذية، المرحوم ياسر عرفات، اعترض على مشروع القرار، وطلب رئيس الجلسة، د. نبيل شعث، سحبه، غير أن مشروع القرار لم يُسحَبْ. وجرى التصويت وفاز بأغلبية كبيرة، وبقي الأخ أبو عمار في صف المعارضين . بهذا القرار من المجلس أصبح لزاما وضع نظام أو قانون أساسي.

في أول الأمر جرت محاولات لوضع نظام للحكم فقط كخطوة أولى، خاصة بعد انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية رئيسا للدولة من قبل المجلس المركزي، وكان المجلس المركزي يطالب بهذه الخطوة وتطالب بها أيضا المنظمات المعارضة، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. غير أن هذه المحاولات كانت تصل دائما الى طريق مسدود بسبب معارضة الرئيس/ رئيس اللجنة التنفيذية.

اعداد مشروع القانون الأساسي

لم يكن اعداد القانون الأساسي هو المحاولة الفلسطينية الأولى لوضع نظام دستوري لفلسطين. ففي عام 1974 قرر المجلس الوطني أن يطرح حلا للقضية الفلسطينية باقامة دولة علمانية ديموقراطية في فلسطين بكاملها يشارك فيها الفلسطينيون والاسرائيليون على قدم المساواة كمواطنين في هذه الدولة. وقد لقيت الفكرة في أول أمرها اهتماما حتى من بعض الدوائر الامريكية. وكتعبير عملي عن هذه الفكرة كلفتني قيادة منظمة االتحرير بوضع دستور، فأعددت مسودة مستفيدا من التجربة السويسرية واليوغوسلافية في ذلك الحين بحيث تتمتع التجمعات السكانية بقسط وافر من الحكم المحلي تحافظ به على خصائصها الثقافية والدينية. ومع الأسف فإن العرب والفلسطينيين لم يبذلوا جهودا كبيرة للدعوة لهذه الفكرة، ولذا فقد نجح المسئولون الاسرائيليون في اماتتها.

ثم عقد مؤتمر مدريد وبدأت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في واشنطن وبدا أن هناك فرصة لقيام الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين، وبدأ العمل على وضع مسودة دستور مؤقت. غير أنه جاءت مفاجأة مفاوضات أوسلو السرية التي انتهت بما أصبح يسمى بإعلان المبادئ الذي جرى توقيعه في 13 سبتمبر 1993 في واشنطن . ونص هذا الإعلان على فترة انتقالية أقصاها خمس سنوات، على أن يقام خلالها سلطة وطنية فلسطينية يجري نقل السلطات اليها كما تجري انتخابات لمجلس تكون له السلطتان التشريعية والتنفيذية. وبناء على هذا فقد عاد الحديث عن وضع نظام أساسي تنفيذا لقرار المجلس الوطني وفي جلسة للجنة التنفيذية عقدت في تونس في شهر نوفمبر عام 1993 جمعت بين أعضائها وأعضاء الوفد المفاوض الأصلي الذي كان يرأسه الدكتور حيدر عبد الشافي، وبحضور كاتب هذا البحث بصفته رئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني، تم الاتفاق على الشروع في اعداد قانون أساسي للسلطة الوطنية في المرحلة الانتقالية، اذ لا بد من وجود نظام دستوري يحكم هذه المرحلة. وكلف رئيس اللجنة القانونية بالبدء في الاعداد .

أعدت مسودة أولى وعرضت على اللجنة التنفيذية في جلستها يوم 5 ديسمبر 1993 ، وقرئت قراءة أولى واقترح الرئيس عرفات توزيعها على التنظيمات لتلقي الملاحظات كما اقترح عقد اجتماع للجنة القانونية للمجلس الوطني للغرض ذاته. كانت المسودة هذه رؤية أولية تخطيطية أكثر منها نصوصا كاملة مفصلة وذلك بهدف معالجة الأمور الأساسية التي من أهمها، في النظام العربي، موقع الرئيس. نصت المسودة على أنه لا يجوز للشخص الواحد أن يتولى الرئاسة أكثر من فترتين متتاليتين. وبحث النص مع الرئيس عرفات في جلسة خاصة قبل الاجتماع بحضور عضو اللجنة التنفيذية وأمين سرها في ذلك الوقت السيد جمال الصوراني، من منطلق أن الرئيس التاريخي هو الذي يترك لشعبه نظاما يحميه من ظهور الدكتاتوريات ويؤمن له سبل تغيير الحاكم بطريقة ديموقراطية سلمية ويفتح الباب أمام تداول السلطة سلميا. وبقي هذا النص لم يتغير على مدار المسودات الاربع التي مر بها القانون الأساسي. وبالمثل فقد جرى اقتراح الفصل بين رئاسة السلطة الوطنية ورئاسة السلطة التنفيذية باستحداث منصب وزير أول ليكون أمام المجلس التشريعي شخص تجري محاسبته عن نشاطات وسياسات الحكومة، خاصة وأن الرئيس نفسه سينتخب انتخابا مباشرا وبالتالي لا يجري سحب الثقة منه بسبب سياساته، والطريق لتغيير هذه السياسات هو وجود رئيس للوزراء أو وزير أول يمكن سحب الثقة منه دون التعرض لمنصب الرئاسة. ومع الأسف فقد رفض هذا الاقتراح .

في العاشر من ديسمبر 1993 عقد اجتماع للجنة القانونية للمجلس الوطني في عمان لتدارس المسودة الأولى، ونشرت المسودة في القدس. أبدت اللجنة عددا من الملاحظات، وبدأت تعليقات ترد نتيجة للنشر، من بينها تعليقات من المنظمات النسائية الفلسطينية. بناء على هذه الملاحظات والتعليقات أعدت المسودة الثانية، وقام مركز الاتصالات والمعلومات في القدس، وهو منظمة فلسطينية غير حكومية مقرها القدس، بنشرها وترجمتها الى الانكليزية. ودعاني المركز للمشاركة في ندوة في القدس عن تحديات المرحلة الانتقالية للمجتمع الفلسطيني للحديث عن مشروع القانون الأساسي. وعقدت الندوة في الرابع من فبراير 1994. وكانت تلك أول زيارة لي للقدس منذ عام 1964، وهو عام انعقاد المؤتمر الفلسطيني الذي أقام منظمة التحرير الفلسطينية. ولا أريد في هذا البحث القانوني أن أتحدث عما كان في النفس من هواجس وانفعالات وآلام ومشاعر متضاربة والطائرة تقترب من فلسطين الحبيبة ولا عن تلك الانفعالات والمواقف أمام مأمورة الهجرة والمخابرات الاسرائيلية في المطار، فهذه لها مكان آخر.

شاركت في الندوة، وفي صباح اليوم التالي 5 فبراير 1994 نشرت جريدتا القدس والنهار تفاصيل الندوة ونشرت النهار النص الكامل للمسودة الثانية. وفي 6 فبراير ألقيت محاضرة عن الموضوع في كلية القانون الفلسطينية في القدس، وكانت هناك تغطية كاملة من الصحيفتين المذكورتين، وفي اليوم ذاته عقد اجتماع مع القضاة الفلسطينيين واجتماع ثان مع المحامين، وفي 8 فبراير عقد اجتماع مطول مع ممثلات الحركات النسائية الفلسطينية، وفي 11 فبراير نشرت صحيفة (جيروسالم بوست) الصحيفة العبرية الصادرة باللغة الانكليزية ملحقا خاصا بلقاء أجرته معي، كما جرت مقابلات مع التلفزيون الاسرائيلي والاذاعة الناطقة باللغة العربية والذي نشرته القدس العربي التي تصدر في لندن في اعدادها 5/6 فبراير و 9 فبراير، كما جرت مقابلات مع فضائيات ومراسلين أجانب. واهتمت السفارات والقنصليات الاجنبية بالحدث وجرت لقاءات مع قناصل بريطانيا والمانيا وفرنسا وأمريكا، بناء على طلبهم، في مدينة القدس. ولم تجر أية اتصالات أو لقاءات مع أي مسئول اسرائيلي، تأكيدا على أن هذا النشاط هو فلسطيني محض. وعدت الى لندن في 12 فبراير لهضم نتائج اللقاءات مع الجهات الفلسطينية.

لقد كان الهدف من هذا النشاط ومن نشر المسودات المتعاقبة هو اشراك كل فئات الشعب الفلسطيني، بقدر الامكان، في هذه العملية بوصفها المرة الأولى التي يتولى فيها الفلسطينيون وضع نظام دستوري لهم، واثارة اهتمام الرأي العام الفلسطيني بالأمر، وخلق رأي عام داعم للطروحات الواردة في المسودة والتي حاولت أن تكون نقلة نوعية عما هو جار به العمل في المنطقة العربية، وفي الوقت ذاته اشعار المواطنين بأن هذه المشورات جدية بدليل التعديلات التي كانت تدخل في المسودات المتلاحقة والتي كانوا يطلعون عليها عند نشر كل مسودة. ومن نتائج تلك الزيارة أن ورشات عمل بدأت تعقد لدراسة الموضوع في الاندية والمدارس والمنظمات غير الحكومية، وكانت تأتي اقتراحات من أشخاص وجهات متعددة. وبحلول الأول من مايو 1994 كانت المسودة الثالثة جاهزة، وقام مركز الاتصالات في القدس بنشرها باللغتين العربية والانكليزية في يونيو 1994. واستمرت المشاورات فدعيت لندوة عقدها في نابلس مركز الدراسات الفلسطينية خصيصا لبحث الموضوع في الثامن من ديسمبر 1994. أي أن المشروع بقي محل بحث على نطاق جماهيري حوالي عام كامل. غير أن المشروع كان لا يزال ناقصا بسبب تعثر المفاوضات خاصة فيما يتعلق بالمجلس التشريعي. وعندما استقر الوضع أضيفت الأحكام المناسبة ونشرت المسودة الرابعة والأخيرة في 11 ديسمبر 1995، وهكذا كان المشروع جاهزا عندما انتقلت السلطة الى فلسطين. وأجريت انتخابات رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية والمجلس التشريعي الفلسطيني في 20 يناير 1996.

ومن خصائص هذا المشروع أنه نص صراحة على التعددية والنظام البرلماني والمساءلة أمام المجلس التشريعي، ونص على أن الرئيس ينتخب انتخابا مباشرا (وليس بطريق الاستفتاء) ومعنى هذا أن تداول الرئاسة أصبح أمرا مقررا، وحُظر تولي الرئاسة لأكثر من دورتين متتابعتين، وقلصت امكانيات ندخل القانون للمساس بالحقوق والحريات العامة وذلك بالنص على ضوابط أخذت أساسا من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الانسان، ونص على ضمانات دستورية لحمايتها والدفاع عنها، بما في ذلك حق المتضرر في رفع دعوى مباشرة لرفع الاعتداء، فتحصن هذا الحق دستوريا، كما نص على خضوع الدولة لسيادة القانون، وحظر انشاء محاكم خاصة، كمحاكم أمن الدولة، وتعمد عدم النص على حالة الطوارئ بسبب ما عاناه الشعب الفلسطيني وتعانيه الشعوب العربية منها، وأنشأ منذ البداية محكمة دستورية ومحكمة للقضاء الاداري الى جانب المحاكم المعتادة، ونص على ضوابط مالية حماية للمال العام من حيث تحصيله وادراجه في الموازنة والتصرف فيه.

معركة الدستورية

نصت الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الاسرائيلي على أن تكون أول مهام المجلس التشريعي المنتخب وضع نظام أساسي للسلطة الوطنية، وقد أدرج هذا النص،كما علمت فيما بعد، بناء على طلب المفاوض الفلسطيني. وعندما عقد المجلس كانت نسخ من المسودة الرابعة للقانون الأساسي قد طبعها مركز الاتصالات الفلسطيني ووزعها على أعضاء المجلس. وباشر المجلس في دراستها. وهنا بدأت المشاكل مع رئيس السلطة الوطنية، أي السلطة التنفيذية. ونظرا لأن هذه هي المرة الأولى في تاريخ الدستورية العربية على ما أظن التي تقع فيها مواجهة من هذا القبيل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فإن التعرض لها بشيء من التفصيل لا يخلو من فائدة، خاصة وأن الأغلبية في المجلس التشريعي، فتح، كان رئيسها هو رئيس السلطة الوطنية، ومع ذلك فقد وقف الأعضاء الى جانب المشروعية متحدين الرئاسة.

اعترض الرئيس على حق المجلس في أن يبادر بدراسة مشروع قانون لم تقدمه الحكومة، وطالب بوقف النقاش فيه الى أن تتقدم الحكومة بمشروع من عندها، وتمسك المجلس بحقه في أن يكون مبادرا في التشريع اذا ارتأى ذلك. وساندت المجلس في موقفه من حيث المبدأ، واشتد الخلاف وهدد رئيس المجلس بالاستقالة. وسوي الخلاف بأن يجري المجلس قراءة أولى للمشروع ثم تتولى السلطة دراسته وتعود للمجلس بعد الانتهاء من تلك الدراسة. وهكذا تأكد حق المجلس في المبادرة في التشريع. وتمت القراءة الأولى، غير أن السلطة لم ترجع الى المجلس برأيها. في هذه الأثناء وضعت وزارة العدل مشروعا من عندها، وأرسلت لي نسخة منه للتعليق عليه، مدعية أنه لم يخرج عن المسودة الرابعة الا في أمور طفيفة. وعند دراسته، تبين أن من بين هذه “الأمور الطفيفة” مثلا الباب الخاص بالمالية بما فيه من ضوابط وضمانات، بحجة أن القوانين ستتكفل بذلك. وأخبرت وزارة العدل ورئيس المجلس التسريعي بعدم موافقتي على هذا المشروع، فرفض المجلس النظر فيه واختفى دون رجعة. ثم جيء باقتراح آخر، وهو اصدار وثيقتين مستقلتين احداهما تتعلق بالحقوق والحريات العامة اي ( Bill of Rights) والثانية تتعلق بنظام الحكم، على أن تصدر كل واحدة مستقلة عن الأخرى. ومع أن هذا الأسلوب ممكن لو حسنت النوايا، لكن الهدف منه هو تعطيل اصدار نظام الحكم بما فيه من الضوابط والضمانات. فاعترضت غلى هذه التجزئة للقانون الأساسي، ورفضها المجلس، وواصل دراسته للمسودة الرابعة الى أن أقره، مع تعديلات أدخلها عليه، في الثاني من اكتوبر 1997، أي بعد أكثر من سنة ونصف من بدء بحثه، وأحاله للرئيس لإصداره، غير أن الرئيس لم يصدره خلال الثلاثين يوما التي نص عليها لاصدار القوانين أو لإعادتها الى المجلس للنظر في تعديلات مقترحة. وبقي دون اصدار ونفاذ ودون ابداء أسباب للتعطيل.

وانتهت في سبتمبر 1998 الفترة الانتقالية التي نص عليها اعلان المبادئ، وهي خمس سنوات، دون اصدار القانون الأساسي. ومع أن السلطة الوطنية ظلت متمسكة بإعلان المبادئ هذا ومع أنه لم يتغير شيء في واقع الحال بل ازداد الموقف الاسرائيلي تنكرا للاتفاقيات السابقة ، الا أن السلطة الوطنية اعتبرت الفترة الانتقالية منتهية وأن القانون الأساسي لم يعد صالحا، ولذا لا بد من وضع دستور، مع أنه لم يحصل اتفاق على الوضع النهائي تنفيذا لإعلان المبادئ. ولا يخفى أن هذا كله كان مناورة لتجنب اصدار القانون الأساسي. بناء على ذلك دعي المجلس المركزي للاجتماع (ولم أدع له بسبب استقالتي من رئاسة اللجنة القانونية احتجاجا على تعديل الميثاق) واتخذ المجلس قرارا بتكليف الأمين العام لجامعة الدول العربية بدعوة خبراء عرب لوضع دستور لفلسطين، وذكرت الأنباء في حينه أن الأمين العام قد طلب من الدول العربية ترشيح خبراء لهذا الغرض. ونستطيع أن نتصور ماهية دستور سيضعه مندوبون عن الأنظمة العربية. واحتج الفلسطينيون على هذا القرار، مما جعل المجلس المركزي يعدل عنه أو يصححه في اكتوبر 1999 بتشكيل لجنة من الفلسطينيين برئاسة الدكتور نبيل شعث، وزير التعاون الدولي، لوضع مسودة لدستور وأنهت هذه اللجنة عملها في 29 فبراير 2001. ونامت هذه المسودة أيضا دون اصدار.

في هذه الاثناء تعمق الخلاف ما بين رئيس السلطة الوطنية من جهة والمجلس التشريعي والنشطاء الفلسطينيين من جهة أخرى. وتزايدت الاعتداءات على الحقوق والحريات العامة ، ساهمت فيها ولا شك ضغوط امريكية واسرائيلية، وأنشأ الرئيس بقرار رئاسي لا سند له من القانون محكمة أمن دولة كانت محل احتجاج رجال القانون الفلسطينيين ومنظمات حقوق الانسان الفلسطينية، وكثرت الاعتقالات، بل وقامت سلطات الأمن بتعذيب بعض المعتقلين وتوفي بعضهم تحت التعذيب، وأغلقت بعض الصحف بقرارات ادارية، ووصل الأمر لدرجة رفض تنفيذ قرارات القضاء بالافراج عن معتقلين تم اعتقالهم بالمخالفة للقانون. وعمت الشكوى من مواقف النائب العام الذي كان قد عينه الرئيس. وعزل النائب العام وعين نائب عام جديد اضطر للاستقالة بسبب عدم تنفيذ أجهزة الأمن لقرارات المحاكم. ولم تتوقف المطالبة باصدار القانون الأساسي.

ثم طفت على السطح مظاهر فساد اداري. ذلك أن الرقابة الادارية الفلسطينية قدمت تقريرا للمجلس التشريعي تضمن اتهامات بارتكاب مخالفات مالية وادارية يتعين التحقيق فيها. وطالب المجلس بالتحقيق، وعندما لم تستجب السلطة لذلك الطلب قرر المجلس سحب الثقة من الحكومة تطبيقا للمبادئ البرلمانية بالرغم من أن القانون الأساسي لم يكن قد صدر. واضطر الرئيس لاجراء تعديل وزاري خلق بموجبه اثني عشر منصبا وزاريا جديدا بهدف تقليص الأغلبية المعارضة في المجلس التشريعي. ومع ذلك استمرت الضغوط على الرئاسة والمطالبة بأن يكون عدد الوزراء 19 كما ورد في القانون الأساسي الذي لم يصدر بعد، واستبعاد وزراء حامت حولهم شكوك. وأجرى الرئيس تعديلا ثانيا، بيد أنه كان واضحا أن المجلس التشريعي لن يمنحها ثقته، مما اضطر الرئيس لتشكيل وزارة جديدة ضمت عددا من الوزراء الجدد، ونالت هذه الوزارة ثقة المجلس.

واجتمعت مع هذه الضغوط الفلسطينية من أجل اصلاح الوضع الفلسطيني الداخلي ضغوط امريكية واسرائيلية وعربية، في بعض الاحيان، بعد فشل مفاوضات كامب دافيد الثانية، وتركزت هذه الضغوط على الرئيس الفلسطيني شخصيا باسم الاصلاح. وتلاقت الضغوط الفلسطينية مع الضغوط الخارجية وان اختلفت الدوافع والأهداف. فالضغوط الفلسطينية انصبت على الاصلاح الداخلي الذي يتمثل في اصدار القانون الأساسي والالتزام بأحكامه واحترام الحقوق والحريات العامة واستقلال القضاء ومحاسبة من يثبت عليه الفساد، في حين أن المطالبات الخارجية انصبت أساسا على تنحية الرئيس بسبب أنه أصبح في نظرها شخصا غير مناسب للمفاوضات.

وازاء هذه الضغوط أصدر الرئيس القانون الأساسي في 29/5/2002 أي بعد حوالي خمس سنوات من اقراره من قبل المجلس التشريعي وتقديمه للرئيس لاصداره. وانه لمن المؤسف حقا أن تأخر اصداره على هذا الوجه، ولا شك في أن هذا التأخير قد أساء الى مكانة الرئيس الفلسطيني داخليا وخارجيا فضلا عن أنه أساء الى تقدم الشعب الفلسطيني في مسيرته وبناء مؤسساته، غير أن معركة الدستورية هذه أثبتت حيوية الشعب الفلسطيني واصراره هو والمجلس التشريعي على تثبيت دعائم الدستورية والمشروعية، فخلفت هذه المعركة وراءها تراثا نضاليا في هذا الميدان ستكون له آثاره الايجابية على مسيرة الحكم في المستقبل . ولا بد في هذا السرد للأحداث من الإشارة الى الدور الكبير الذي قامت به اللجنة القانونية في المجلس التشريعي برئاسة عبد الكريم أبو صلاح، فقد كان لها مواقفها الصلبة التي تحمد لها في معركة الدستورية فأضافت بذلك الى التراث الذي خلفته اللجنة القانونية في المجلس الوطني من التمسك بسيادة القانون في مواجهة الضغوط .

معالم القانون الأساسي

يجب التأكيد أولا على أن المسودة الرابعة وكذلك القانون الأساسي بعد اصداره لم يقصد بهما أن يكونا دستورا دائما بالرغم من أنهما احتويا على نصوص دستورية كثيرة أدرجت خصيصا لتثبيت أوضاع دستورية يقصد لها الدوام. فمن بين النصوص المؤقتة مثلا ما جاء في المادة 52 من القانون الأساسي من أن “مدة رئاسة السلطة الوطنية هي المرحلة الانتقالية، ويتم انتخاب الرئيس بعد ذلك وفقا لقانون الانتخاب”. وقد حذف هذا النص القيد الذي جاء في المسودة الرابعة والذي يقضي بعدم جواز تولي الرئاسة لأكثر من فترتين متتاليتين، والذي قصد منه ارساء هذا المبدأ.

يقع القانون الأساسي المعدل في ثمانية أبواب، بعد أن كان أصلا في سبعة، وذلك بعد اضافة باب خاص بالسلطة التنفيذية، كما أصبح نتيجة لذلك121 مادة بعد أن كان 112، ونتناول هذه الأبواب بابا بابا دون تحليل تفصيلي وذلك لمجرد اعطاء فكرة عنها.

الباب الأول: (المواد 1- 8) لم يطرأ عليه تعديل وترك بدون عنوان، مع أنه يتضمن أحكاما عامة نصت على أن فلسطين جزء من الوطن العربي الكبير والشعب العربي الفلسطيني جزء من الأمة العربية والوحدة العربية هدف يعمل الشعب الفلسطيني من أجل تحقيقه (م 1). والشعب هو مصدر السلطات يمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في القانون الأساسي (م2). وحسمت المادة 3 موضوع العاصمة بالنص على أن القدس عاصمة فلسطين، كما أن المادة 4 نصت على أن الاسلام هو الدين الرسمي في فلسطين، وأضافت بأنه لسائر الديانات السماوية احترامها وقدسيتها، كما نصت على أن مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع، ولم تساير بعض الدساتير العربية الأخرى في اعتبار الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع. ونصت المادة 5 على نظام الحكم :”نظام الحكم في فلسطين نظام ديموقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخابا مباشرا من قبل الشعب وتكون الحكومة مسئولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي”. وبهذا النص قضي على احتمال قيام نظام الحزب الواحد أو الحزب القائد وتأكدت التعددية كما تأكد أن الرئيس ينتخب انتخابا مباشرا من قبل الشعب، فلا محل لترشيح شخص واحد يستفتى عليه دون منافس، وبالتالي لا محل للاستمرارية بل ترك الباب مفتوحا للتنافس وتداول السلطة. ونصت المادة 6 على أن “مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والمؤسسات والأشخاص”. وبسبب الأوضاع الفريدة للشعب الفلسطيني فقد ترك تحديد الجنسية لتنظم بقانون (م7). وقد جرت في السابق محاولات لوضع قانون للجنسية في ظل الظروف الراهنة، غير أن المسودة الرابعة وكذلك النص النهائي للقانون الأساسي لم يأخذ بهذا الرأي، وذلك لكي يوضع هذا القانون بترو كبير وفي غير ظروف الاحتلال، آخذا في الاعتبار أوضاع الفلسطينيين في أماكن تواجدهم المختلفة.

الباب الثاني (المواد 9-33) تعرض للحقوق والحريات العامة، فنص في المادة 9 على أن الفلسطينيين سواء أمام القانون والقضاء، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة. ونصت المادة العاشرة على أن حقوق الانسان وحرياته الاساسية ملزمة وواجبة الاحترام، وعلى أن تعمل السلطة الوطنية دون ابطاء للانضمام الى الاعلانات والمواثيق الاقليمية والدولية التي تحمي حقوق الانسان. واعتبرت المادة 11 الحرية الشخصية بأنها حق طبيعي، وهي مكفولة لا تمس، وحددت شروط القبض والتفتيش والحبس وتقييد الحرية بأن يكون ذلك فقط بأمر قضائي، واشترطت المادة 12 أن يبلغ كل من يقبض عليه أو يوقف بأسباب القبض أو الايقاف ويجب اعلامه سريعا بلغة يفهمها بالاتهام الموجه اليه وأن يُمَكَّنَ من الاتصال بمحام، وأن يُقَدَّمَ للمحاكمة دون تأخير. كما نص على أن المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية تُكْفَلُ له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وكل متهم في جناية يجب أن يكون له محام يدافع عنه (م 14) والعقوبة شخصية، وتُمْنَعُ العقوبات الجماعية، ولا جريمة ولا عقوبة الا بنص قانوني، ولا توقع عقوبة الا بحكم قضائي، ولا عقاب الا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون (م 15) . ونص على حرمة المساكنن وعدم جواز مراقبتها أو دخولها أو تفتيشها الا بأمر قضائي مسبب ووفقا للقانون، وعلى بطلان ما يترتب على مخالفة هذا الحكم، وحقَّ المتضرر في تعويض عادل (م 17). وكفلت المادة 18 حرية العقيدة والعبادة وممارسة الشعائر الدينية شريطة عدم الاخلال بالنظام العام أو الاداب العامة. ونصت المادة 19 على أنه لا مساس بحرية الرأي، وأن لكل انسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره مع مراعاة أحكام القانون. ووردت نصوص عن حرية التنقل والاقامة والنظام الاقتصادي الذي يقوم على اساس مبادئ الاقتصاد الحروعدم جواز المصادرة الابحكم قضائي، وكذلك بشأن خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز والشيخوخة ورعاية أسر الشهداء والأسرى والجرحى والمتضررين والمعاقين، وحق كل مواطن في السكن وفي التعليم واستقلالية الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحث العلمي وحرية البحث العلمي والابداع الأدبي والثقافي والفني. ثم نص على حق المواطن في العمل وعلى أن تنظم علاقات العمل بما يكفل العدالة للجميع ويوفر للعمال الرعاية والأمن والرعاية الصحية والاجتماعية. أما التنظيم النقابي فحق ينظم القانون أحكامه، وكذلك فان الحق في الاضراب يمارس في حدود القانون. وجاءت المادة 26 تنص على أن للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفرادا وجماعات، ويشمل هذا الحق تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام اليها وفقا للقانون وتشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والاندية والمؤسسات الشعبية وفقا للقانون، والتصويت والترشيح في الانتخابات وفقا للقانون، وتقلد المناصب والوظائف العامة غلى قاعدة تكافؤ الفرص، وعقد الاجتماعات الخاصة دون حضور أفراد الشرطة، وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون. أما الصحف ووسائل الاعلام الأخرى فتأسيسها حق للجميع يكفله القانون الأساسي وتخضع مصادر تمويلها لرقابة القانون، وحرية وسائل الاعلام والطباعة والنشر والتوزيع والبث وحرية العاملين فيها مكفولة وفقا للقانون الاساسي والقوانين ذات العلاقة. وتحظر الرقابة على وسائل الاعلام ولا يجوز انذارها أو وقفها أو مصادرتها أو الغاؤها أو فرض قيود عليها الا وفقا للقانون وبموجب حكم قضائي (م27). ثم جاء نص في غاية الأهمية بالنسبة للشعب الفلسطيني وهو المادة 28 التي تقول: “لا يجوز ابعاد أي فلسطيني عن أرض الوطن أو حرمانه من العودة اليه أو منعه من المغادرة أو تجريده من الجنسية أو تسليمه لأية جهة أجنبية” . وقد وضع هذا النص تعبيرا عن الارتباط العضوي والمصيري بين الوطن والمواطن وهو ارتباط ليس منة من حاكم، كما أنه لا يجوز القضاء عليه أو تعطيله أو تقييده بقرار من حاكم. وكم من وطني عربي غيور جرد من جنسيته لأنه تجرأ وعبر عن رأيه، وكم يعاني المواطن العربي من اجراءات اذا أراد مغادرة وطنه أو العودة اليه. ووجدت الأمومة والطفولة وحقوق الطفل مكانها في المادة 29 فنص على أن رعايتها واجب وطني وأن للأطفال الحق في الحماية والرعاية الشاملة وألا يستغلوا لأي غرض وألا يسمح لهم بالقيام بعمل يلحق ضررا بسلامتهم أو بصحتهم أو بتعليمهم، ولهم الحق في الحماية من الايذاء والمعاملة القاسية من الغير أو من ذويهم وأن يفصلوا عن البالغين اذا حكم عليهم بعقوبة سالبة للحرية وأن يعاملوا بطريقة تستهدف اصلاحهم وتتناسب مع أعمارهم. ونصت المادة 30 على أن حق التقاضي مصون ومكفول للناس كافة، وأنه يحظر النص في القوانين على تحصين أي قرار أو عمل اداري من رقابة القضاء، كما أنه يترتب على الخطأ القضائي تعويض من السلطة الوظنية يحدد القانون شروطه وكيفيته. ونصت المادة 31 على أنه “تنشأ بقانون هيئة مستقلة لحقوق الانسان ويحدد القانون تشكيلها ومهامها واختصاصها وتقدم تقاريرها لكل من رئيس السلطة الوطنية والمجلس التشريعي الفلسطيني”. وهذه الهيئة قائمة بالفعل. وجاءت المادة 32 تنص على طريق مباشر لحماية الحقوق والحريات العامة، فنصت على “كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للانسان وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الاساسي أو القانون جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم وتضمن السلطة الوطنية تعويضا عادلا لمن وقع عليه الضرر”. إن النص على ضمان السلطة الوطنية للتعويض جاء اضافة من المجلس التشريعي على النص الأصلي الوارد في المسودة الرابعة، وهي اضافة لا مبرر لها سوى أن الملاحظ هو أن هذا الاعتداء يقع عادة من رجال في السلطة، في حين أنه من المتصور أن يقع من أفراد مثلا، وفي هذه الحالة فإن المعتدي، لا السلطة الوطنية، هو الذي يلتزم بالتعويض. واعتبرت المادة 32 البيئة النظيفة المتوازنة حق من حقوق الانسان، والحفاظ عليها مسئولية وطنية. إن اعتبار أي اعتداء على الحقوق والحريات الاساسية جريمة تعطي أيضا حقا مدنيا للمطالبة بالتعويض أمر في غاية الأهمية لحماية الحقوق والحريات، وهذا الحق أوسع بكثير مما يرد عادة في قوانين العقوبات، وهو كذلك حق لم تنص عليه المواثيق الدولية الخاصة بالحقوق والحريات الأساسية، . لقد سارت جميع أحكام هذا الباب مع ما ورد في المسودة الرابعة وإن أعيدت صياغة بعض المواد ، وكان الأصل الذي أعتمدته المسودة الرابعة هو العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي أقرته الأمم المتحدة. ومما يلاحظ أن العديد من الحقوق والحريات الواردة في هذا الباب لم تترك لتنظمها القوانين، كما هو الحال في معظم الدساتير العربية

الباب الثالث: (المواد 34-46) كان هذا الباب في الأصل خاصا بالسلطة التشريعية، غير أنه بعد التعديل أصبح موضوعه رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وأصبح الباب الرابع خاصا بالسلطة التشريعية في حين أضيف الباب الخامس ليكون خاصا بالسلطة التنفيذية. وبهذا التعديل نقلت أقسام كانت خاصة ببعض جوانب السلطة التنفيذية من هذا الباب الى موقعها الجديد كجزء من السلطة التنفيذية التي استقلت بباب هو الباب الخامس. وكان موضوع الرئيس في الأصل يشغل القسم الأول من فصل خصص للسلطة التنفيذية.

(أولا) الرئيس:

لم تتعرض الأحكام الخاصة بالرئيس لشروط محددة يجب توفرها في من يرشح نفسه للرئاسة مكتفيا بالشروط العامة للترشيح الواردة في قانون الانتخاب. الرئيس ينتخب انتخابا عاما ومباشرا وفقا لأحكام قانون الانتخابات الفلسطيني (م34). يؤدي الرئيس القسم المنصوص عليه في المادة 35 ،قبل توليه مهامه، أمام المجلس التشريعي بحضور رئيس المجلس الوطني ورئيس المحكمة العليا. أما مدة الرئاسة فهي المرحلة الانتقالية، وبعد ذلك يتم انتخاب الرئيس وفقا للقانون (م 36). وقد وضع هذا النص أصلا في المسودة الرابعة قبل انتهاء المرحلة الانتقالية التي نص عليها اعلان المبادئ وكانت انتخابات عامة قد جرت للرئيس وللمجلس التشريعي وفقا لقانون الانتخابات قبل أن أصبح القانون الأساسي نافذا، وحدد قانون الانتخابات بأن تجري الانتخابات كل خمس سنوات. وانقضت الخمس سنوات دون أن تجري انتخابات، ثم حدد موعد لها، غير أن اعادة احتلال الضفة والقطاع قد حال دون اجرائها الى توفي الرئيس ياسر عرفات، وأجريت انتخابات لخلفه. ولقد كنا دعونا الى اعتبار المرحلة الانتقالية منتهية بانتهاء المدة المحددة لها في اتفاق اعلان المبادئ، وهي خمس سنوات على أساس أن هذا الاتفاق كان محدد المدة وينتهي بانتهاء مدته. وكان من نتائج هذا الرأي أن تعود القضية الفلسطينية الى بابها الأوسع في رحاب القانون الدولي والشرعية الدولية بعيدا عن اتفاقيات اوسلو وما جلبته معها، وترد الاختصاص كاملا لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وتجرد اسرائيل وأمريكا من حجة أن النزاع يخضع لما اتفق عليه الاطراف في اعلان المبادئ. وللأسف فان السلطة الوطنية لم تستجب لهذا الرأي. ونصت المادة 37 على الحالات التي يشغر فيها منصب الرئيس وعلى أنه في حالة شغور المنصب فان رئيس المجلس التشريعي يتولى الرئاسة لفترة مؤقتة لا تزيد عن ستين يوما تجري اثناءها الانتخابات لانتخاب رئيس . هذه النصوص كلها كما كانت في الأصل. وأضيفت المادة 38 التي نصت على أن “يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون” ومؤدى هذا النص أنه لا توجد سلطات تنفيذية لرئيس السلطة الوطنية الا ما نص عليه، ولا شك أن هذا النص جاء تسوية لتوزيع الاختصاصات بين الرئيس ورئيس الوزراء، غير أنه يجب أن يلاحظ أن هذا النص يتعلق فقط بالمهام التنفيذية، أما غيرها فلا يشملها. ثم نص على اختصاصات محددة للرئيس وهي أنه القائد الأعلى للقوات الفلسطينية، وأنه يعين ممثلي السلطة لدى الدول والمنظمات والهيئات الدولية وينهي مهامهم ويعتمد ممثلي هذه الهيئات لدى السلطة الوطنية. والرئيس هو الذي يصدر القوانين بعد اقرارها من المجلس التشريعي خلال ثلاثين يوما من احالتها اليه، وله أن يعيدها الى المجلس خلال هذه المدة بملاحظاته وأسباب اعتراضه والا اعتبرت صادرة. وفي حالة الرد هذه يجب أن يحوز القانون على موافقة ثلثي اعضاء المجلس. فاذا حصل على هذه الاغلبية يعتبر قانونا وينشر فورا في الجريدة الرسمية. وهذه نصوص لم يطرأ عليها تعديل. وللرئيس حق العفو الخاص عن العقوبة أو تخفيضها، اما العفو العام أو العفو عن الجريمة فلا يكون الا بقانون. وللرئيس في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي اصدار قرارات لها قوة القانون، على أن تعرض على المجلس في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات والا زال ما كان لها من قوة القانون. أما اذا عرضت ولم يقرها المجلس زال ما يكون لها من قوة القانون. وأضاف التعديل مادة هي المادة 45 والتي تنص على أن رئيس السلطة الوطنية يختار رئيس الوزراء ويكلفه بتشكيل الوزارة وله أن يقيله أو يقبل استقالته، وله أن يطلب منه دعوة مجلس الوزراء للانعقاد. ولم تنص هذه المادة على حق الرئيس في حضور الاجتماع الذي يدعو الى انعقاده، ولكن من غير المتصور أن يطلب عقد اجتماع ثم لا يحضره ولو لإبداء أسباب طلبه. ونقلت الى هذا الباب مادة كانت في القسم الخاص بمجلس الوزراء لتصبح بعد التعديل المادة 46 وتنص على أن يساعد مجلس الوزراء الرئيس في أداء مهامه وممارسة سلطاته على الوجه المبين في القانون الأساسي، غير أنه لم يرد نص يخول رئيس السلطة التدخل في رسم السياسة العامة، وسلاحه هو اقالة رئيس الوزراء اذا لم يوافق على سياسته، وفي هذا احتمال صراع بين الرئيس والمجلس التشريعي اذا كان المجلس قد صادق على هذه السياسة. أما مخصصات رئيس السلطة الوطنية وتعويضاته فيحددها القانون. وقد حذف من هذا الباب نص يجيز للرئيس التقدم الى المجلس التشريعي بمشروعات قوانين واصدار اللوائح واتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ القوانين ونقل هذا الاختصاص لمجلس الوزراء. ومن بين اختصاصات الرئيس التي لم ترد في هذا الباب افتتاح الدورة العادية الأولى للمجلس التشريعي والقاء بيان (م 52).

الباب الرابع: (المواد 47- 62) ويتعلق بالسلطة التشريعية، ونص فيه (م 47) على أن المجلس التشريعي الفلسطيني هو السلطة التشريعية المنتخبة، فحسم بذلك الجهة المختصة بالتشريع، وكان الرئيس يمارس سلطات تشريعية بقرارات حتى بعد قيام المجلس التشريعي، ولكن قبل اصدار القانون الأساسي. كما نص في ذات المادة على أن المجلس التشريعي يتولى مهامه التشريعية والرقابية على الوجه المين في نظامه الداخلي بما لا يتعارض مع أحكام القانون الأساسي. وبهذا النص استغنى القانون الأساسي عن ذكر العديد من المواد التنظيمية واقتصر على الضروري منها. كما نصت هذه المادة على أن مدة المجلس التشريعي هي المرحلة الانتقالية . وحددت المادة 48 عدد أعضاء المجلس بثمانية وثمانين عضوا، وهو العدد المتفق عليه مع اسرائيل للمرحلة الانتقالية، كما حددت طريقة ملئ الشواغر في العضوية، وهي الانتخاب.ثم نص على القسم وعلى انتخاب هيئة رئاسة المجلس، وعلى قبول استقالة الأعضاء ومساءلتهم وحق المجلس في المحافظة على النظام في جلساته وحظر على رجال الأمن التواجد أثناء الجلسات الا بطلب من المجلس، كما نص على حق المجلس في وضع لائحته الداخلية. ثم تعرض للحصانات التي يتمتع بها أعضاء المجلس، وهي الحصانات المتعارف عليها في النظم البرلمانية الديموقراطية. ثم نص على حقوق الاعضاء في تقديم الطلبات وتوجيه الاسئلة والاستجوابات واقتراح القوانين واجراءات سحب الثقة من الحكومة وتشكيل لجان لتقصي الحقائق واقرار الخطة العامة للتنمية والموازنة السنوية والمصادقة على الحساب الختامي والنظر في الموازنة واقرارها، مع الحق في اعادتها للحكومة مع الملاحظات عليها. وقيد عرض الموازنة والحساب الختامي بالمواعيد المألوفة لذلك، وحظر على العضو استغلال العضوية في أي عمل من الأعمال الخاصة وعلى أي نحو، كما اشترط أن يقدم العضو اقرارا بالذمة المالية الخاصة به وبزوجه وأولاده القصرمفصلا كل ما يملكون من ثروة من عقار ومنقول داخل فلسطين وخارجها وما عليه من ديون، ويحفظ الاقرار لدى المحكمة العليا ولا يجوز الاطلاع عليه الا بإذن المحكمة وفي الحدود التي تسمح بها. وهذه كلها أحكام لم يطرأ عليها تعديل. لم ينص هذا الباب على دورات للمجلس ولا على حق المجلس في الاجتماع اذا لم يدع للانعقاد الى غير ذلك من الأمور التي تضمن استقلالية المجلس، وهي أحكام كانت واردة في المسودة الرابعة، ولعل المجلس قد رأى في لائحته الداخلية التي أقرها قبل الانتهاء من اقرار القانون الاساسي ما يفي بهذه الاغراض .

الباب الخامس: (المواد 63 – 96) وهو باب مستحدث خاص بالسلطة التنفيذية ويضم أحكاما بعضها جديد والبعض الآخر لم يطرأعليه تعديل، وهو مقسم الى الأقسام التالية: السلطة التنفيذية، تشكيل الحكومة، الثقة بالحكومة، اختصاصات رئيس الوزراء، اختصاصات مجلس الوزراء، جلسات مجلس الوزراء، مسئولية رئيس الوزراء والوزراء، حجب الثقة عن الحكومة، الذمة المالية لاعضاء مجلس الوزراء، مخصصات رئيس الوزراء والوزراء، قوات الأمن والشرطة، الادارة المحلية، الادارة العامة، وأخيرا المالية العامة.

السلطة التنفيذية: (المواد 63-64) وهذا فصل جديد أضيف في التعديل، ونص في مادته الأولى على أن مجلس الوزراء (الحكومة) هو الاداة التنفيذية العليا وتمارس الصلاحيات التنفيذية والإدارية التي لم يجعلها القانون الأساسي من اختصاص الرئيس، وعدلت المادة 64 عدد الوزراء بما لا يتجاوز أربعة وعشرين بعد أن كان تسعة عشر,

تشكيل الحكومة: وهذا تعرضت له المادة 65، وبموجب هذه المادة فان رئيس مجلس الوزراء يتولى، فور تكليفه من قبل رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، تشكيل الحكومة خلال ثلاثة أسابيع من تاريخ اختياره، وله الحق في مهلة اضافية أقصاها أسبوعان فقط. فإذا أخفق في تشكيل الحكومة في هذا الأجل أو لم تحصل الحكومة على ثقة المجلس التشريعي، وجب على رئيس السلطة الوطنية استبداله خلال اسبوعين من تاريخ إخفاقه أو حجب الثقة حسب الأحوال. وبطبيعة الحال فان من حق رئيس الوزراء المكلف التخلي عن المهمة في أي وقت يشاء فبل انتهاء المهلة أو التصويت بالثقة، وفي هذه الحالة يعتبر مخفقا.

الثقة بالحكومة: المادتان (66 و 67 ) فور اختيار رئيس الوزراء لحكومته يتقدم الى المجلس التشريعي بطلب لعقد جلسة خاصة للتصويت على الثقة. في هذه الجلسة يقدم رئيس الوزراء بيان حكومته، ويصوت المجلس على الثقة بالوزارة بكاملها، ما لم تقرر اغلبية المجلس غير ذلك، أي أن يجري التصويت ليس على التشكيلة مجتمعة، بل يصح التصويت على الثقة في رئيس مجلس الوزراء لوحده أو على أي وزير على انفراد. واللافت للنظر أن المادة 66 هذه لا تتطلب عرض تشكيلة مجلس الوزراء على رئيس السلطة للحصول على موافقته المسبقة، غير أن التجربة الأولى دلت على أن مشاورات مكثفة تجري مع الرئيس وبقية الأطراف الممثلة في المجلس التشريعي في مرحلة تشكيل الحكومة للاطمئنان مسبقا على أنها ستفوز بثقة المجلس. في القانون الأساسي قبل التعديل، كان رئيس السلطة الوطنية هو الذي يشكل الحكومة ويعرضها على المجلس لنيل الثقة فيها.

اختصاصات رئيس مجلس الوزراء: (المادة 68 ) هذه مادة جديدة اقتضاها خلق هذا المنصب، وعددت له ثمانية اختصاصات. أولها بطبيعة الحال تشكيل مجلس الوزراء وما يستتبع هذا الحق من تعديل أو اقالة أو قبول استقالة وملئ الشاغر. وليس لرئيس السلطة الوطنية دخل دستوري في هذه الأمور. غير أنه لرئيس السلطة اقالة رئيس الوزراء وقبول استقالته (المادة 45). وفي هذا رقابة لرئيس السلطة على أعمال الوزارة، في حين يكون رئيس الوزراء حرا في اختيار وزرائه دون تدخل دستوري من الرئيس. اما الاختصاصات الأخرى فإجرائية أو ادارية، مثل دعوة مجلس الوزراء للاجتماع ورئاسة جلساته والاشراف على اعمال الوزارات والمؤسسات العامة التابعة للحكومة.

اختصاصات مجلس الوزراء: (المواد 69-72) مجلس الوزراء، وفق التعديل، هو السلطة الفاعلة (المادة 63) فهو الذي يضع السياسة العامة في حدود اختصاصه وفي ضوء البرنامج الوزاري الذي يصادق عليه المجلس التشريعي. ومؤدى هذا أن مجلس الوزراء، من الناحية النظرية على الأقل، مقيد في سياسته العامة ببرنامجه الوزاري المصادق عليه، وبذا فهو غير مخول الخروج عن هذا البرنامج الا بعد مصادقة المجلس التشريعي على هذا الخروج. ومجلس الوزراء هو الذي ينفذ السياسة العامة المقررة من الجهات الفلسطينية المختصة، ويضع الموازنة العامة لعرضها على المجلس التشريعي، ويعد الجهاز الاداري ويشرف عليه ويتابعه، ويتابع تنفيذ القوانين ويضمن الالتزام بأحكامها، ويشرف على أداء الوزارات ووحدات الجهاز الاداري، وعليه مسئولية حفظ النظام العام والأمن الداخلي وانشاء أو الغاء الهيئات والمؤسسات والسلطات على أن ينظم كل منها بقانون، وتعيين رؤساء هذه الهيئات والمؤسسات والسلطات والاشراف عليها وفقا للقانون، وتحديد اختصاصات الوزارات والهيئات والسلطات والمؤسسات التابعة للجهاز التنفيذي، وأية اختصاصات أخرى تناط بمجلس الوزراء بموجب أحكام القانون. وهذه الاختصاصات هي ذاتها الواردة في القانون الأساسي قبل التعديل باستثناء ما أضيف من صلاحية انشاء الهيئات والمؤسسات والسلطات العامة ::وتعيين رؤسائها. وهذه كلها اختصاصات يمارسها مجلس الوزراء أصالة ولا يرجع فيها الى رئيس السلطة الوطنية. ولمجلس الوزراء الحق في التقدم للمجلس التشريعي بمشروعات القوانين وله اصدار اللوائح واتخاذ الاجراءات لتنفيذها. وكان لمجلس الوزراء هذا الحق في القانون الأساسي قبل التعديل، كما كان لرئيس السلطة الوطنية، أما بعد التعديل فقد انحصر حق الرئيس في الاعتراض على القوانين بعد اقرارها من المجلس التشريعي واعادتها للمجلس مع ملاحظاته لينظر فيها المجلس مجددا. وبهذا يكون الرئيس رقيبا على التشريعات، وهي رقابة مؤثرة حيث أنه في حالة الرد لابد من توفر أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي لاجازة القانون.

ثم تعرض هذا القسم لاختصاصات الوزراء فلم يدخل عليها أي تعديل. يختص كل وزير في اطار وزارته باقتراح السياسة العامة للوزارة والاشراف على تنفيذها بعد اقرارها، والاشراف على سير العمل في وزارته، وتنفيذ الموازنة العامة ضمن الاعتمادات المقررة واعداد مشروعات القوانين الخاصة بوزارته وتفديمها لمجلس الوزراء، وله تفويض بعض سلطاته في حدود القانون. وعلى كل وزير أن يقدم تقارير عن وزارته لمجلس الوزراء بشكل دوري منتظم كل ثلاثة أشهر بحيث يكون مجلس الوزراء على اطلاع واف بسياسات كل وزارة ونشاطاتها. وليس في هذا الفسم الخاص بمجلس الوزراء ما يفرض على رئيس مجلس الوزراء تقديم تقارير عن نشاطات المجلس وسياساته لرئيس السلطة الوطنية، وهذا الوضع من شأنه أن يخلق فجوة بين رئيس السلطة الوطنية ومجلس الوزراء لا تخدم المصلحة العامة، وقد يضطر الرئيس الى الاعتماد على مصادر أخرى أو ثانوية للتعرف غلى ما تجريه الحكومة أو يقرره رئيس الوزراء مما قد يكون محل اعتراض من جانب رئيس السلطة الوطنية ويجعل تدخله متأخرا وربما عديم الأثر، وهذا ليس هو الوضع الأسلم في العلاقة بين السلطتين خاصة وأن الرئيس يملك سلطة اقالة رئيس الوزراء. ان التعاون بين الجهتين من أجل المصلحة العامة كان يقتضي النص على ترتيبات لهذه العلاقة تقلل من فرص الاحتكاك والاختلاف. ويبدو أن الأجواء التي فرضت خلق منصب رئيس الوزراء والرغبة الخارجية في فرض نوع من العزلة على الرئيس عرفات قد ساهمت في اغفال نص من هذا القبيل. وهذه هي المشكلة المزمنة التي تواجه المشرع عندما يترك ظرفا عابرا يتحكم في نصوص تتصف بشبه الديمومة.

جلسات مجلس الوزراء: (المادة 73) تعقد جلسات مجلس الوزراء بصورة دورية اسبوعيا وعند الضرورة بدعوة من رئيس مجلس الوزراء. ثم نصت هذه المادة على أنه لا يجوز لغير الوزراء حضور هذه الجلسات الا بناء على دعوة مسبقة من رئيس الوزراء. وهذا النص الذي هو من باب التزيد، يبدو أن القصد منه هو منع رئيس السلطة الوطنية من حضور هذه الجلسات الا اذا كانت الدعوة قد وجهت اليه مسبقا. ولموازنة هذا الأمر جاء النص الذي يخول الرئيس حق طلب انعقاد مجلس الوزراء، وفي هذه الحالة فاننا لا نرى أن يتطلب حضور الرئيس دعو مسبقة من رئيس مجلس الوزراء، خاصة وأن المادة 45 التي نصت على حق الرئيس في طلب الاجتماع جاءت مطلقة حيث نصت على”وله (أي لرئيس السلطة الوطنية) أن يطلب من رئيس مجلس الوزراء دعوة مجلس الوزراء للانعقاد” دون أن تشترط ابداء أسباب لذلك. وفي هذه الحالة لا يعقل أن ينعقد المجلس ولا يحضره من طلب انعقاده لابداء أسبابه.

مسئولية رئيس الوزراء والوزراء: (المواد 74-76) كان القانون الأساسي في نصه الأصلي يجعل الوزراء مسئولين أمام رئيس السلطة الوطنية، ومجلس الوزراء مسئولا مسئولية تضامنية أمام المجلس التشريعي. أما بعد التعديل فقد أصبح رئيس الوزراء مسئولا أمام رئيس السلطة الوطنية في حين أن الوزراء مسئولون أمام رئيس مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء والوزراء مسئولون مسئولية فردية وتضامنية أمام المجلس التشريعي. وكان من حق رئيس السلطة الوطنية احالة أي وزير للتحقيق فيما قد ينسب اليه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها ، فعدل الوضع بحيث انحصر حق الرئيس في احالة رئيس الوزراء للتحقيق في هذه الحالات، في حين أعطي حق الاحالة لرئيس الوزراء فيما يتعلق بالوزراء، وأضيفت عبارة “وفقا لأحكام القانون” في الحالتين، وهذا النص يقتضي استكمال الأحكام هذه بتشريع لاحق. وفور صدور قرار الاتهام يوقف الوزير عن عمله، دون أن يحول انتهاء الخدمة دون الاستمرار في التحقيق والمتابعة. ويتولى التحقيق النائب العام أو من يمثله، وتتم المحاكمة أمام المحكمة المختصة وتتبع في هذا الشأن الأحكام المقررةفي قانوني العقوبات والاجراءات الجزائية. ونص على أن الأحكام السابقة تسري على نواب الوزراء ووكلاء الوزارات ومن في حكمهم، دون أن يحدد النص من يملك الاحالة للتحقيق. فهل يختص بذلك كل وزير في وزارته أم ان رئيس الوزراء هو الذي يتولى الاحالة. والأقرب للمعقول أن يكون الاختصاص لكل وزير في وزارته. ويلاحظ أن المحاكمة تجري أمام “المحكمة المختصة” وأن الأحكام التي تتبع هي تلك الواردة في قانوني العقوبات والاجراءات الجزائية. ومؤدى هذا أن المحاكمة تجري أمام المحاكم النظامية العادية وليس أمام محكمة خاصة تشكل لهذا الغرض، الا اذا جاء التشريع المشار اليه، وهذا ما لا نرجوه، عاقدا الاختصاص لمحكمة خاصة ينشؤها. أن الوضع الذي ينسجم مع المادة 9 من القانون الأساسي التي تنص على أن الفلسطينيين سواء أمام القانون والقضاء هو أن يحاكم الوزراء أمام المحاكم النظامية المعتادة حيث أن الجرائم التي يجب أن تنسب اليهم هي جرائم يجب أن تكون قد نص عليها قانون العقوبات، فيكونون في هذا الخصوص شأنهم شأن بقية المواطنين الذين تنسب اليهم مخالفات لهذا القانون. واذا سار المشرع الفلسطيني في هذا الاتجاه، وهو ما تدل النصوص عليه، فانه يكون قد حقق تطويرا مهما في النصوص الدستورية العربية. غير أن المشكلة التي لم يواجهها هذا النص هي أن قرار الاحالة يبقى قرارا سياسيا، وقد رأينا أن الرئيس عرفات لم يحل للتحقيق وزراء تعرض لهم تقرير الرقابة الادارية والمالية استعمالا لحقه في ذلك بموجب قانون الرقابة الادارية والمالية، الأمر الذي أدى الى أزمة بين الرئيس والمجلس التشريعي وأثار سخط الشارع الفلسطيني وترك الموضوع دون حسم مرض. ولعل المشرع الفلسطيني يكمل المشوار عند وضع الدستور الدائم فيعامل رئيس مجلس الوزراء والوزراء معاملة المواطنين من حيث أن تتولى النيابة العامة مهمتها القانونية عند وقوع جريمة دون أن يتطلب ذلك احالة من جهة سياسية، فيكون علم النيابة باحتمال ارتكاب جريمة كافيا لكي تباشر اجراءات التحقيق على الوجه المقرر قانونا.

حجب الثقة عن الحكومة: (المواد 77-79) كان القانون الأساسي قبل التعديل يعطي لرئيس السلطة الوطنية الحق في أن يطرح الثقة بالوزارة أو بأحد الوزراء أو بعضهم أمام المجلس التشريعي، فألغي هذا الحق في التعديل، ولم ينص على حق رئيس الوزراء في ذلك. ونرى أن عدم النص لا يمنع رئيس الوزراء من عرض الثقة بالحكومة أو أي وزير من الوزراء اذا طرأ ما يستدعي ذلك.فالأصل هو أن تكون الحكومة وكل وزير من الوزراء متمتعا بثقة المجلس ويجوز التأكد من هذا الوضع في أي وقت تثار فيه شبهات أو تساؤلات. واحتفظ التعديل بحق المجلس التشريعي في حجب الثقة بناء على طلب عشرة من أعضائه ورسم الاجراءات لذلك واكتفى بالأغلبية المطلقة لاعضاء المجلس التشريعي. ولكي لا يحدث فراغ في حالة حجب الثقة فقد نص على استمرار الحكومة في ادارة الأمور بالقدر الضروري الى أن تشكل حكومة جديدة. وأضاف التعديل مادة جديدة تتعلق بتشكيل الوزارة بعد حجب الثقة عنها وتعيين وزير بديل لمن حجبت الثقة عنه بحيث يتولى رئيس السلطة الوطنية أو رئيس مجلس الوزراء معالجة الموضوع، كل حسب اختصاصه.

الذمة المالية لاعضاء مجلس الوزراء: (المادة 80) وكما اشترط القانون الأساسي قبل التعديل وبعده على أعضاء المجلس التشريعي أن يقدموا اقرارا بذمتهم المالية عن أنفسهم وزوجاتهم وأبنائهم القصر، فقد اشترط على رئيس مجلس الوزراء والوزراء ذلك أيضا، وفي الحالتين فان الاقرار يودع لدى المحكمة العليا ولا يجوز الاطلاع عليه الا بقرار من المحكمة. وبالاضافة الى الاقرار المالي فقد حظرت المادة ذاتها على رئيس الوزراء وأي من الوزراء أن يشتري أو يستأجر شيئا من أملاك الدولة أو أن تكون له مصلحة مالية في أي عقد من العقود التي تبرمها الجهات الحكومية أو الادارية، وحظرت كذلك النشاطات التجارية والمهنية وتقاضي الرواتب والمكافآت والمنح من أي شخص آخر وبأي صفة كانت غير الراتب الواحد المحدد للوزير ومخصصاته.. وهذه المخصصات تحدد بقانون (المادة 81). ومما يسترعي الانتباه أنه لا توجد نصوص مماثلة خاصة برئيس السلطة الوطنية لا في أصل القانون الأساسي ولا في التعديل، ونرى تدارك هذا الوضع عند اعداد الدستور الدائم أو تعديل القانون الأساسي لمعالجته.

بعد بحث المخصصات جاءت مادة هي 82 خاصة بالشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يعين رئيسا للوزراء أو وزيرا فاشترطت أن يكون فلسطينيا متمتعا بكامل حقوقه المدنية والسياسية، وكان الأولى بهذ المادة، من حيث الصياغة، أن تأتي في أوائل القسم الخاص بالسلطة التنفيذية. وقد يتساءل البعض عن سبب عدم ايراد شروط كهذه فيما يتعلق برئيس السلطة الوطنية والمجلس التشريعي. والسبب في ذلك هو أن رئيس السلطة وأعضاء المجلس التشريعي يأتون عن طريق الانتخاب المباشر، وقانون الانتخابات تكفل بالشروط، أما رئيس مجلس الوزراء والوزراء فيأتون بالتعيين، ولذا اقتضى الأمر وضع الشروط.

ثم جاءت مادة جديدة هي المادة 83، وهي مادة أضيفت في التعديل، لتنص على الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة بحكم االقانون، وهذه الحالات هي: (1) فور بدء ولاية المجلس التشريعي، (2) بعد حجب الثقة عن رئيس االوزراء أو عنه وعن حكومته أو عن ثلث عدد الوزراء على الأقل، (3) أية اضافة أو تغيير أو شغور أو اقالة تشمل ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء عل الأقل، (4) وفاة رئيس الوزراء، (5) استقالة رئيس الوزراء أو استقالة ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء على الأقل، (6) اقالة رئيس الوزراء من قبل رئيس السلطة الوطنية.

قوات الأمن والشرطة: ألمادة( 84) لم يطرأ تعديل على هذا الموضوع، ونصت المادة على أن قوات الأمن والشرطة قوة نظامية، وهي القوة المسلحة في البلاد، وتنحصر وظيفتها في الدفاع عن الوطن ، وخدمة الشعب، وحماية المجتمع، والسهر على حفظ الأمن والنظام العام والآداب العامة، وتؤدي واجبها في الحدود التي رسمها القانون في احترام كامل للحقوق والحريات. وتنظم بقانون. ولقد مرت فترة كانت فيها قوات الأمن مصدر انتقاد شديد من جانب الشعب الفلسطيني لتجاوزها للقانون وعدم احترام أحكام القضاء ، ولعل صدور القانون الأساسي وما سبقه من سخط شعبي يؤديان الى ضبط الأوضاع. بحيث يتحقق الأمل في أن تمارس واجباتها في الحدود التي رسمها القانون في احترام كامل للحقوق والحريات. ومع الأسف فان قوات الأمن الفلسطينية قد تدربت في معظمها في الأقطار العربية، مع أننا اعترضنا على ذلك، فتأقلمت بعقلية التسلط وعدم الاكتراث بالحقوق والحريات مع أنه من المفروض أنها لم تأت الا من أجل حماية الحقوق والحريات. والسؤال الذي يبدو أنه ظل معلقا هو التبعية الدستورية لهذه القوات، فهل هي تتبع رئيس السلطة الوطنية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الفلسطينية حيث أن قوات الأمن هي القوات المسلحة الوحيدة في البلاد، أم أنها تعتبر مجرد شرطة تتبع لوزير الداخلية. ويبدو أن المسألة حسمت عمليا في الوقت الراهن على الأقل لصالح وزير الداخلية، مع أن الاشارة الى أنها “هي القوة المسلحة في البلاد” توحي بأن التبعية تكون للرئيس بصفته، وفقا للنظام الاساسي، القائد الأعلى للقوات الفلسطينية.

الادارة المحلية: (المادة 85) لم يعدل النص، وبمقتضاه تنظم البلاد بقانون في وحدات ادارية محلية تتمتع بالشخصية الاعتبارية ولها مجالس محلية منتخبة انتخابا مباشرا، وبالفعل جرت انتخابات اتسمت بالشفافية والنزاهة، ويحدد القانون اختصاصاتها، ومواردها المالية، وعلاقتها بالسلطة المركزية، ودورها في اعداد خطة التنمية وتنفيذها. ان مشاركة الادارات المحلية في وضع خطط التنمية وتنفيذهاهو المنهج الجديد في هذا الشأن وله مزاياه المهمة.

الادارة العامة: (المادة 86-87) عدل النص ليصبح مادتين بدلا من مادة واحدة فاشترط في المادة الأولى أن يكون التعيين وفقا للقانون، وهذا ما لم يكن معمولا به، ونص في المادة الثانية على تنظيم الخدمة المدنية بقانون، وألزم ديوان الموظفين بالعمل على الارتقاء بالخدمة المدنية.

المالية العامة: (المواد 88-96) لم يطرأ عليها تعديل. فنصت المادة 88 على أن فرض الضرائب العامة والرسوم والغاءها لا يكون الا بقانون، ولا يعفى أحد من ادائها كلها أو بعضها في غير الأحوال المبينة في القانون، ونصت المادة 89 على أن يبين القانون الأحكام الخاصة بتحصيل الأموال العامة وباجراءات صرفها. والمادة 90 نصت على أن تحديد بداية السنة المالية ونهايتها وتنظيم الموازنة العامة يكون بقانون، واشترطت المادة 91 على أن يؤدى للخزينة العامة جميع ما يقبض من ايرادات، ومهما كان مصدرها، وأن لا ينفق منها لأي غرض مهما كان نوعه الا وفق ما يقرره القانون، والمأمول أن تمسك الرقابة المالية بالالتزام بهذا النص لتفادي التجاوزات التي شابت الماضي. ويجوز تكوين احتياطي للطوارئ. أما المادة 92 فنصت على أن تعقد القروض العامة بقانون، وعلى أنه لا يجوز الارتباط بأي مشروع يترتب عليه انفاق مبالغ من الخزينة العامة لفترة مقبلة الا بموافقة المجلس التشريعي. أما سلطة النقد والمصارف وسوق الأوراق المالية وشركات الصرافة والتأمين وسائر المؤسسات المالية والائتمانية فينظمها القانون ، كما أن محافظ سلطة النقد يعين بقرار من رئيس السلطة الوطنية ويصدق على تعيينه المجلس التشريعي.(م 93). ويلاحظ أن هذا استثناء بالنص من اختصاص مجلس الوزراء بتعيين رؤساء السلطات العامة. وتعرضت المادة 94 لاستغلال موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة والتصرف في العقارات المملوكة للدولة فنصت على أن يحدد القانون القواعد والاجراءات الخاصة بذلك. ونصت المادة 95 على أن القانون يحدد قواعد منح المرتبات والمعاشات والتعويضات والاعانات والمكافآت التي تتقرر على الخزينة العامة، وحظرت صرف اية مبالغ استثنائية الا في الحدود المعينة قانونا. والمادة الأخيرة في هذا القسم هي المادة 96 التي نصت على أن يتم بقانون انشاء ديوان للرقابة المالية والادارية، على أن يقدم تقريره لكل من رئيس السلطة الوطنية وللمجلس التشريعي. أما رئيسه فيعين بقرار من رئيس السلطة الوطنية وبمصادقة المجلس التشريعي. ويلاحظ أن النص لا يتطلب تقديم التقرير لرئيس مجلس الوزراء، كما أن مجلس الوزراء لا يتدخل بشكل مباشر في تعيين رئيس الديوان، وهذا موقف سليم حيث أن مهمة الديوان هي مراقبة السلطة التنفيذية أي الحكومة. ولكي يكون لهذا النص أسنان كان يحسن أن يخول رئيس ديوان الرقابة المالية والادارية الحق في احالة ما يتراءى له من مخالفات الى النيابة العامة للتحقيق فيها ومتابعة الاجراءات القانونية.

الباب السادس: السطة القضائية: المواد 97-109)

السلطة القضائية: (المواد 97-106) لم يطرأ تعديل على نصوص هذه المواد. المادة 97 نصت على استقلال السلطة القضائية وعلى أن هذه السلطة تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وعلى أن القانون يحدد طريقة تشكيل المحاكم واختصاصاتها وأن الاحكام تصدر وفقا للقانون وباسم الشعب العربي الفلسطيني. ونصت المادة 98 على أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شئون العدالة. وكان الأفضل لو حظر التدخل ليس فقط على “السلطة” بل “أية جهة كانت”، خاصة وأن رئيس السلطة الوطنية لم يعتبر جزءا من السلطة التنفيذية وفقا للتعديل، وكان كذلك قبل التعديل. وجاءت المادة 99 فنصت على أن تعيين القضاة ونقلهم وانتدابهم وترقيتهم ومساءلتهم يكون بالكيفية التي يقررها قانون السلطة القضائية، وأن القضاة غير قابلين للعزل الا في الأحوال التي يجيزها قانون السلطة القضائية. هذا نص مألوف في الدساتير العربية، وفي رأينا أن الاحتكام الى قانون السلطة القضائية لا يؤمن استقلال القضاء ولا يحصنهم من عزل يأخذ أشكالا مختلفة، والنص على عدم القابلية للعزل لا يكفي ما دام خاضعا لقانون قابل للتعديل. ونرى أن ينص دستوريا على الأحوال التي يجوز فيها عزل القضاة بحيث يحصن الدستور نفسه هذا الأمر. ونصت المادة 100 على انشاء مجلس أعلى للقضاء وعلى أن القانون يبين طريقة تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه، ويؤخذ رأيه في مشروعات القوانين التي تنظم أي شأن من شئون السلطة القضائية، بما في ذلك النيابة العامة. وهذا أيضا نص مألوف في الدساتير العربية، ولكنه لا يؤمن شئيا لمجلس القضاء الأعلى لا من حيث تكوينه ولا من حيث اختصاصاته ولا من حيث استقلاليته، لأن ذلك كله ترك لقانون غير مأمون النصوص في أجواء لم يستقر فيها بعد الحرص على استقلال القضاء. فنحن نرى أن رئيس الدولة أو وزير العدل أو من يمثله قد نص عليه في قوانين بعض الدول العربية ليكون رئيسا لمجلس القضاء الأعلى، وبذا تتدخل السلطة التنفيذية بشكل مباشر في قرارات المجلس . السلطة القضائية هي سلطة من سلطات الدولة، واخضاعها في كل شأن من شئونها الذي يمس استقلالها لسلطة أخرى هي التشريعية التي تسن القوانين، وللسلطة التنفيذية التي تتقدم عادة بمشاريع هذه القوانين، فيه اعتداء على السلطة القضائية. وفي رأينا أن الدستور نفسه يجب أن ينص على الأشخاص الذين يتكون منهم مجلس القضاء الأعلى وعلى اختصاصاته على أن يكونوا جميعا من رجال القضاء من منطلق ضمان استقلال القضاء، لتحصين المجلس والاختصاصات جميعا. ونصت المادة 101 على أن المسائل الشرعية والأحوال الشخصية تتولاها المحاكم الشرعية والدينية وفقا للقانون ، كما نصت على أن تنشأ المحاكم العسكرية بقوانين خاصة وأنه لا اختصاص لهذه المحاكم أو ولاية خارج الشأن العسكري. وهذا قيد دستوري محمود. والمحاكم العسكرية غير محاكم أمن الدولة، وسار القانون الأساسي على نهج المسودة الرابعة التي تجنبت عن عمد ادراج نص يتيح فرصة انشاء محاكم أمن الدولة.ونصت المادة 102 على جواز انشاء محاكم ادارية، وجاء هذا النص بصيغة الجواز لأن محكمة العدل العليا في فلسطين تمارس قضاء اداريا، واحتفظت لها المادة 104 بهذا الاختصاص وأضافت له الاختصاص الدستوري المنصوص عليه في المادة 103 الى أن تشكل المحكمة الدستورية المنصوص عليها في هذه المادة 103. ذلك أن هذه المادة نصت على أن تشكل بقانون محكمة دستورية عليا وحددت اختصاصات هذه المحكمة في النظر في دستورية القوانين واللوائح والنظم وغيرها، وتفسير نصوص القانون الأساسي والتشريعات، والفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية وبين الجهات الادارية ذات الاختصاص القضائي. وكنا نفضل أن يترك تفسير التشريعات للاجراءات القضائية المعتادة التي تثير مشاكل محددة تكون محل دراسة ومرافعة من أصحاب المصلحة، فتتضح الجوانب والآراء المختلفة وتطرح لنظر محكمة الموضوع على اختلاف درجاتها، فيتعمق بذلك النظر فيها. وهل النص على اختصاص تفسير القوانين يحصر هذا الاختصاص في المحكمة الدستورية، في حين أن تفسير القوانين هو عمل يومي للمحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها فهل سيكون عليها احالة ما يطرح عليها في هذا الشأن للمحكمة الدستورية؟ انني لا أعتقد أن هذا هو المقصود، وربما يكون المقصود هو أخذ رأيها الاستشاري ربما من قبل الحكومة أو المجلس التشريعي أو كليهما. على كل حال يحسن توضيح هذا الموضوع تشريعيا في قانون المحكمة الدستورية عند صدوره . ونصت المادة 105 على مبدأ علنية الجلسات، ما لم تقرر المحكمة غير ذلك، مراعاة للنظام العام أو الآداب، على أن يكون النطق بالحكم في جميع الأحوال في جلسة علنية. ثم جاءت المادة 106 لتنص على أن الأحكام القضائية واجبة التنفيذ والامتناع عن تنفيذها أو تعطيله على أي نحو جريمة يعاقب عليها بالحبس والعزل من الوظيفة اذا كان المتهم موظفا عاما أو مكلفا بخدمة عامة، وللمحكوم له الحق في رفع الدعوى مباشرة الى المحكمة المختصة وتضمن السلطة الوطنية تعويضا كاملا له. هذه مادة في غاية الأهمية بالنسبة لتنفيذ الأحكام، وتكتسب أهمية خاصة في الوضع الفلسطيني بسبب تعطيل سلطات الأمن في بعض الأحيان تنفيذ أحكام المحكمة العليا بالافراج عن من كانوا يعتقلون بالمخالفة للقانون. وفي جميع الأحوال فهي تضع السلطة التنفيذية تحت الاختبار في مدى احترامها لاستقلال القضاء وخضوعها لسيادة القانون وفقا للمادة 6 من القانون الأساسي.

النيابة العامة: (المواد 107-109) نصت المادة 107 بعد التعديل على أن النائب العام يعين بقرار من رئيس السلطة الوطنية بناء على تنسيب من المجلس الأعلى للقضاء وبمصادقة المجلس التشريعي. وكان النص قبل التعديل لا يتطلب هذه المصادقة. وكان تعيين النائب العام موضع شد وجذب بين رئيس السلطة الوطنية والمجلس التشريعي أثناء النظر في القانون الأساسي، وكانت الشكوى قد عمت من تصرفات النائب العام الذي انفرد الرئيس بتعيينه، فاقترحتنا حينئذ حلا وسطا وهو أن يكون التعيين بمصادقة المجلس، واعترض الرئيس على ذلك، وجاء الحل الوسط في القانون الأساسي، فبل التعديل، بأن يكون هناك على الأقل تنسيب من المجلس الأعلى للقضاء. واستغل المجلس التشريعي فرصة التعديل ليضيف شرطه القديم، وهو الحصول أيضا على مصادقة المجلس التشريعي على التعيين. وهكذا ضيقت الدائرة على الرئيس في اختيار النائب العام من جهتين: نقطة البداية وهي التنسيب من المجلس الأعلى للقضاء، ونقطة النهاية وهي مصادقة المجلس التشريعي. . ونتوقع استكمالا لهذا الوضع أن ينص قانون النيابة العامة على حصانات من العزل والنقل والاحالة على التقاعد. وجاءت المادة 108 لتنص على أن تنظيم النيابة العامة يكون بقانون وكذلك يكون تعيينهم ونقلهم وعزلهم ومساءلتهم. واختتم هذا الباب بالمادة 109 لتشترط عدم تنفيذ حكم الاعدام الا بعد التصديق عليه من رئيس السلطة الوطنية. فلا توجد احالة للأوراق الى المفتي كخطوة اضافية، فالمفتي، على أي حال، ليس جزءا من السلطة القضائية ولم يعترف له بموقع دستوري محدد في القانون الأساسي (أو في الدساتير العربية التي اقتضت احالة الأوراق اليه) كما أن أحكام الاعدام تصدرها محاكم نظامية وفقا لقانون العقوبات، والمفتي لا دخل له في تطبيق هذا القانون. ونلاحظ أن القانون الأساسي لم يلغ عقوبة الاعدام، ولم ينص عليها وانما تركها للقوانين.

الباب السابع: أحكام حالة الطوارئ: (المواد 110-114) في جميع مراحل اعداد مسودة القانون الاساسي تعمدنا عدم ادراج أحكام خاصة بحالة الطوارئ، خاصة في المرحلة الانتقالية، لأن الشعب الفلسطيني عانى كثيرا من هذه الأحكام أيام الانتداب البريطاني ثم من الاحتلال الاسرائيلي وتجاوزات السلطة الوطنية، وكذلك فان استعمال دول عربية لهذه الرخصة الدستورية دون تقيد دقيق بضوابطها هو في حد ذاته سابقة معاشة تغري بالاعتماد عليها ومجاراتها من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية. غير أن المجلس التشريعي رأى اضافة هذا الباب، وهو محق في ذلك من حيث المبدأ، ولم تمس أحكامه بالتعديلات التي ادخلت فيما بعد. حصرت المادة 110 الحالات التي تجيز اعلان حالة الطوارئ بأنها وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية. في هذه الحالة يجوز اعلان حالة الطوارئ بمرسوم من رئيس السلطة الوطنية لمدة لا تزيد على ثلاثين يوما، وأجازت هذه المادة تمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما أخرى بعد موافقة المجلس التشريعي بأغلبية ثلثي أعضائه. ويبدو من هذا النص أن أقصى مدة لحالة الطوارئ هي ستون يوما في حين أن الحالات التي تجيز اعلانها قد تدوم لمدة أطول. ولذا فان التفسير الأسلم هو ألا يتجاوز التمديد ثلاثين يوما في كل مرة بحيث يكون الأمر تحت المراجعة المستمرة للمجلس التشريعي منعا لاساءة الاستعمال.. واشترطت هذه المادة أن ينص المرسوم بوضوح على الهدف من الاعلان والمنطقة التي يشملها والفترة الزمنية المقررة لاستمرار حالة الطوارئ. وتعطي المادة الحق للمجلس التشريعي في مراجعة الاجراءات والتدابير التي اتخذت وذلك في أول اجتماع يعقده عقب اعلان حالة الطوارئ أو في جلسة التمديد واجراء الاستجواب اللازم بشأنها. أما وضع الحقوق والحريات الأساسية أثناء حالة الطوارئ فقد نصت المادة 111 على أنه لا يجوز فرض قيود عليها الا بالقدر الضروري لتحقيق الهدف المعلن في مرسوم اعلان حالة الطوارئ. ونصت المادة 112 على المتطلبات الدنيا التي يجب أن تتوفر في حالة الاعتقال ، فاشترطت أن يراجع النائب العام أو المحكمة المختصة التوقيف خلال مدة زمنية لا تتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ التوقيف، كما أعطت الموقوف الحق في تعيين محام يختاره. وحظرت المادة 113 حل المجلس التشريعي أو تعطيله أو تعليق هذا الباب خلال فترة حالة الطوارئ. وجاءت المادة 114 لتنص على الغاء جميع الأحكام التي تنظم حلات الطوارئ المعمول بها في فلسطين قبل نفاذ القانون الأساسي بما في ذلك أنظمة الدفاع المدني (الطوارئ) الانتدابية لعام 1945.

الباب الثامن أحكام عامة وانتقالية. (المواد 115-121) لم يطرأ تعديل على أحكام هذا الباب الا بالقدر اللازم لوضع التعديلات موضع التنفيذ. نصت المادة 115 على الفترة الزمنية التي يسري فيها القانون الأساسي فحددتها بالمرحلة الانتقالية ثم نصت على أنه “يمكن تمديد العمل به االى حين دخول الدستور الجديد للدولة الفلسطينية حيز التفيذ”. والتفسير الدقيق لهذا النص أن التمديد لا يكون تلقائيا وبحكم القانون، ولكن حيث أن مدة المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في اعلان المبادئ قد انتهت فعلا قبل اصدار القانون الأساسي، فانه يصح القول بأن عملية التمديد قد حصلت بصدور القانون الأساسي بعد انقضاء المرحلة الانتقالية. ولقد كان من الأفضل، وقد حانت الفرصة عند التعديل، لو اقتضى النص الاستمرار بالعمل بالقانون الأساسي الى أن يصدر الدستور متجاوزا بذلك كل ما يثار من نقاش حول الفترة الانتقالية، حيث أن واقع الحال يفرض الاستمرار بالعمل به الى أن يوضع دستور موضع التنفيذ. ونصت المادة 116 على أن القوانين تصدر باسم الشعب العربي الفلسطيني، وكان الأسلم أن تصدر باسم الشعب الفلسطيني لتشمل الشعب كله عربا وغير عرب، وتنشر في الجريدة الرسمية فور صدورها ويعمل بها بعد ثلاثين يوما من نشرها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. وجاءت المادة 117 لتنص على عدم رجعية القوانين، مع جواز النص على ذلك الا في حالة المواد الجزائية. وأبقت المادة 118 التشريعات المعمول بها في فلسطين سارية ما لم تتعارض وأحكام هذا القانون الأساسي الى أن تعدل أو تلغى وفقا للقانون. وألغت المادة 119 كل ما يتعارض وأحكام هذا القانون الأساسي المعدل، وهذا الالغاء يشمل بطبيعة الحال أحكام القانون الأساسي التي أصبحت تتعارض مع النص المعدل. أما تعديل القانون الأساسي فنصت المادة 120 على أن ذلك يتطلب موافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي. واختتمت المادة 121 الموضوع بالنص على نشر القانون الأساسي المعدل في الجريدة الرسمية وعلى العمل به من تاريخ نشره.

خاتمة

أن التجربة الفلسطينية في وضع نظام دستوري جديرة بالدراسة والتأمل. فهي أولا تمثل الصراع التقليدي بين سلطة تنفيذية تحرص على تركيز السلطة في يدها، والحيلولة دون وضع ضوابط على ممارستها لهذه السلطة، ولذا فهي تحاول اجهاض المحاولات الدستورية الجادة التي لا تقرر هي أحكامها وتأبى أن تكون معدة وفقا لمواصفاتها، وبين توجهات مستقلة موضوعية تتناسى شخص القابض على السلطة وتسعى لوضع نظام يؤمن للشعب حقوقه وحرياته ومساءلة الحاكم ع أفعاله واتاحة الفرصة الحقيقية لتداول السلطة بشكل سلمي يكون للشعب رأي حقيقي فيه. ودلت هذه التجربة على أنه يمكن الاعتماد على الشعب والقوى الشعبية في مناصرة الاتجاه الأسلم اذا أشرك الشعب وقواه في العملية بصورة جادة تعبر عن مصداقية العملية التشاورية. وقد أثمرت تجربة وضع القانون الأساسي التشاورية التي كانت تستجيب للنقد والمراجعة بقلب وعقل مفتوحين أن الشعب مستعد للمساهمة الايجابية، وكان من نتيجة ذلك أن المجلس التشريعي كان وراءه رأي عام يسانده وأن المجلس نفسه قد تقوى بالمشاورات السابقة وما انتجته من رأي عام مساند. وعندما عمدت السلطة لوضع دستور تجنبا لاصدار القانون الأساسي وجدت نفسها أمام تجربة سابقة في التشاور والمشاركة الشعبية بحيث اضطرت اللجنة التي كلفت بوضع مسودة الدستور لاتباع اجراءات في التشاور والطرح شبيهة بتلك التي اتبعت عند اعداد القانون الأساسي ولم تستطع أن تسير على نمط الدساتير العربية من مجرد الاعداد ثم العرض على الاستفتاء. ثم ان عملية توزيع الاختصاصات بين رئيس الدولة ورئيس لوزراء أمر في غاية الأهمية، اذ الملاحظ في معظم الدول العربية أن رئيس الدولة هو الذي يتخذ القرارات الهامة بل ويجري المفاوضات دون مشاركة من رئيس الوزراء أو وزير الخارجية، ورئيس الدولة بعيد عن المساءلة أو المحاسبة، بل ويكفي أحيانا أن يقال ان هذه هي ارادة الرئيس أو توجيهاته وتنفذ المجالس النيابية هذه التوجيهات دون مناقشة، فيصبح الأمر كله قرارا فرديا يعتدي على المؤسسات الدستورية، برضاها مع الأسف. ويستفاد من التجربة الفلسطينية أن المجالس التشريعية قادرة على الصمود وعلى فرض الموقف السليم في الكثير من الأحيان. ولو أن المجالس النيابية في غالبية الدول العربية تقوم بواجبها الحقيقي الذي تنتخب من أجله لكان لها دور رئيسي في دعم المؤسسات الدستورية وفي اتخاذ القرار. ترى لو أن مجلس الشعب العراقي قام بواجبه من الرقابة والمساءلة أكانت تصل الأمور في العراق الى ما وصلت ايه؟ سؤال يجب أن تطرحه على نفسها المجالس النيابية في شتى الاقطار العربية.

1-محام ومستشار قانوني والرئيس الأسبق للجنة القانونية في المجلس الوطني

الفلسطيني

2- Anis F. Kassin, Legal Systems and Developments in Palestine, 1 Palestine Yearbook of International Law p 19 (1984)

3-Henry Cattan, The Palestine Question, pp 7-8 (1988)

4- في عام 1896 كان يمثل القدس يوسف ضيا باشا الخالدي. وفي انتخابات 1908 كان الممثلون هم: روحي الخالدي عن القدس، سعيد الحسيني عن القدس، وحافظ السعيد عن يافا، والشيخ أحمد الخماش عن نابلس، والشيخ أسعد الشقيري عن عكا. وفي انتخابات 1912 كان روحي الخالدي عن القدس، وعثمان النشاشيبي عن القدس، وأحمد عارف الحسيني عن غزة، وحيدر طوقان عن نابلس، والشيخ أسعد الشقيري عن عكا. وفي عام 1914 كان راغب النشاشيبي عن القدس، ووسعيد الحسيني عن القدس، وفيضي العلمي عن القدس، وتوفيق حماد عن نابلس، وأمين عبد الهادي عن نابلس، وعبد الفتاح السعدي عن عكا… Encyclopedia of the Problem of Palestine, by Issa Nakhleh, International Books, New York, N.Y. Volume I (1991) page 24.

5- كثيرا ما تثير اسرائيل في دعايتها أن الفلسطينيين لم يحكموا أنفسهم في أي عصر من العصور، ولذا فانه لم يكن لهم كيان سياسي في أي يوم من الأيام بحيث يكونون شخصا من أشخاص القانون الدولي يمارس السيادة على أرضه. ومع الأسف فان هذا الادعاء كثيرا ما يمر دون رد، ويصبح بالتالي مقبولا لمن لا يدققون في الأمور. كان الفلسطينيون حتى قيام الانتداب البريطاني عام 1922، جزءاً من دولة كبرى هي الخلافة العثمانية. لم تكن فلسطين أرضا محتلة، وانما كانت جزءا من كيان سياسي يتمتع بالسيادة الكاملة، ومن المقرر في القانون الدولي أنه عندما تتجزأ دولة كبرى الى أجزاء فان السيادة على كل جزء تبقى في ابناء ذلك الجزء ممن كانوا مواطنين في الدولة الكبرى قبل تجزئتها. وبهذه الطريقة ولدت دول كثيرة ذات سيادة من امبراطوريات سابقة تجزأت لسبب من الاسباب. وأقرب الأمثلة ما كان من مصير مصر وسوريا بعد الانفصال. كانت هناك الجمهورية العربية المتحدة، وفقدت مصر وسوريا كيانهما الدولي المستقل ولم تعودا عضوين في الامم المتحدة، وأصبح هناك عضو واحد هو الجمهورية العربية المتحدة. وبعد أن حصل الانفصال تكون من جديد دولتان يمارس أبناء كل دولة السيادة على أرض محددة تستثني أرض الدولة الأخرى، واستردت كل دولة مقعدها في الامم المتحدة. ولم يقل أحد بأن الاندماج قد قضى على سيادة الشعبين السوري والمصري، بل انه وسع تلك السيادة، وعندما حصل الانفصال انفرد كل شعب بالسيادة على جزء من الدولة المنحلة. وبالنسبة لفلسطين، فانه عند انحلال الامبراطورية العثمانية، انحصرت سيادة الشعب الفلسطيني في فلسطين، كما انحصرت سيادة الاتراك في تركيا والعراقيين في العراق والسوريين في سوريا، بعد أن كانوا جميعا يمارسون السيادة في جميع اجزاء الامبراطورية العثمانية.

6- للتعرف على الوضع القانوني للبلدان التي وضعت تحت الانتدابن راجع عيسى نخلة، المصدر السابق، المجلد الثاني ص 913-915.

7-القضية الفلسطينية، تحليل ونقد، د. يوسف هيكل، مطبعة الفجر، يافا، (1937) ص 97.

8-الصهيونية، نقد وتحليلن د. سعدي بسيسو، المطبعة التجارية، القدس، (1945) ص 170.

9-بسيسو، المصدر السابق، ص 205 هامش رقم 2.

10-بسيسو المصدر السابق ص 171.

11-بسيسو. المصدر السابق ص 169.

12-انظر Palestine, The Arabs & Israel, Henry Cattan, Longmans, 1969, pp 18-24

13-انظر هنري كتنن المصدر السابق ص 25-30.

14- عن وضع العرب في اسرائيل، راجع The Arabs in Israel, Sabri Jiryis, Monthly Review Press New York and London (1976), The Arabs in Israel, Sabri Jiryis, The Institute for Palestine Studies, 1969, To be an Arab in Israel, Fouzi El-Asmar, The Institute for Palestine Studies, 1978, Israel & the Palestinians, ed. Davis& others, Ithaca Press, London, 1975, Israel and the Palestine Arabs, Don Peretz, The Middle East Institute, Washington, 1958.

15- وكانت الضفة تشكل جزءا من الأرض التي يفترض فيها أنها خاضعة لحكومة عموم فلسطين في ذلك الوقت، وضمها دليل مادي على أن الحكومات العربية في ذلك الوقت لم تكن حريصة على المحافظة على كيان فلسطيني له استقلاليته ووجوده القانوني، وهذا ما حاولت الادارة الصرية في القطاع الحفاظ عليه، في حين أنها لم تسمح لحكومة عموم فلسطين بممارسة أية سلطة في القطاع.

16- وكان لكاتب هذا البحث شرف رئاستها، انظر كتابنا عن المؤتمر “من التيه الى القدس”، طرابلس الغرب، 1965.

17-أقر المؤتمر، كخطوة استباقية، اعلان قيام المنظمة قبل انتهاء لجنة الميثاق والأنظمة من عملها وذلك تحسبا لتطورات خشي أن تؤدي الى عدم استكمال المؤتمر لنشاطه. ولحسن الحظ فان هذه االمخاوف لم تتجسد على أرض الواقع.

18-وقد عدل االميثاق فيما بعد في 10/7/1968 من قبل مجلس وطني سيطرت عليه المنظمات، ولم يُدْعَ اليه المستقلون، بالتركيز على الكفاح المسلح كالوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين، في حين أن الميثاق الأصلي نص على تحرير فلسطين بكافة الوسائل. النص الأصلي للميثاق نشر في كتابنا من التيه الى القدس، المشار اليه سابقا.

19-ونذكر للتاريخ أن الشقيري عندما قدم تقريره للرؤساء عن قيام منظمة التحرير طلب قرارا يتيح فرص اجراء انتخابات للمجلس الوطني، فأحاله الرؤساء للتفاوض مع كل دولة عربية على حدة، فلم توافق دولة واحدة على اجراء انتخابات بين الفلسطينيين المقيمين في أراضيها.

20-النص الكامل للبيان منشور في كتابنا من التيه الى القدس المشار اليه آنفا ص 241-243. إن اعادة قراءة ذلك البيان تثير آلاما في النفس عن مدى تخلف العمل العربي المعاصر قياسا بما كان يرجى له قبل اربعين عاما.

21-النص الكامل للميثاق في نصه الاصلي منشور في كتابنا “من التيه الى القدس” – دار النشر الليبية طرابلس 1965 ص 231 وما بعدها. كما أن اعلان قيام منظمة التحرير منشور في المرجع ذاته ص 230 وكذلك النظام الاساسي لمنظمة التحرير والنظام الاساسي للصندوق القومي الفلسطيني ص 235-240

22-وقد استقال كاتب هذا البحث من رئاسة اللجنة القانونية في المجلس الوطني عندما دعي المجلس لتعديل االميثاق احتجاجا على تلك الخطوة ولم يحضر الاجتماع. ولم تعرض هذه الاستقالة على االمجلس الوطني حسب الأصول، عند اجتماعه، حيث أن رئاسة اللجنة وتشكيلها كانت بقرار من المجلس نفسه. ونشر خبر الاستقالة في جريدة القدس العربي التي تصدر في لندن بتايخ 24 ابريل 1996.

23- وقد تأسست بالفعل لجان في معظم الأقطار العربية وعبرت بنشاطاتها الشعبية عن تواصل فاعل بين الجماهير العربية والقضية الفلسطينية، بيد أن الأنظمة العربية، تقليدبة وثورية، سارعت لوضع القيود والعراقيل امامها الى أن أجهضتها في أقطار عديدة.

24- أنظر بحثنا Declaration of the State of Palestine: Background and Considerations,The Palestine Yearbook of International Law, vol IV (1987-88) pp 314-225.

25-ولم يكن من السهل في منظمة التحرير اجراء هذا الفصل في بادئ الأمر، ومع ذلك، فقد استطاع المجلس فيما بعد فرض احترام النظام الأساسي والفصل بين رئاسة المجلس ورئاسة اللحنة التنفيذية.

26-اننا نشير الى هذه الواقعة لأن أبا عمار استمر مع الأسف في عرقلة وضع نظام أساسي ، كما يتضح من هذا البحث، الى أن أرغمته التطورات بعد سنوات من المراوغة على قبول ما لم يكن بد من قبوله.

27-انظر بحثنا: The Draft Basic Law of the Palestinian National Authority, The Palestine Yearbook of International Law, Vol Vii (1992/94) pp 171-211; and Professor Nathan Brown of George Washington University Constituting Palestine: The Efforts to Write a Basic Law for the Palestinian Authority, Middle East Journal, vol 54, No 1, Winter 2000

28- ليس هذا محل التعليق على اعلان المبادئ هذا. الا أنه يجب القول بأن هذا الاعلان لم يعرض على اللجنة القانونية للمجلس الوطني وانما جرت المفاوضات في سرية تامة والوفد الرسمي المفاوض كان لا يزال في واشنطن. وأسجل للتاريخ أن الدكتور يوجين قطران، وهو محام فلسطيني أصبح أول فلسطيني يتولى منصب القضاء في انكلترا، قد تطوع لمساعدتي (29) في هذه المهمة واستمر في عطائه الى أن انتهينا من اعداد المشروع..

30-انظر لقاءا مع عضو اللجنة التنفيذية الدكتور سمير غوشه نشرته القدس العربي في 9 ديسمبر 1993 بعنوان “أعده أنيس القاسم وسيتم عرضه على خبرتء: مشروع دستور فلسطيني يحدد مدة رئاسة الدولة بخمس سنوات ولا يجوز التجديد لأكثر من مرتين”. وانظر كذلك مقالنا في نفس الجريدة بتاريخ 29 ديسمبر 1993 بعنوان “ملاحظات عامة حول مشروع النظام الأساسي للسلطة الوطنية في المرحلة الانتقالية”

31-نتيجة للضغوط الفلسطينية والدولية اضطر الرئيس الفلسطيني عام 2003 للموافقة على تعيين رئيس للوزراء وتعديل القانون الأساسي للنص على هذا المنصب.

32- انظر جريدة القدس الصادرة في القدس بتاريخ 10/12/1994 “حقوقي فلسطيني يدعو لوضع نظام دستوري يمنح السلطة الوطنية الشرعية اللازمة” وجريدة النهار (الفلسطينية) 9/12/1994 “مؤتمر في نابلس بعنوان النتخابات – النظام السياسي الفلسطيني يتحدث فيه ممثلون لكل الاتجاهات”.

33- هذه الانتهاكات قد بدأت وللأسف مع تسلم السلطة. انظر مقالنا في جريدة القدس المقدسية بتاريخ 15/7/1994″ قوات الأمن والشرطة ليست فوق القانون”

34- كتب الاسرائيلي غي باخور في جريدة (ديعوت احرونوت) بتاريخ 30/5/2002 تعليقا بعنوان “الحلم الفلسطيني بالديموقراطية لم يكن بعيدا مثلما هو اليوم” وترجمته القدس العربي في عددها الصادرفي 31/5/2002 جاء فيه ما يلي:”لقد كان عرفات هو الذي قاتل بكل قوته ضد مشروع الدستور الذي صاغته مجموعة من القانونيين الفلسطينيين برئاسة أنيس القاسم، لدى قيام السلطة الفلسطينية- وهذاالدستور الذي خرج عن النموذج التقليدي للبيعة، ولم يمنح امتيازات زائدة للرئيس، لم يجر تبنيه أبدا، وفضل عرفات أن يقيم نظاما فلسطينيا مركزيا يقوم على أساس تفضيل المقربين (المحسوبية) والفساد الاداي وانعدام النجاعة. قبل مجيء عرفات كان الشعب الفلسطيني في المناطق قريبا من التحول الديموقراطي أكثر من أي شعب عربي آخر. تعدد الايديولوجيات والاحزاب واستخدام محكمة العدل الغليا ومنظمات حقوق الانسان، وبفضل المجتمع الاسرائيلي المجاور أيضا- كل هذه انتهت عندما أقام عرفات نظام البيعة خاصته في المناطق، حين استورد مفاهيم سياسية من الدول العربية وجعل من السلطة افلسطينية نظاما عربيا آخر.”

35-أما مشروع الدستور فقد جرت محاولة لإحيائه عام 2003، أي بعد اصدار القانون الأساسي. وقد واجهت هذه المحاولة معارضة فلسطينية أدت الى وقفها. انظر مقالنا “مشروع الدستور الفلسطيني: هل هذا وقته؟” المنشور في جريدة القدس العربي الصدرة في لندن بتاريخ 27 يناير 2003. وفي فبراير 2003 عرض المشروع على المجلس المركزي فقرر اعادته الى اللجنة الدستورية لإعادة النظر فيه.

36-نتيجة للضغوط التي مورست على رئيس السلطة الوطنية استحدث منصب رئيس للوزراء وجرى تعديل القانون الاساسي ليأخذ هذا الأمر في الاعتبار. وصادق عليه الرئيس وأصدره بتاريخ 18/3/2003. وكان مشروع القانون الاساسي قد فصل منذ البداية بين المنصبين لضمان المحاسبة والمساءلة أمام المجلس التشريعي، ولم يؤخذ بهذا الرأي.. وفي هذا البحث نتعرض للقانون الأساسي في صورته المعدلة تمشيا مع الواقع الجديد مع اشارات الى ما كان عليه الوضع قبل التعديل.

37- وقد حاولت السلطة الوطنية الفلسطينية وضع قانون للأحزاب السياسية عام 1995 على غرار قوانين الأحزاب في الأقطار العربية الأخرى فانتقدنا ذلك المشروع بالتفصيل في جريدة القدس العربي في العددين الصادرين في 4 و5 اكتوبر 1995 ونشر في جريدة القدس الصادرة في القدس يومي 7 و 8 اكتوبر 1995 “مشروع قانون الاحزاب السياسية الفلسطينية..ما له وما عليه”، خاصة وأن المشروع تَطَلَّبَ ترخيصات لانشاء الأحزاب، وعَرَّضَها للحل لأسباب غير منضبطة. وكان من رأينا ان الأحزاب السياسية يجب ألا تخضع لنظام الترخيص لأن “وجود الأحزاب السياسية يعبر عن الوسيلة المنظمة داخل المجتمع للمشاركة في الشئون العامة من جهة، ولتداول السلطة وفقا للارادة الشعبية من جهة أخرى”. وتوقفت اجراءات اصدار ذلك القانون.

38-وقبل اصدار القانون الأساسي اعترضنا على ابعاد المناضلين الذين كانوا محاصرين في كنيسة المهد. انظر مقالنا “ابعاد محاصري كنيسة المهد انتهاك القانون وحقوق المواطنين” جريدة القدس العربي 17 مايو 2002.

39-وقد اختبر هذا النص عمليا بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات، وطُبِّق تطبيقا سلميا بحيث لم تؤد وفاة الرئيس الى أي فراغ دستوري أو أزمة دستورية.

40-وكان القانون الاساسي قد أقر قبل انتهاء الفترة الانتقالية، غير أن الرئيس لم يصدره الا بعد انتهائها بسنوات، مما أثار جدلا دستوريا حول الموضوع.

41-لم يخدد القانون الاساسي مكافآت ومزايا أعضاء المجلس التشريعي، وأحال في ذلك للقانون. وقد صدر قانونان في هذا الشأن تميزا بالمغالاة ومخالفة القواعد التي تحكم العمل النيابي. أنظر مقالنا في هذا الشأن “افساد الحياة النيابية في الوطن العربي: التشريعي الفلسطيني مثالا” القدس العربي 4 يوليو 2005 .

42-وقد استشهد كثير منهم عندما وقفوا في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، رغم التفاوت الكبير في السلاح.

43-وللتاريخ، فان الذي يتحمل المسئولية عن هذه المخالفات كان النائب العام والتدخل المباشر من رئيس السلطة الوطنية في حينه.

44- وكنا اقترحنا أن ينص القانون الأاساسي على سيادة الدولة على ثرواتها الطبيعية، ويبدو أن المجلس التشريعي ، لأسبابه، لم يأخذ بهذا الاقتراح، مع أنه يتمشى مع اعلان صادر من الأمم المتحدة بشأن الثروات الطبيعية.

45- .وكنا نفضل عدم استعمال كلمة عربي في نص دستوري حيث أن الشعب الفلسطيني لا يتكون من عرب فقط، والأحكام تصدر باسم الشعب كله، ولذا كان يفضل أن يكون النص تصدر الأحكام باسم الشعب أو باسم الشعب الفلسطيني. ان الدساتير التي تخصص شعبها في أي نص من النصوص بصفة اثنية أو عرقية أو ما شابه ذلك من صفات تثير فرصة الاتهام بالعنصرية التي حظرتها المواثيق الدولية الخاصة بالتمييز العنصري، وفي دولنا العربية حيث توجد تاريخيا اثنيات وأعراق وديانات متعددة لا يجوز أن تتضمن الدساتير التي هي أسمى وثيقة قانونية نصوصا تثيرهذه الشبهة.

46-لقد أصيبت المحاكم االشرعية والدينية بالاهمال أيام الاستعمار الغربي للوطن العربي ونالت المحاكم النظامية الحظوة، وهذا التمييز ما مازال موجودا الى حد ما، وليس له ما يبرره. فهذه المحاكم تمارس اختصاصا قضائيا شأنها شأن المحاكم النظامية ويجب أن ينال قضاتها ومبانيها وادارتها وأجهزتها نفس الاهتمام.

47- اننا لا نرى أن تكون للرأي الاستشاري ، مهما كان مصدره، صفة الالزام على القضاء في تفسير الدساتير أو القوانين. فالرأي الاستشاري لا يخضع في العادة للتحليل والمجابهة التي تجري أثناء التقاضي، كما لا يخضع للمراجعة من عدة درجات كما هو الحال في التقاضي.

48- وفي رأينا أن عقوبة الاعدام هي من العقوبات التي يجب التحرز كثيرا قبل النص عليها أو الحكم بها نظرا لتعذر تدارك الخطأ بعد التنفيذ. ولهذا فنحن من مؤيدي الغاء هذه العقوبة.

حق العودة

حق العودة

الدكتور أنيس مصطفى القاسم

مقدمة

1 – إن حق الانسان في العودة الى بلده اذا غادره لأي سبب من الأسباب هو من الحقوق الطبيعية البديهية التي لم تكن في حاجة الى تقنين أو نصوص دستورية أو اتفاقيات دولية. هو حق مستمد من انتماء الانسان الى ذلك البلد دون غيره من أقطار الكرة الأرضية، هذا الانتماء الذي يعبر عنه بالاقامة المستقرة المعتادة فيه نتيجة للانتماء له، والمشاركة في ارثه التاريخي وتراثه عبر أجيال متعاقبة وفي صنع ذلك الارث والتاريخ، وهو حق تتوارثه الاجيال بطريقة تلقائية لا تتطلب اجراءات أو معاملات. الانتماء هذا هو العلاقة العميقة في كيان الانسان ووجدانه، التي تستقر ولا تنفصم، بين الانسان ووطنه. وهذا الانتماء والارتباط بالوطن أعمق من أن تنتقصه أو تؤثر في وجوده واستمراره ظروف طارئة قد لا يكون للانسان يد في حدوثها أو القدرة على منعها، كالاحتلال الاجنبي. كما لا يفصمها غياب اختياري كالانتقال لبلد أجنبي للعمل أو الدراسة. فالأصل يبقى: وهذا الأصل هو الحق في العودة بناء على ذلك الانتماء. وتفريعا على هذا فاننا نجد أن عددا من الدول لا تعترف باكتساب ابنائها لجنسيات أخرى. هي لا تعاقبه على ذلك وقد لا تحظره عليه، وانما تعتبر أن ارتباطه لا ينقطع، وأنه في اللحظة الاولى التي يعود فيها يعتبر مواطنا كامل المواطنة. كما أن دولا أخرى تجيز العودة للوطن لكل من يثبت أن أصوله كانت فيه ويرغب هو في العودة الى أصوله، مهما تباعدت هذه الأصول. أي أن الانتماء لا ينقطع ولا يسقط بمضي المدة. وهكذا نرى عودة المهاجرين الى وطن الآباء والأجداد، مهما تقادم العهد، اذا حنوا للعودة اليه، وزالت العقبات التي كانت تحول دون تحقيق هذه الرغبة، كالاحتلال الاجنبي. إن حق الانسان في العودة الى وطنه، حق ثابت له فيه، دون غيره من الاوطان، ولذلك فإن هذا الحق لاتقيده قيود، ويمارسه الانسان بصورة تلقائية، في حين أنه في حاجة الى موافقات وتأشيرات اذا اراد الدخول أو العودة الى أي قطر آخر أو الاقامة فيه. ان الانسان يستطيع العودة الى وطنه في أي وقت يشاء وتحت أي ظرف من الظروف.

2 – وبشكل خاص، فقد نشأت الحاجة لبحث هذا الحق وغيره من حقوق الانسان وحقوق الشعوب كذلك والتأكيد عليها نتيجة للحروب التي شهدها القرن العشرون وما نتج عنها من تهجير للسكان المدنيين قسرا أو فرارا من ويلاتها، ونتيجة كذلك لما عانته الشعوب من اضطهاد، وصل أحيانا الى درجة محاولات الابادة، وظهور نظم للحكم تبنت وطبقت نظريات عنصرية بغيضة أحدثت اختلالا خطيرا في السلم المجتمعي وفي أسس التعايش السلمي بين الفئات المختلفة داخل المجتمع الواحد وفي العلاقات الدولية، مما أدى الى تنكر عدواني لحقوق انسانية كان يعتقد بأنها طبيعية مستقرة لا تحتاج الى تأكيد. وفي مقابل هذا كانت يقظة الشعوب المستعمرة لحقوقها ونضالها لاسترداد هذه الحقوق، الأمر الذي هدد الأسس التي كان النظام الدولي قائما عليها وعمل على تقويضها واقامة نظام دولي جديد على أسس جديدة تحترم حقوق الانسان والمساواة بين الشعوب، وانهاء عصور السيطرة والاستعمار. فكانت القفزة الهائلة في ظهور منظمة الامم المتحدة تعبيرا عن موقف الشعوب من جميع هذه الحقوق. ولهذا فقد صدر ميثاق المنظمة الجديدة باسم الشعوب، لا الحكومات، وكان ذلك في 26 يونيو 1945 ودخل الميثاق حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945. ونصت ديباجته ، فيما نصت عليه، على أن شعوب الامم المتحدة قد عقدت العزم على اعادة التأكيد على ايمانها بالحقوق الاساسية للانسان، وجعلت من بين أهدافها اشاعة حقوق الانسان والتشجيع على احترامها بالنسبة للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين. وبدأت تتهاوى قلاع الاستعمار أمام حركات التحرير الوطني التي بدأت تسترد للشعوب حريتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها. ونتيجة لهذه التطورات تغير وجه الامم المتحدة تغيرا جذريا، وأصبحت السيطرة في جمعيتها العمومية لدول تحرص على الحفاظ على حقوق الانسان والشعوب في مواجهة نزعات التسلط والهيمنة، سواء كانت داخلية أو خارجية.

3 – وهذا التغير الذي طرأ على تكوين المجتمع الدولي أتاح الفرصة للجمعية العمومية للامم المتحدة، بعد أن أصبحت تمثل غالبية شعوب الكرة الارضية، أن تخرج الى الوجود العديد من الاعلانات والمواثيق الدولية والقرارت التي تُثَبِّتُ للانسان وللشعوب حقوقهما، بحيث أصبحت هذه الاعلانات والمواثيق والقرارات مرجعية يحتكم اليها. ويهمنا فيما نحن بصدده أن نشير الى عدد من القرارات والاعلانات والمواثيق التي تعرضت لحق العودة وحماية حقوق اللاجئين بشكل عام قبل أن ننتقل لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وذلك للتأكيد على عمومية هذا الحق، وأن تمسك الفلسطينيين بحق العودة ليس استثناء، وانما هو تمسك بحق مستقر للافراد وللشعوب، أكد عليه وثبته النظام القانوني الدولي المعاصر، فضلا عن كونه حقا طبيعيا لا مجال للمماحكة فيه. ومن الأمور المؤلمة حقا أن القضية الفلسطينية قد طرحت على الامم المتحدة قبل أن تستكمل التطور الذي أصاب عضويتها، ومع ذلك فان قرار تقسيم فلسطين بين ابنائها ومهاجرين استعماريين لم يفز الا بأغلبية صوت واحد في الجمعية العامة للامم المتحدة، ولم تستطع الدول الناشئة التي كانت تتمسك بما نص عليه الميثاق من حق الشعوب في تقرير مصيرها من الحصول على أغلبية لعرض الموضوع على محكمة العدل الدولية للحصول على رأي استشاري حول شرعية قرار التقسيم. ومع ذلك فقد حاولت الجمعية العامة أن تصحح هذا الظلم الفاحش والانتهاك الفاضح لميثاق الامم المتحدة عن طريق تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني مثل حقه في تقرير مصيره دون تدخل أجنبي وحقه في الاستقلال واقامة دولته على ترابه الوطني وحق العودة لابنائه الى وطنهم. ومن شأن تنفيذ هذه الحقوق ونقلها الى أرض الواقع تقويض قرار التقسيم من أساسه واعادة الأمور الى نصابها. ولا يقف أمام ذلك حتى اليوم سوى حق الفيتو الذي تمارسه الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن. ومع ذلك فإن الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في موضوع الجدار الفاصل الذي أقامته وتقيمه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة يتيح الفرصة للجمعية العامة لتنفيذ قراراتها بخصوص الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، ومن بينها حق العودة، اذا توفر التصميم على ذلك والمتابعة للموضوع دون هوادة، كما سنبين في هذا البحث.

تثبيت حق العودة في النظام القانوني الدولي الجديد

4 – سبق أن أشرنا الى أن حق عودة الانسان الى وطنه هو من بين الحقوق الطبيعية له التي يمارسها تلقائيا والتي لم تكن في حاجة الى تقنين أو نصوص دستورية. وهو حق ثابت قبل نشوء الدول المعاصرة، فكل انسان كان يعود الى مجتمعه الذي ينتمي اليه بسبب وجود أصوله الانسانية والمجتمعية والتاريخية فيه، واستئثارهذا المجتمع ببقعة معينة من الكرة الارضية، أصبحت معروفة بأنها بلاده ووطنه. وبعد أن انتظم المجتمع الدولي في منظمة عالمية واحدة لجميع شعوبه، جاءت القرارات والمواثيق الدولية الصادرة عن هذا المجتمع الدولي مؤكدة على حق العودة هذا ومثبتة له بالنسبة لكل شعب وكل وطن. فقننت حق الانسان في العودة الى بلاده، أي أنها أكدت الارتباط بين كل انسان ووطن محدد، دون أن تمنح أحدا حقا ثابتا في العودة الى بلاد هي ليست بلاده أو بلاد لا يعترف أهل تلك البلاد له بحق العودة اليها، كأن يكون قد لجأ اليها وقبلته هي لاجئا فيها. ومن المؤكد أن المستعمر، مهما طالت مدة اقامته أو سبب وجوده، لا يعتبر من أبناء البلد الذي يوجد فيه، حيث أن الاستعمار في حد ذاته، وما يترتب عليه من نتائج، مرفوض ولا ينشئ حقوقا.

5 – من بين القرارات والاعلانات والمواثيق الدولية التي أكدت على حق العودة ومنعت التلاعب به الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادرفي 10 ديسمبر 1948 ، واتفاقيات جنيف الاربعة التي تمت الموافقة عليها قي 12 أغسطس 1949 ، واتفاقية اللاجئين لعام 1951 ، والقرار بانشاء المفوضية العامة للاجئين لعام 1950 ، والاتفاقية الخاصة بعديمي الجنسية لعام 1954، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ، والاتفاقية الدولية لمعاقبة مرتكبي جريمة الابارثيد لعام 1973. جميع هذه الاعلانات والمواثيق تنص على عودة الانسان الى “بلاده” أو الى “البلد الذي كان يقيم فيه عادة”، وهو موقع جغرافي محدد ينتمي اليه الانسان. ثم هناك الاتفاقية الدولية بعدم تطبيق التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية لعام 1968. ومن بين الجرائم ضد الانسانية التي نصت عليها الاتفاقية الدولية لمعاقبة مرتكبي جريمة الابارثيد حرمان الانسان من العودة الى بلاده لأسباب عنصرية. هذه أمثلة فقط لم نتعمد فيها التقصي لما يدخل في هذا الباب، وهي وحدها تكفي للتدليل على ما ذهبنا اليه من أن حق العودة حق ثابت ومستقر ومعترف به ولا مجال لانكاره أو التهرب منه. وسنشير في هذا البحث الى بعض ما ورد في بعض هذه القرارات والمواثيق والاعلانات حسب الحاجة.

6 – ويهمنا في هذا المقام أن نؤكد على المادة الثانية من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وهي تنص على حكم عام ينسحب على جميع الحقوق التي أكد عليها ذلك الاعلان، ومن بينها حق الانسان في مغادرة بلده والعودة اليه، كما أن الاعلان هذا يعتبر المرجعية بالنسبة لحقوق الانسان عامة . تنص تلك المادة على ما يلي:

“لكل انسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الاعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر دون تفرقة بين الرجال والنساء.

وفضلا عما تقدم ، فلن يكون هناك تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو البقعة التي ينتمي اليها الفرد، سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود”.

وبموجب هذه المادة فان حق العودة، وهو حق من الحقوق التي أكد عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والقرارات والمواثيق الدولية، حق مطلق لا يجوز أن يعيقه أو يعطله أي اعتبار يقوم على التمييز، مهما كان سببه ونوعه، كما أنه لا يتأثر بالوضع القانوني لبلد العائد أو الأرض التي ينتمي اليها. حقه ثابت في العودة اليه، مهما كان وضعه، سواء كان محتلا أو مستقلا أو ناقص السيادة. حقه هذا لا علاقة بينه وبين الوضع القانوني أو الدولي لبلده أو أرض انتمائه . العنصر الثابت الذي لا يتغير هو الانتماء للارض، للوطن، أما العناصر الاخرى التي قد تطرأ على هذه الارض فهي متغيرة ومتقلبة. ولأن هذه هي طبيعة حق العودة فقد اتصف بأنه من الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف.

7 – ويترتب على هذه العلاقة بين الانسان وبلده أنه لا يجوز أن يطرد منه، لا في ظروف الحرب ولا في ظروف الاحتلال، وهذا ما حظرته الفقرة الاولى من المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي نصت على ما يلي:

” يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للاشخاص المحميين أو نفيهم من الاراضي المحتلة الى أراضي دولة الاحتلال أو الى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أيا كانت دواعيه”.

ونصت الفقرة الثانية من المادة ذاتها على ما يلي:

“ومع ذلك يجوز لدولة الاحتلال أن تقوم باخلاء كلي أو جزئي لمنطقة محتلة معينة، اذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية، ولا يجوز أن يترتب على عمليات الاخلاء نزوح الاشخاص المحميين الا في حدود الاراضي المحتلة، ما لم يتعذر ذلك من الناحية المادية. ويجب اعادة السكان المنقولين الى مواطنهم بمجرد توقف الاعمال العدائية في هذا القطاع”

ففي هذه الاحوال فان حق العودة يعتبر نصحيحا للوضع غير القانوني، الذي هو الطرد أو الاخلاء، بحيث لا تستمر المخالفة وما يرافقها من ضرر. هذا فضلا عن أن عملية النقل الجبري أو الابعاد أو عدم السماح بالعودة، تعتبر في حد ذاتها جريمة ضد الانسانية يعاقب عليها القانون الدولي الانساني.

وقد ذهبت اتفاقيات جنيف الاربعة الى أبعد من ذلك. ففي الوقت الذي أجازت فيه للدول الاطراف الانسحاب من الاتفاقية الا انها اعتبرت أن هذا الانسحاب لا يحدث أثره الا بعد أن يبرم السلام و”الا الى أن تنتهي العمليات المتعلقة بالافراج عن الاشخاص المحميين بالاتفاقية وعودتهم (الى بلدهم) واعادة توفير الاستقرار لهم ” . (المادة 63(3) من الاتفاقية الاولى، والمادة 62(3) الاتفاقية الثانية، والمادة 142(3) من الاتفاقية الثالثة والمادة 158(3) من الاتفاقية الرابعة).

8 – نخلص من هذا العرض السريع الى أن جميع المواثيق الدولية والقرارات ذات العلاقة تؤكد على حق العودة، عودة الانسان الى بلده. وهذا البلد قد يكون بلد جنسيته أيضا، ولكن لا يشترط أن يكون كذلك. وهذا التكرار المتعمد في جميع الاعلانات والمواثيق لعبارة “بلده” الذي يكون فيه مقر اقامته العادية قبل الخروج منه يؤكد الرابطة العضوية التلقائية بين الانسان ووطنه التي سبق أن أشرنا اليها. كما يؤكد أن هذا الحق لا يتأثر بالتغيرات التي قد تكون قد طرأت في الفترة التي يكون فيها المرء خارج وطنه. فقد يقع احتلال، وقد يقع تغير في النظام، وقد ينشأ كيان قانوني جديد، ولكن الحق في العودة يبقى ثابتا لأنه عودة الى البلد، الى الوطن، وهذا كيان يظل قائما. ومن باب أولى، فان هذا الحق لا يتأثر بأي تغير قد يطرأ على بيته أو قريته. هو يعود ليسترد ما يستطيع استرداده من حياته في وطنه، أو ليبدأ فيه من جديد، مع جبر الضرر الذي يكون قد أصابه.

النظام القانوني للاجئين الفلسطينيين

9- برز موضوع اللاجئين الفلسطينيين على المسرح الدولي مباشرة بعيد صدور قرار التقسيم، وهذا ما كشفت عنه دراسات حديثة لباحثين اسرائيليين أمثال (ايلان باب) في كتابه “التطهير العرقي لفلسطين”. هذه الدراسات التي جاءت مؤكدة لشهادات اللاجئين من أن الغالبية العظمى منهم لم يغادروا بيوتهم أو قراهم أو مدنهم مختارين. لقد صمدوا الى أن أخرجوا بالقوة والارهاب وبعد تدمير بيوتهم وقراهم وفق خطط موضوعة نفذتها بوحشية متناهية في القسوة عصابات الارهاب الصهيونية بتوجيه مباشر من دافيد بن غوريون وزمرة من أعوانه. وكانت التعليمات صريحة في هذا الأمر: دمروا القرى وأماكن السكن، اقتلوا من هم في السن العسكرية وهي ما بين العاشرة والاربعين وفق التعليمات، واطردوا الباقين. هذه الحقائق التي كشفت عنها دراسة الوثائق الاسرائيلية تنفي عن الفلسطينيين تهمة ظالمة وجهت اليهم، وهي أنهم غادروا وطنهم مختارين في انتظار أن تعيدهم الجيوش العربية الى مدنهم وقراهم. لقد ارتكبت اسرائيل جريمة التطهير العرقي والقتل المتعمد وتدمير القرى والبيوت لهدف مركزي من أهداف الحركة الصهيونية، كحركة استعمارية استيطانية، وهو افراغ فلسطين من أبنائها ومحو كل أثر لوجودهم فيها بحيث يبدو وكأن فلسطين لم يقم فيها طوال تاريخها الطويل الا اسرائيليون.

10 – وقد اهتمت الجمعية العامة للامم المتحدة بقضية اللاجئين كموضوع مستقل منذ بداية بروز هذه الظاهرة. وانصب اهتمامها بادئ ذي بدء على محاولة الوساطة لمعالجة القضية الفلسطينية من أساسها بعد الاضطرابات التي تلت اقرار مشروع التقسيم، ولما يكن قد حان موعد تنفيذه بعد، وكان الانتداب البريطاني ما زال ساريا، ولعلها أدركت الخطأ الفظيع الذي وقعت فيه. فعقدت الجمعية العامة دورة خاصة، بناء على طلب من مجلس الأمن، في الفترة ما بين 16 ابريل و14 مايو 1948، للنظر في الأمر، وقررت في 14 مايو، أي قبل اعلان اليهود لقيام دولتهم وقبل انتهاء الانتداب البريطاني، انشاء منصب وسيط لها واختارت له في العشرين من مايو 1948 الكاونت برنادوت الذي كان رئيسا للصليب الأحمر السويدي. واهتم الوسيط الدولي بشكل خاص بموضوع اللاجئين فأنشأ مشروع الامم المتحدة للاغاثة من الكارثة UN Disaster Relief Project في يوليو 1948 للتنسيق بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية التي كانت تقدم المساعدات الانسانية للاجئين. وهو المشروع الذي تولته فيما بعد لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين، ثم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وانه لمن المهم أن نتذكر هذه التواريخ التي يتضح منها أن مشكلة اللاجئين قد نشأت قبل قيام اسرائيل، وقبل دخول الجيوش العربية لفلسطين، وأن الامم المتحدة اهتمت بالموضوع وسعت لمعالجته منذ البداية. ومن المهم أن نتذكر أن مجلس الأمن قد أحال موضوع اللاجئين للجمعية العامة للنظر فيه، ولم يقم هو بمعالجته. وأهمية هذه التواريخ وهذه الاحالة تظهر عند معالجة تعريف من هو اللاجئ ومن هي الجهة المختصة في الامم المتحدة لمتابعة موضوع اللاجئين.

11– ولحل مشكلة اللاجئين حلا جذريا يتفق مع مبادئ القانون، فقد سعى الوسيط الدولي لدى النظام الاسرائيلي لاعادتهم الى بيوتهم التي أخرجوا منه، ولم تنجح جهوده في تحقيق ذلك. ازاء هذا الرفض، تقدم الوسيط الدولي في أغسطس 1948 بتقريره الاول عن مساعيه، ثم قدم تقريره الثاني في 16 سبتمبر 1948 . وفي هذا التقرير الثاني تعرض لمحاولاته الفاشلة لاقناع السلطات الاسرائيلية بالسماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم، وازاء هذا الفشل، حدد الوسيط ما يتوجب على الامم المتحدة من التأكيد عليه. فكانت التوصية التالية:

” إن حق اللاجئين العرب في العودة الى بيوتهم في الاراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية في أقرب وقت ممكن، يجب التأكيد عليه من قبل الامم المتحدة، كما أن عودتهم واعادة توطينهم وتأهيلهم اقتصاديا واجتماعيا، ودفع التعويض الملائم عن أموال أولئك الذين لا يرغبون في العودة، يجب أن يتم الاشراف عليه والمساعدة فيه من قبل لجنة التوفيق التابعة للامم المتحدة ” .

في اليوم التالي لتقديم هذا التقرير وفيه هذه التوصية، أي في 17 سبتمبر 1948، قامت عصابة شتيرن الصهيونية باغتيال الوسيط الدولي، الكاونت برنادوت، هذا الرجل ألذي انقذ حياة عشرات الالوف من اليهود من المحرقة النازية اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان رئيسا للصليب الاحمر الدولي.

12 – من المهم أن نلاحظ في هذه التوصية أن الوسيط الدولي قد طلب من الامم المتحدة أن تؤكد حق العودة، باعتبار أن هذا الحق ثابت ومستقر، لا يحتاج الى انشاء. ونلاحظ أن هذه التوصية جاءت سابقة للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر في 10 ديسمبر 1948 والذي أكد على حق الانسان قي العودة الى بلده، وهذا يؤكد أيضا أن هذا الحق ثابت ومستقر قبل تقنينه في المواثيق الدولية. ونلاحظ ثانية أن الوسيط الدولي يرى أن عودة اللاجئ هذه تكون الى بيته في الاراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية، وليس الى غيرها. وهذا تأكيد منه بأن اللاجئين ينتمون الى هذه المناطق، وإن أصبحت تحت السيطرة اليهودية، وأن هذه السيطرة لا تمس بهذا الحق. وهذا ينسجم تماما مع ما سبق أن اشرنا اليه في تعليقنا على المادة الثانية من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، من أن حق العودة لا يتأثر بالوضع السياسي أو القانوني الذي يطرأ على البلد الذي يتعلق به هذا الحق، كما ينسجم تماما مع تقنين هذا الحق وغيره من حقوق الشعوب في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والذي سبق أن أشرنا اليه، من أن هذه الحقوق لا تتأثر بالوضع الذي يكون عليه أو يصير اليه بلد العائد.

القرار رقم 194 (3)

13 – وانسجاما مع هذه التوصية واستجابة لها اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارها رقم 194 (3) بتاريخ 11 ديسمبر 1948. وجاء فيه فيما يتعلق باللاجئين :

“تقرر (الجمعية العامة) وجوب السماح بالعودة ، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب، وفقا لمبادئ القانون الدولي والانصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة.

وتصدر تعليماتها الى لجنة التوفيق بتسهيل عودة اللاجئين، وتوطينهم من جديد، واعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات، وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير اغاثة الامم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الامم المتحدة.”

14 – ويلاحظ بالنسبة لهذا القرار:

(أولا) أنه هو الآخر لم ينشئ حق العودة، وانما اعتبره حقا قائما وثابتا ولا يحتاج الا الى التنفيذ. ولذا فانه يقرر” وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن”. فالمسألة مسألة توقيت التنفيذ فقط، بدون أية مفاوضات بشأن أصل الحق قد تنتقص من مداه أو تعطل تنفيذه.

(ثانيا) لم يُعَرِّفْ القرار من هو اللاجئ بشكل مباشر، ولكن النص كان صريحا ومحددا في أن عودة اللاجئ تكون الى “دياره” أو بيته، معتبرا أن اللاجئ هو من يكون خارج دياره، فيكون له الحق في العودة اليها. وعلى هذا فقد يكون الفلسطيني خارج فلسطين أو داخلها، ويعتبر لاجئا، ما دام ليس في دياره.

(ثالثا) ميز القرار بين فئتين من اللاجئين : فئة “ترغب في العودة” وفئة “تختار الا تعود”. وممارسة حق العودة من عدمها خيار فردي.

(رابعا) تكون عودة اللاجئين الذين يرغبون في العودة “الى ديارهم”، وهذه الديار لها مواقعها الجغرافية المحددة في مدن أو قرى أو بوادٍ. وهذه المواقع قد تكون خاضعة للاحتلال أو لا تكون، في المناطق التي تخضع للسيطرة اليهودية، كما قال برنادوت في توصيته، وقد لا تكون، من الناحية النظرية. المهم هو العودة الى المكان نفسه.

(خامسا) اللاجئ العائد يجب أن يكون على استعداد لأن “يعيش في سلام مع جيرانه”. ويستشم من هذا النص أن العودة المقصودة بالقرار هي عودة الى الاراضي التي تخضع للسيطرة اليهودية، حسب توصية برنادوت. اذ لا معنى لهذا الشرط لوكانت العودة من لاجئ فلسطيني الى محيطه الفلسطيني. ولم يتعرض القرار بطبيعة الحال الى كيفية التأكد من تحقق هذا الشرط، اذ أن حقيقته لا تتضح الا بعد التنفيذ. ولهذا يكفي في بداية الأمر تعهد بذلك من فبل العائد. واذا أخل بذلك التعهد فيما بعد بأن أخل بالنظام العام فانه يكون من حق السلطات ذات العلاقة التعامل معه على هذا الاساس، فتحاسبه على اخلاله: قد تقضي بحبسه أو تغريمه، أو تقييد حريته في الحركة لمنعه من التعرض لجيرانه. انما لا يجوز طرده، لأن هذا الشرط ليس من شروط اقامة أي انسان في وطنه. كل بلد فيه مخلون بالنظام العام وبالأمن، وهم يعاقبون على ذلك، ولكنهم لا يطردون ليصبحوا لاجئين.

(سادسا) إن القرار لم يحدد مدة زمنية لممارسة هذا الحق، واكتفى بالقول بأن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن. وهذا ينسجم مع طبيعة هذا الحق، اذ لا يجوز تحديد مدة يجبر المرء على الالتزام بها والا فقد حقه الطبيعي والتلقائي في العودة الى دياره. ولهذا فانه حق لا يسقط بمضي المدة ولا يتقادم، وللاجئ ممارسته في أي وقت يريد فيه العودة.

ومن جانب آخر، فانه لا يحق لسلطات البلد أن تحدد للاجئ مدة زمنية عليه أن يعود خلالها والا سقط حقه. الحق له هو والالتزام بقبوله التزام من جانب سلطات بلده.

(سابعا) ويلاحظ أخيرا أن الجمعية العامة اتخذت اجراءا تنفيذيا بأن أصدرت تعليماتها الى لجنة التوفيق بتسهيل عودة اللاجئين وتوطينهم من جديد واعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات.

وبهذا فإن الجمعية العامة هي المرجعية الدولية المختصة بتنفيذ القرار الذي اتخذته. وهذه مسألة في غاية الاهمية، كما يتضح فيما بعد.

الحق في التعويض

15 – نص القرار على التعويض، وقامت لجنة التوفيق التي شكلتها الجمعية العمومية للامم المتحدة من كل من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، باعطاء التفسير التالي لهذا الحق. قالت اللجنة:

” وضعت الجمعية العامة مبدا حق اللاجئين في ممارسة خيارهم بحرية بين العودة الى ديارهم والتعويض عن الخسارة أو الضرر الذي لحق بممتلكاتهم من جهة وبين عدم العودة الى ديارهم مع تعويضهم تعويضا ملائما عن قيمة الممتلكات التي تركوها”.

هذا هو تفسير اللجنة، وهو تفسير سليم من ناحية استحقاق اللاجئين للتعويض، سواء منهم من اختار العودة أو لم يخترها. كل منهم له الحق في التعويض عن الضرر الذي لحق به. أما عناصر هذا التعويض لكل منهما فيقررها القانون ومبادئ الانصاف، كما جاء في قرار الجمعية العامة، لا لجنة التوفيق هذه. والتعويض في القانون لا يقتصر على خسارة أو ضرر مادي فقط يلحق بالممتلكات والأموال، وانما هناك الضرر الذي ترتب على حالة اللجوء في حد ذاتها والحرمان الطويل من ممارسة حق العودة والمعاناة التي ترتبت على ذلك. وهذه مسألة لم يحن الوقت بعد لعرضها بالتفصيل، ونكتفي بالاشارة اليها فقط هذه الاشارة المقتضبة.

خصائص حق العودة

16 – سبق أن ذكرنا أن حق العودة حق طبيعي تلقائي يتمتع به الانسان بحكم انتمائه لوطن معين. والحقوق الطبيعية التلقائية من هذا النوع هي ما أصبح يعرف بالحقوق غير القابلة للتصرف. وقد اهتمت الجمعية العامة للامم المتحدة بتحديد هذه الحقوق بالنسبة للشعب الفلسطيني وذلك في القرار الصادر منها في 22 نوفمبر 1974 برقم 3236.

والحقوق التي أشار اليها ذلك القرار هي:

“حق تقرير المصير وحق الاستقلال والسيادة وحق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم التي أخرجوا واقتلعوا منها”.

فحق العودة اذن من بين الحقوق غير القابلة للتصرف ويقف على نفس مستوى حق تقرير المصير. ويحاول البعض دمج حق العودة في حق تقرير المصير، غير أن الجمعية العامة تعاملت معهما كحقين، الواحد منهما مستقل عن الآخر. وهذا موقف سليم حيث أن حق العودة يدخل فيه عنصر شخصي مباشر يقرره الفرد لنفسه، ولكنه في تصرفه هذا لا يمس مصير الوطن، ولذا جاء حقه في التعويض عن الضرر الشخصي الذي لحق به. غير أنه بقراره في العودة من عدمها لا يقرر التخلي عن سيادة الشعب على الجزء من الوطن الذي هو محل اقامته المعتادة، اذ لا يملك أي فرد حق التخلي عن أي جزء من أرض الوطن. ولهذا فان حق العودة هو من بين الحقوق التي يتوازى فيها الحق الشخصي مع الحق العام دون أن يلغي أحدهما الآخر أو يندمج فيه بالضرورة. ثم إن الرابطة القائمة بين الانسان ووطنه هي علاقة متوارثة بين الاجيال ولا يملك جيل أن يفصم هذه العلاقة ويحرم الاجيال القادمة منها بتصرفه الشخصي. ولهذا فان التصرف الشخصي ينصرف الى شخصه فقط، فيعود أو لا يعود، ويتقاضى التعويض في الحالتين. واذا انقضى جيل دون ممارسة هذا الحق فان الحق يبقى قائما للاجيال التالية، حتى ولو مارس جيل حقه في تقرير المصير. إن حق العودة الشخصي يبقى قائما ولا يتأثر بالقرار الخاص بتقرير المصير، اذا كان قد اتخذ.

15 – والحقوق غير القابلة للتصرف لا تخضع بطبيعتها للاستفتاء بصفتها كحقوق. فهذه الحقوق لا يفصل فيها جيل بالاضرار بحق الاجيال القادمة. وقد عالجنا موضوع الاستفتاء، خاصة ما يستفتى وما لا يستفتى عليه، في مقالين نشرناهما في القدس العربي، ونحيل اليهما.

من هو اللاجئ

17 – لممارسة حق العودة لا بد من تعريف من هو صاحب هذا الحق. وقد أصبح هذا التعريف مهما بشكل خاص نظرا لتطوره على مدى السنوات الماضية على يد وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم، ونظرا كذلك لأن حالات اللجوء لم تتوقف. فهناك أولا حالتان من اللجوء الجماعي ، الاولى في عامي 1947-1948، والثانية في عام 1967، وهناك الحالة الثالثة الماثلة الآن أمام أعيننا، وهي حالة أبناء القدس الذين تدمر بيوتهم أو يتم الاستيلاء عليها قصرا من فبل المستوطنين ليصبحوا لاجئين. ثم هنالك من يتلقى العون من وكالة الغوث ومن لا يتلقاه، وهناك من هم في سجلاتها ومن هم غير ذلك أصلا أو شطبوا من السجلات. وهناك من كانوا خارج فلسطين في الاعوام المذكورة، وبالتالي فانهم لم يطردوا ولكنهم لا يستطيعون العودة. ثم لقد ظهرت أجيال خارج فلسطين في أماكن اللجوء ولم تطأ أقدامها أرض فلسطين. وفضلا عن هذا فقد حرصت اسرائيل منذ البداية على تدمير القرى والبيوت الفلسطينية، وغيرت الاسماء، وأقامت المستوطنات والمنتزهات والحدائق العامة فيها، أي أن اسرائيل تعمدت محو التاريخ الفلسطيني كله والوجود الفلسطيني كله في المواقع التي استولت عليها.

18 – يضاف الى هذا كله أن القرار رقم 242 الصادر من مجلس الأمن لم يتبن الصيغة التي اعتمدتها الجمعية العامة للامم المتحدة عندما أشار الى موضوع اللاجئين، حيث تحدث القرار المذكور عن “ضرورة ايجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين”. وجاء اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير واسرائيل ليشير فقط الى القرارين رقم 242 و338 كأساس للحل، ولم يشر الى قرار الجمعية العامة رقم 194 ، يضاف الى ذلك الشعار الذي تبنته الدول العربية للحل العادل والدائم وهو “الأرض مقابل السلام”. والارض تتمثل في العودة الى حدود عام 1967، وهذه الحدود لا تدخل فيها الديار التي يقضي القرار رقم 194 بالعودة اليها. وبان التآكل الذي بدأ يشق طريقه في تفسيرات لحق العودة ومن يملكونه، وهي تفسيرات تتعارض تماما مع هذا الحق. فهناك اتفاقيات أبرمها مسئولون فلسطينيون مع غير مسئولين اسرائيليين جرى فيها التنازل الكامل عن هذا الحق، وهناك اتفاقيات أخرى حصرت هذا الحق في العودة الى الضفة والقطاع، واستبعدت بالتالي حق العودة الى الى ما وراء الخط الأخضر. ثم جاءت تصريحات بأن تنفيذ هذا الحق يتم بالاتفاق ، بمعنى أن يكون لاسرائيل حق الفيتو على الحق في ذاته وعلى من يعود ومن لا يعود. وجاءت مبادرة الدول العربية فكانت في صيغتها الاولى خالية من الاشارة الى حق العودة، ثم عدلت في قمة بيروت باضافة هذا الحق. ومؤدى هذا كله أن المحاولات لم تتوقف للانتقاص من هذا الحق أو للتخلي عنه كلية. وهذا كله تستنتج منه اسرائيل ما تستنتجه من التمسك بهذا الحق أو التهاون به.

19 – لم يعرف القرار رقم ،194 كما ذكرنا، من هو اللاجئ. ولكن نص القرار ينبئ عن هذا التعريف ومن هم المقصودون به حينما طالب بالسماح لهم بالعودة الى ديارهم ، وأشار الى أن يكون العائدون على استعداد للعيش بسلام مع جيرانهم. وبالتالي فان هذا الحق يشمل كل من ليس في دياره ويرغب في العودة اليها، أينما كانت. وعندما قررت الجمعية العامة للامم المتحدة انشاء وكالة الغوث في 8 ديسمبر 1949 بالقرار رقم 302 (4)، لم تحدد من هو اللاجئ الذي يحق له الاستفادة من خدماتها، واكتفت بالتحديد الاقليمي لهم، أي أماكن تواجدهم، فتحدد هذا الاختصاص اقليميا في منطقة “الشرق الادنى”، ويتضح ذلك من الاسم الكامل للوكالة وهو “وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى”، كما يتضح من تحديد الدول التي تتعامل معها هذه الوكالة وهي “حكومات الشرق الادنى المعنية”. واستلمت الوكالة الفلسطينيين الذين كانوا يتلقون الغوث والمساعدة وفقا للبرامج المستعجلة التي سبق اقرارها، والجرد الذي قامت به بعثة المسح الاقتصادي التي عينتها الامم المتحدة وأشار اليها قرار تأسيس الوكالة. وعندما استلمت الوكالة عملها في أول مايو 1950 كان عدد من يتلقون المساعدة 957000، وأدى احصاء أجري عامي 1950 و1951 الى تخفيض هذا العدد الى 82000.

20 – وتحت ضغط الدول المانحة كانت الوكالة تعيد النظر في تعريف اللاجئ الذي يستحق المساعدة منها، الى أن انتهت عام 1993 الى التعريف التالي:

“لاجئ فلسطين هو ذلك الشخص الذي كان محل اقامته المعتاد في فلسطين في الفترة ما بين الأول من يونيو 1946 و15 مايو 1948 وفقد بيته ووسيلة عيشه معا نتيجة نزاع عام 1948″.

والاشارة في هذا التعريف الى الاقامة المعتادة في فلسطين ما بين الأول من يونيو 1946 و15 مايو 1948 هي اشارة الى فلسطين الانتداب البريطاني، ويدخل في ذلك فلسطينيو القدس والقرى المجزأة والمناطق منزوعة السلاح بمقتضى اتفاقيات الهدنة وضمتها اسرائيل لها فيما بعد. وخرج من هذا التعريف من لم تكن اقامته المعتادة في فلسطين في تلك الفترة وكان يتلقى المساعدة، وكان هؤلاء لبنانيين يعملون في فلسطين في تلك الفترة دون أن تكون اقامتهم المعتادة فيها. ومما تجب ملاحظته أن هذا التعريف قد وضع لتحديد من يستحق المساعدة من الوكالة، ولذا لايمكن اعتماده كتعريف مطلق للاجئ. فاللجوء لا علاقة له بفقدان وسيلة العيش، فقد يكون الفلسطيني خارج فلسطين في الفترة المحددة في هذا التعريف للعمل ولكنه، نتيجة لنزاع عام 1948، لا يستطيع العودة ولكنه يستمر في عمله.

21 – وكذلك فان هذا التعريف قد لا يشمل لاجئي عام 1967 بالرغم من قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 245 لسنة 1968 الذي طالب اسرائيل، انسجاما مع قرار مجلس الأمن رقم 237 الصادر في 14 يونيو 1967 والذي طالب اسرائيل “بأن تسهل عودة السكان الذين فروا من المناطق منذ بداية الاعمال الحربية”:

“بأن تتخذ خطوات فعالة وآنية ليعود دون تأخير السكان الذين فروا من المناطق [التي احتلتها اسرائيل] منذ بدء الأعمال الحربية”

هؤلاء يعتبرون لاجئين ولهم حق العودة، وفقا للقرار المذكور، بشرط أن يكونوا قد فروا من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. هذا الشرط الأخير، إذا طبق، فإنه يحرم الفلسطينيين الذين كانوا خارج الضفة والقطاع، وبالتالي فانهم “لم يفروا” من الاراضي المحتلة، من حق العودة، ولكنهم قد لا يدخلون في التعريف الذي تبنته الوكالة. كما يخرج عن اختصاص الوكالة اللاجئون الفلسطينيون الذين لجأوا الى اقطار خارج الشرق الادنى، وإن كانوا قد فقدوا بيوتهم. وفضلا عن هذا فإن تعليمات التسجيل في سجلات الوكالة بالنسبة للاولاد تقضي فقط بتسجيل أولاد الأب المسجل لدى الوكالة، وتستبعد الاولاد اذا لم يكن الأب مسجلا حتى ولوكانت الام مسجلة. فلو تزوج أب لاجئ غير مسجل فإن أولاده لايشملهم السجل، حتى ولو كانت الزوجة عند الزواج مسجلة. وكذلك فان دور الوكالة انحصر في الاغاثة والتشغيل، وبالتالي فان أولئك الذين كانوا أو أصبحوا فيما بعد في غنى عن الاغاثة أو التشغيل لا يدرجون في سجلاتها. واذن فانه لا يصح الاعتماد على سجلات الوكالة لتحديد من هم اللاجئون الذين يحق لهم ممارسة حق العودة، خاصة وأن الوكالة تراجع سجلاتها بشكل متواصل تحت ضغط الدول المانحة لانقاص عدد المستحقين للاغاثة أو التشغيل. واذن فإن المدرجين في سجلات الوكالة يعتبرون من أصحاب هذا الحق، ولكن دون أن ينحصر هذا الحق فيهم. هذه التعقيدات المتتالية في وضع الفلسطينيين يجب أن ترد تعريف اللاجئ الفلسطيني الى العنصر الاساسي للجوء، وهو عدم تمكن الانسان من العودة الى بلد الأصل بحرية في الوقت الذي يختاره.

22 – ولعله من المفيد أن نشير الى تعريف اللاجئ بشكل عام كما ورد في الاتفاقية العامة الخاصة باللاجئين لعام 1951، مع أن اللاجئين الفلسطينيين قد استثنوا من هذه الاتفاقية وبروتوكولها. وقد ورد هذا التعريف في المادة 1(أ) ، كما عدلت ببروتوكول 1967 الخاص بوضع اللاجئين، كما يلي:

“الفظة لاجئ تعني كل شخص يكون، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه الى فئة اجتماعية معينة بسبب آرائه السياسية، خارج البلاد التي يحمل جنسيتها ولا يستطيع أو لا يرغب في حماية ذلك البلد بسبب هذا الخوف، أو كل من لا جنسية له وهو خارج بلد اقامته السابقة ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف في العودة الى ذلك البلد”.

وهذا التعريف يشمل فئتين: الفئة الاولى هي أولئك الذين يكونون خارج بلد جنسيتهم ولا يرغبون في العودة اليه خوفا من الاضطهاد؛ والفئة الثانية هي أولئك الذين لا جنسية لهم ويكونون خارج بلد اقامتهم المعتادة، ولا يستطيعون العودة أو لا يرغبون فيها بسبب الخوف من الاضطهاد لأحد الاسباب الواردة في التعريف. وإذا كان الخوف من الاضطهاد يصنفهم كلاجئين، فمن باب أولى أن يكون منعهم من العودة، وهو غاية الاضطهاد. ونلاحظ أن هذا التعريف لا يتحدث عن فقدان البيت أو وسيلة العيش، وانما يكتفي بأن يكون المرء خارج بلد اقامته المعتاد، سواء كان من اتباع جنسية ذلك البلد أو كان لا جنسية له ولكنه كان له محل اقامة معتاد في البلد الذي يرغب في العودة اليه، غير أنه لا يستطيع ذلك. الاقامة المعتادة هي المحك الحقيقي. ومع أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 قد استثنت اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون المساعدة من وكالة الغوث، الا أن هذا التعريف لا يختلف في جوهره عن التوصيف للاجئين الفلسطينيين في القرار رقم 194، والذي طالب بالسماح لهم بالعودة الى ديارهم ، وديارهم هي محال اقامتهم المعتادة اينما كانت. كما يجب التأكيد على أن حق العودة بموجب هذا التعريف هو اما الى بلد الجنسية لمن يتمتع بجنسية البلد الذي يرغب في العودة اليه واما الى بلد الاقامة المعتادة اذا كان الشخص المعني قد أصبح لا جنسية له أو كان قد فقد جنسيته أثناء اقامته في بلد لايتمتع فيه بجنسيته. ومع أن قرار التقسيم رقم 181 قد نص على أن يتمتع كل من يقيم في أي من الدولتين بجنسية تلك الدولة، الا أن قانون الجنسية الاسرائيلي لم يمنح الجنسية للفلسطينيين المقيمين في المنطقة المخصصة لاسرائيل في القرار، وبذا فقد أصبحوا من المنظور الاسرائيلي على الأقل لا جنسية لهم. الا أن بلد اقامتهم المعتادة لم يتغير وكذلك موقع ديارهم التي يجب أن يسمح لهم بالعودة اليها.

23 – في ضوء ما تقدم فان تعريف اللاجئ الفلسطيني الذي له حق العودة هو الذي تنطبق عليه المواصفات الواردة في القرار رقم 194، مع مراعاة التواريخ والظروف التي طرأت حالة اللجوء فيها، حيث أنه لا علاقة له بالمكان الذي يوجد فيه اللاجئ عند حصول حالة اللجوء، كما هو الحال في قرار انشاء وكالة الغوث، ولكنه يحدد المكان الذي له حق العودة اليه. الشرط الوحيد هو أن يكون خارج محل اقامته المعتاد وأن البلد الذي يرغب أو لا يرغب في العودة اليه هو البلد الذي كان فيه محل اقامته المعتاد. وهذا ينسجم مع التعريف العام للاجئ كما ورد في الاتفاقية الخاصة باللاجئين لعام 1951.

حماية حق العودة

24 – سبق أن أشرنا الى مناورات أو محاولات للمساس بهذا الحق. ولذا يتعين التركيز على وسائل حمايته من جهة وفرض احترامه وتنفيذه من جهة أخرى. وأول ما يجب ملاحظته أنه ليس من اختصاص وكالة الغوث توفير الحماية للاجئين أو تمكينهم من ممارسة حق العودة. ذلك أن اختصاص الوكالة قد حدده قرار انشائها من حيث المكان ومن حيث النشاط الميداني الذي تختص به. فبالنسبة للمكان فان نشاطها كما قلنا محصور في منطقة الشرق الادنى، أي فلسطين ولبنان وسوريا والاردن ومصر. أما الاختصاص الميداني فقد تحدد في أمرين اثنين:

(الاول) القيام ببرامج اغاثة وتشغيل بشكل مباشر وفقا لما توصي به بعثة المسح الاقتصادي،(وهي بعثة أنشأتها الجمعية العامة وقامت بمسح سكاني واقتصادي للاجئين لتحديد احتياجاتهم) ،وذلك بالتعاون مع الحكومات المحلية.

(الثاني) التشاور مع حكومات الشرق الادنى المعنية حول الاجراءات التي يجري اتخاذها من جانب هذه الحكومات استعدادا للوقت الذي تصبح فيه المساعدة الدولية لمشروعات الاغاثة والتشغيل غير متوفرة.

فالوكالة هي وكالة غوث وتشغيل، أي المساعدة في تسيير أمور الحياة اليومية، ولا يدخل في اختصاصها حماية حقوق اللاجئين. هي وكالة مساعدة لا وكالة حماية. وقد حاولت الوكالة توسيع اختصاصها لتوفير الحماية للاجئين أثناء الانتفاضة الاولى، نظرا لتمادي اسرائيل في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة وفشل المحاولات الدولية في ارغامها على الالتزام بها. فبدأت الوكالة تتدخل، عن طريق مكتبها القانوني، لمحاولة مواجهة هذه الانتهاكات، كما أصبحت تقدم التقارير بشأنها وتتحدث لوسائل الاعلام، الأمر الذي أزعج اسرائيل. وفي نهاية المطاف اضطرت الوكالة للتخلي عن هذا الدور الذي لم يكن أصلا من اختصاصها، وكان ذلك في ابريل 1996، أي بعد قيام السلطة الفلسطينية بناء على اعلان المبادئ. وأصبح من واجب هذه السلطة العمل على توفير الحماية المطلوبة. وهذا ما لم تنجح فيه. وأوضح مثال على ذلك هو عدم تنفيذ قراري مجلس الأمن والجمعية العامة بخصوص عودة لاجئي 1967، مع أن اعلان المبادئ قد تعرض لهؤلاء. ولسبب ما فانه ترك أمر مصيرهم للجنة رباعية تتكون من السلطة الفلسطينية ومصر والاردن واسرائيل. الا أن هذه اللجنة قد جرى التغافل عنها، ولم تتحقق عودة هؤلاء الى أماكن سكناهم أو لجوئهم الأول حتى اليوم، مع أنها في الضفة الغربية.

25 – الجهة الدولية التي تملك اختصاص حماية حقوق اللاجئين بوجه عام هي المفوض السامي للاجئين التابع للامم المتحدة، وفقا للتفويض الصادر له من الجمعية العامة للامم المتحدة لعام 1950 وبموجب الاتفاقية الخاصة باللاجئين لعام 1951 ، كما عدلت ببروتوكول عام 1967 ، وكذلك الاتفاقية الدولية الخاصة بالاشخاص عديمي الجنسية لعام 1954. غير أن اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون الاغاثة أو المساعدة من وكالة الغوث، وهم معظم اللاجئين الفلسطينيين، قد جرى اسثناؤهم من جميع هذه الاتفاقيات ومن القرار الخاص بالمفوض السامي للاجئين. وكمثال على هذا الاستثناء نقتبس نص المادة 1 (د) من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ، وهو كما يلي:

” لا تسري هذه الاتفاقية على الاشخاص الذين يتلقون حاليا الحماية أو المساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للامم المتحدة غير مفوض الامم المتحدة السامي لشئون اللاجئين.

اذا ما توقفت لأي سبب مثل هذه الحماية أو المساعدة دون أن يكون وضع هؤلاء الاشخاص قد سوي نهائيا وفقا لقرارات لامم المتحدة المتعلقة بالموضوع فانهم يستفيدون حتما من أحكام هذه الاتفاقية “.

وجاءت المادة 7 من النظام الاساسي لمفوض الامم المتحدة السامي للاجئين لتنص على ما يلي:

“لا تشمل ولاية المفوض السامي أي شخص …..(ج) يواصل التمتع بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات أخرى تابعة للامم التحدة”.

ونظرا لأن اللاجئين الفلسطينيين في منطقة الشرق الادنى يتلقون مساعدة من وكالة الغوث، وهي وكالة تابعة للامم المتحدة، فقد أخرجوا من نطاق اختصاص المفوض السامي للاجئين. لقد ورد الاستثناء هذا في هذه الاتفاقيات والقرارات بشكل عام دون الاشارة للاجئين الفلسطينيين. غير أنهم هم المقصودون به، حيث أن الدول العربية هي التي طالبت به وتمسكت بالنص عليه. الا أنه يجب أن نلاحظ أنه استثناء قاصر فقط على من يتلقون اغاثة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في منطقة الشرق الادنى. أما الذين لم يتلقوا أصلا اغاثة أو تشغيلا أو توقفوا عن تلقيهما أو كانوا خارج المنطقة الاقليمية لنشاط وكالة الغوث، فان الاستثناء قد لا يطبق عليهم. وهذا أمر قد تكون له أهميته بالنسبة للاجئين الفلسطينيين الذين يتواجدون خارج منطقة الشرق الادنى، في اوروبا أو امريكا أو ايسلندا أو غابات الامازون. – وقيل أن السبب وراء هذا الاستثناء أن الدول العربية حيث يقيم معظم اللاجئين الفلسطينيين هي التي ستتكفل بتوفير الحماية لهم والمطالبة بحقوقهم. وقيل أيضا أن الدول العربية أرادت الانتقام من الدول التي وافقت على قرار التقسيم الجائر الذي أدى الى ظهور المشكلة أصلا، فهذه الدول هي التي تكفلت بتمويل وكالة الغوث ولم ترد الدول العربية تخفيف العبء عليها أو معاملتها على قدم المساواة مع الدول التي عارضت قرار التقسيم، وبالتالي فان الدول العربية لم ترغب في نقل الاختصاص الى المفوض السامي للاجئين حيث أن المفوضية العامة للاجئين تمولها الامم المتحدة، وليس دول مانحة. غير أن نص الاستثناء لم يكن صريحا في الاشارة الى اللاجئين الفلسطينيين، وانما هذا هو الذي يفهم منه.

26 – نخلص من هذا الى أنه لا توجد جهة دولية متخصصة أو اتفاقية دولية خاصة باللاجئين يدخل في ضمن اختصاصها حماية حقوق معظم اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي حماية حق العودة، والالتزام به وتنفيذه، هذا مع مراعاة ما ذكرناه سابقا من أن المفوض السامي للاجئين قد يكون مختصا بالعمل على اعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يتلقون مساعدة من وكالة الغوث.

الجهات المختصة

27 – عندما نستبعد الجهات الدولية المختصة بشئون اللاجئين، لا يبقى لحماية حق العودة والعمل على الالزام أو الالتزام به وتنفيذه سوى الجهات التالية:

(أولا) اسرئيل

(ثانيا) الدول العربية

(ثالثا) منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية

(رابعا) الجمعية العامة للامم المتحدة

(خامسا) الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة.

(سادسا) اللاجئون أنفسهم.

(أولا) – اسرائيل:

28 – إن موقف اسرائيل من حق العودة واضح ومحدد، وهو الرفض. وأقصى ما استعدت للقبول به هو اعادة رمزية لعدد غير محدد على قاعدة لم الشمل، وليس العودة. اسرائيل متمسكة بهذا الموقف لدرجة أنها ترفض أن تسمح بعودة لاجئيي الداخل الى بيوتهم وقراهم ومدنهم، لئلا تصبح هذه سابقة يعتمد عليها بالنسبة لغيرهم. ولم تفلح أحكام محكمة العدل العليا الاسرائيلية التي صدر بعضها مؤيدا لحق هؤلاء في العودة الى قراهم في تغيير موقف الحكومة الاسرائيلية. وتجد اسرائيل في بعض المواقف الفلسطينية والعربية ما يجعلها تزداد امعانا في التمسك بالرفض. وقد أشرنا فيما سبق الى عدد من التنازلات والمساومات على هذا الحق. هذه المواقف الفلسطينية والعربية تولد لدى اسرائيل انطباعا له ما يبرره من أن المسئولين الفلسطينيين والعرب ليسوا جادين في المطالبة بحق العودة، فتزداد تمسكا بموقف الرفض من جانبها.

29 – قد يقال إن الفلسطينيين قد رفضوا قرار التقسيم، وبالتالي لا يحق لهم التمسك بحق العودة. هذه مغالطة لا محل لها. فرفض قرار التقسيم هو رفض للاعتداء على حق تقرير المصير، وهو حق من الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف بالنسبة لكل شعب من شعوب الأرض، ولكنه ليس رفضا للحق في البقاء في أرض الوطن أو في العودة اليه أو تنازلا عن ذلك الحق. الوطن قد يقع تحت الاحتلال، ورفض الاحتلال ومقاومته والصمود في وجهه هي الأدلة القاطعة على التمسك بالوطن وبكل الحقوق المرتبطة به. ولم يشهد التاريخ حتى اليوم شعبا تمسك بوطنه وناضل من أجله على مدى قرن كامل واحتمل في سبيل ذلك من العنت والمعاناة وقدم من التضحيات مثل الشعب الفلسطيني القليل في عدده في مواجهة قوى دولية لم يواجه مثيلا لها أي شعب آخر. ثم إن قرار الجمعية العامة للامم المتحدة بتأكيد حق العودة جاء لاحقا لقرار التقسيم، وترتب على أوضاع نشأت بعد هذا القرار،وبالمخالفة لأحكامه. فقرار التقسيم اعتبر الفلسطينيين، مهما كانت عروقهم أو ديانتهم، مواطنين في الدولة التي يقيمون فيها من بين دولتي التقسيم، أي أنه لم يقر لهم حق البقاء فقط حيث هم، وانما أعطاهم أيضا حقوقا مدنية وسياسية تترتب على المواطنة. ولذا فان رفض قرار التقسيم لا يترتب عليه رفض القرار الخاص بالعودة.

(ثانيا) – الدول العربية

30– لا مفر من القول بأن بعض الانظمة العربية قد أصابها اليأس من امكانية مواجهة المشروع الصهيوني مواجهة منتجة، ولذا لا مفر، في نظر هذه الانظمة، من قبوله أو التعايش معه. وقد تسرب هذا اليأس للعمل العربي المشترك. وليس أدل على ذلك من استسلام النظام العربي استسلاما كاملا أمام الحصار الاسرائيلي القاتل لفلسطينيي قطاع غزة الباسل. الانظمة ترى الأطفال يموتون من قلة الدواء والعلاج، وترى المواطنين يلجأون في القرن الواحد والعشرين لجمع الحطب وما يمكن حرقه لايقاد نار يطبخون عليها، هذا اذا وجد ما يمكن طبخه، ولا تتحرك. وأضيف حصار عربي الى الحصار الاسرائيلي، والهدف من وراء ذلك كله ارغام الفلسطينيين لقبول الشروط الاسرائيلية وكسر ارادتهم في مقاومة الاحتلال. لا فرق في هذا بين نظام طبع ونظام لم يطبع. إن التخاذل عن نصرة الأهل في القطاع ادانة عبر التاريخ للنظام العربي المعاصر وحكامه، هذا النظام الذي لم يتخذ اجراء واحدا ضد الممارسات الاسرائيلية لاشعار اسرائيل بعدم الرضا عما يحصل. والمريب في الأمر كله أن الانظمة هذه ليست عاجزة عن اتخاذ اجراءات. انها قادرة على ذلك، لو أرادت، ولكن ارادتها أصبحت محتلة في الوقت الذي تناضل ارادة الشعب الفلسطيني في القطاع، وسبعون في المائة منه لاجئون، ضد القوة العاتية للاحتلال متمسكة بحقها في الحرية وعدم الاستسلام. عار ما بعده عار أن تبقى الحدود العربية مغلقة ترفض حتى السماح بوصول للتبرعات بالوصول الى القطاع. والدرس الذي تعلمته اسرائيل هو أنها تستطيع أن تفعل بالفلسطينيين كما تشاء، اليوم في القطاع وغدا في الضفة، وهي واثقة مطمئنة أن النظام العربي ليس مهيأ فقط لاستقبال نجاحها في مسعاها في فلسطين، بل انه مهيأ أيضا لهيمنتها على مصيره ومقدرات شعوبه وفرض الوصاية عليه. وليس معنى هذا بالضرورة أن يكون هناك احتلال عسكري، فاحتلال الارادة يكفي في الكثير من الأحيان. ونكرر القول بأن ارادة الانظمة العربية قد أصبحت محتلة، وها هي قد أصبحت ترحب بمظلة نووبة اسرائيلية تحميها في مواجهة ما تدعيه من خطر ايراني. يا لهوان هذه الانظمة وهوان الأمة التي تسكت عليها. لقد اختارت الانظمة السلام خيارا اسمته استراتيجيا، واذا بالخيار الاستراتيجي الحقيقي هو التمترس بصمت وعجز كاملين، وعويل مصطنع بأن يتدخل المجتمع الدولي لكبح جماح “الغطرسة” الاسرائيلية. ولماذا يستجيب المجتمع الدولي وهذه الانظمة ذاتها هي التي أصرت على استثناء اللاجئين الفلسطينيين من الحماية التي توفرها الهيئات الدولية المتخصصة بالحماية والتي أثبتت قدرتها على مواجهة الظلم الذي يحل باللاجئين؟ ليتها لم تفعل ذلك وتركت الفلطينيين يتعاملون مع هذه الهيئات. اذ من المؤكد أن النتيجة كانت ستكون أفضل. وانني لأذكر بأسى ما قاله لي مسئول العمليات في المفوضية السامية للاجئين عندما لمت المفوضية، في أحد المؤتمرات عن اللاجئين، على عدم اهتمامها باللاجئين الفلسطينيين. أخذني جانبا وقال لي بألم مكبوت في نفسه “ولماذا تلومنا؟ الانظمة العربية هي التي أبعدتنا. اسألها”. كان متألما لوضع اللاجئين الفلسطينيين، وكان صادقا، وكنت في حينها غير مطلع على تفاصيل ما حدث في هذا الشأن، وأظن أنها من بين المؤامرات الغربية على الشعب الفلسطيني. هل تستطيع الانظمة العربية أن تفعل شيئا؟

31 – لقد تقدمت الدول العربية بمبادرة أجمعت عليها، تضمنت حق العودة في صيغتها النهائية. غير أن هذه المبادرة جاءت خالية من أية مخالب أو انياب تضمن لها قدرا من امكانية النجاح، أو على الأقل الاهتمام بها بقدر من الجدية. قالت المبادرة التطبيع الكامل في مقابل الانسحاب الكامل. ولم ينجح هذا الطعم لسبب لا يخفى على أطفال الحجارة. فالانظمة التي طبعت واصلت التطبيع بل وعمقته، والعديد من الانظمة العربية التي لم تطبع رسميا كانت قد طبعت واقعيا، تحت صور مختلفة، بحجة أن التطبيع هذا يشجع اسرائيل على الاستجابة للمطالب العربية ويطمئنها على مستقبلها. ونتيجة لهذه المواقف فإنه لا جدوى جديدة تعود على اسرائيل من قبول هذه المبادرة ولا خطر عليها من رفضها. ازاء ذلك كانت الاستجابة الاسرائيلية متوقعة، وهي مواصلة تنفيذ مخططها الصهيوني، وهي مطمئنة الى أن الخيار العربي الاستراتيجي هو السلام، وهو خيار جاء أيضا خاليا من أية مخالب تضمن الاستجابة له، وصار يعني عمليا عدم التعرض للمخطط الصهيوني بما يوقفه أو يؤثر عليه. كان الاقتراب من القدس أو المسجد الاقصى في وقت من الأوقات من المحرمات. وهاهي اسرائيل تهود القدس وتزحف على المسجد الاقصى خطوة خطوة والانظمة العربية ما زالت متمسكة بهذا الخيار الاستراتيجي وبهذه المبادرة التي لا تحمل استراتيجية مواجهة من أي نوع في حالة رفضها، ولا سقفا زمنيا محددا يشعر منه العدو بأن تحركا من نوع آخر سوف يبدأ في حالة عدم الاستجابة خلال هذه الفترة الزمنية المحددة.

32 – ومع أن العديد من الدول العربية قد أصبح لديها خبرة ما يزيد على نصف قرن من ادارة شئونها، ويفترض فيها أن تكون قد تعلمت أن تواجه المشاكل والأزمات بتخطيط سليم، الا أنه من الواضح أنه لا يوجد لديها أية استراتيجية لحماية الحقوق العربية، ناهيك عن استردادها عندما تغتصب. العمل العربي المشترك، عندما يوجد، يسير مع أضعف الحلقات، فيجر الضعيف أو المتردد القطار الى الخلف بدلا من أن يجره الأقوى الى الأمام. كما أن الخلافات تدب لأتفه الاسباب، وفي معظم الحالات تكون هي الأمزجة التي تتحكم. الجامعة العربية وجدت قبل الاتحاد الاوروبي، ولكن الاتحاد الاوروبي وصل الى ما وصل اليه، ونحن في حالة أسوأ مما كنا عليه قبل قيام الجامعة. الاتحاد الاوروبي بنى قوته الاقتصادية والوحدة بين شعوبه المختلفة لغة ودينا وتراثا بدعم الاقوياء والاغنياء للضعفاء والفقراء نسبيا لكي يرتفع مستوى القوة لديهم، قيرتفع هذا المستوى لدى الاتحاد بأكمله. ونحن يمن الغني غلى الفقير ويبدد الثروة أو يخزنها لدى أمريكا وغيرها من الدول الاجنبية لتزداد هي قوة في حين لا يجني هو من وراء ذلك لا قوة ولا تقدما ولا بناء. الثروة التي أنعم الله بها على هذا الوطن لا يستثمر منها في داخله لبنائه الا أقل القليل، بحيث بقينا عالة على الغير حتى في رغيف الخبز. البلايين التي تنفق على شراء الاسلحة تدعم صناعة الاسلحة في البلدان المصدرة دون أن يعود علينا فائدة من ذلك، في حين لو صرفت هذه الأموال على بناء صناعة حربية عربية لتوفر الاكتفاء الذاتي ولأصبحنا نتحكم نحن في مصيرنا بدلا من أن ننتظر قطع الغيار والصيانة من الغير الذي يتحكم في مقدراتنا بتحكمه فيما يبيعه لنا. إن الطائرات العسكرية الحديثة التي نسارع لشرائها لا نستطيع أن نرتفع بها في الأجواء الا اذا ضغط على الزر عامل يقيم مئات الاميال بعيدا عنا، ويستطيع بالتكنولوجيا الحديثة التي يتحكم بها أن يسقطها قبل أن تطلق طلقة واحدة. الاسرار كلها في يديه، ولا نعرف منها سرا واحدا. وكذلك الحال بالنسبة للصواريخ الحديثة التي تدفع الالاف ثمنا لكل واحد منها. والغريب حقا أن الانظمة العربية عاجزة حتى عن توفير الحد الادنى من الثقة فيما بينها، بحيث يصبح الالتزام التزاما والعمل المشترك ممكنا. ولا يغير من هذا الواقع العجيب أن يحصل الاتفاق على اعلى مستوى بين أصحاب الجلالة والفخامة والقيادة والامارة. وملخص هذا كله أن الأنظمة العربية لم تنضج بعد، ويبدو أن نضجها أعسر من عسير الولادة.

33 – ذكر لي سفير أمريكي سابق تولى السفارة في عدد من العواصم العربية أنه لا يذكر الا نادرا أن أثار زعيم عربي مع رئيس أمريكي القضية الفلسطينية. وقال هذا السفير إن الزعماء العرب يحجمون عن ذلك بحجة أنهم لا يريدون احراج الرئيس الامريكي. وتساءل متى ستدركون أن التعاون بين الدول يجب أن يحكمه تبادل المصالح الحقيقية وأن الاسلوب الغربي هو الضغط بكل الوسائل للحصول على ما يريد. المجاملات لا تؤثر فيه، ولا الاعتماد على النوايا المفترضة. هو يعرف أن لكل شيء ثمنه، وأنتم لا تطلبون ثمنا لما تقدمونه. وما دمتم لا تطلبون، فانه لن يتبرع بدفع أي ثمن سوى كلمات المجاملة والاستقبال على أعلى مستوى، وهو استقبال لا قيمة له في نظرهم، ويكون قد حقق أهدافه بالحصول على ما يريد. واذا استعرضنا نتائج العلاقات “الحميمة” أو “الاستراتيجية” التي يتفاخر بها قادة عرب فاننا لا نرى لها أثرا في الواقع المعاش سوى تحقيق مصالح الغير على حساب مصالحنا. ما الذي حققته الانظمة العربية المتحالفة مع أمريكا أو مع الغرب عامة من مصالح وفوائد لشعوبها في استرداد حقوقها في مقابل ما قدمته وتقدمه من خدمات استجابة للمصالح الامريكية أو الغربية؟ إن كشف الحساب واضح ويعاني الوطن العربي من آثاره ضياع حقوقه وفرض العقوبات عليه دون أدنى مراعاة للخدمات التي تقدمها الانظمة.

34 – نخلص من هذا الى أن غياب استراتيجية عربية ايجابية لضمان الحقوق العربية واستردادها اذا ضاعت، ومن بينها حق العودة، من شأنه أن يجرد هذا الحق، وغيره من الحقوق، من الوسائل التي يجب أن تتوفر لها من أجل تحقيقها. الأنظمة العربية مشغولة وللاسف في تدمير نفسها وتدمير بعضها من الداخل، ولا منقذ لها الا التركيز على اعادة اكتشاف ما لديها من ارادة فاعلة وقوة ذاتية توجههما في حركة متصاعدة ترهب العدو وتجعله يتوقف أولا عن التمادي في انتهاك الحقوق العربية، وتحمله ثانيا على الاستجابة للمطالب العربية.

35 – الانظمة العربية تؤيد حق العودة، أو هذا على الأقل ما ورد في مبادرتها، فما هي الاستراتيجية التي أجمعت عليها لضمان هذا الحق ولفرض احترامه على الغير وعلى اسرائيل؟ المطلوب منها، اذا كانت جادة، أن تبحث هذه الاستراتيجية وتقرها وتبدا في تنفيذها خطوة خطوة الى أن يتحقق الهدف. ولا مفر من تذكير هذه الانظمة مرة أخرى بأنها هي التي اخرجت اللاجئين الفلسطينيين من الحماية التي يوفرها المفوض السامي للاجئين، وبالتالي فان عليها أن تنهض بمسئوليتها تجاههم والعمل بجدية لتأمين تنفيذ حق العودة لهم.

(ثالثا) – منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية

36 – إن التخبط الذي وقعت فيه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في معالجة حق العودة يدل بوضوح على غياب استراتيجية مستقرة لضمان احترام هذا الحق، ناهيك عن تنفيذه. ومنذ قيام السلطة الفلسطينية وهي لا تقل تخبطا. وهذا التخبط مؤشر لاسرائيل بأن المنظمة والسلطة مستعدتان للتعامل مع الموضوع على أنه محل مساومة، وليس حقا على اسرائيل أن تلتزم به. وعلى الصعيد الفلسطيني العام، فان اللجنة التنفيذية للمنظمة قد احتجت على المؤتمرات التي عقدها فلسطينيو الشتات لبحث حقوقهم، ومن بينها حق العودة، بل واحتجت على عقد الملتقى العربي والدولي لحق العودة في دمشق يومي 23 و 24 نوفمبر 2008 في حين أن الدعوة اليه جاءت من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والفصائل الفلسطينية والاتحادات العربية ومن بينها اتحاد المحامين العرب واتحاد الاطباء العرب واتحاد الصيادلة العرب ، واعتبرت اللجنة هذه التحركات الشعبية على أنها اعتداء على اختصاصات منظمة التحرير، بدلا من أن تعتبرها تحركا شعبيا من أصحاب الحق لضمان حقهم ودعما للموقف السليم الذي يجب أن تسير عليه اللجنة التنفيذية. إن الميثاق الوطني الفلسطيني ينص على أن القضية الفلسطينية هي قضية فلسطينية وقضية عربية وقضية اسلامية وقضية أحرار العالم. وبالتالي فان من حق هؤلاء جميعا بحث جميع جوانب القضية وابداء الرأي في التطورات. كما أن الميثاق ينص على أن ابناء الشعب الفلسطيني هم أعضاء طبيعيون في المنظمة. وبهذه الصفة يكون من حقهم، بل من واجبهم، بحث جميع جواتنب القضية ومحاسبة المسئولين خاصة وأن المجلس الوطني الذي يمثلهم بات مغيبا، وبالتالي فان المحاسبة والمساءلة والتطوير وتجديد الدماء في أجهزة المنظمة، وفي مقدمتها اللجنة التنفيذية، قد تعطلت على مدى عقدين من الزمن. وفلسطينيو الشتات معنيون بشكل مباشر بقضية العودة التي بدا التذبذب فيها ماثلا. المطلوب من اللجنة التنفيذية هي الأخرى أن تضع استراتيجية مفصلة لضمان احترام هذا الحق وتنفيذه، مهما طال الزمن، وأن تعمل على تشجيع اللاجئين على التمسك به الحق وتنظيم أنفسهم للمطالبة به والدفاع عنه.

(رابعا) – الجمعية العامة للامم المتحدة

37 – في الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية حول النتائج القانونية المترتبة على بناء جدار في الاراضي الفلسطينية المحتلة تعرضت المحكمة لمبادئ في غاية الأهمية بالنسبة للقضية الفلسطينية. ومن المبادئ التي تهمنا في موضوع حق العودة أن المحكمة أفتت أن حل القضية الفلسطينية يجب أن يستند الى قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة وقرارات مجلس الأمن وفقا للمبادئ التي قررتها المحكمة نفسها في فتواها. ومن بين هذه القرارات تلك القرارات المتعلقة بحق العودة. وقالت المحكمة إن الجمعية العامة، وليس مجلس الأمن، هي التي تولت المسئولية عن القضية الفلسطينية منذ بدايتها، بصفتها الجهة الدولية التي ورثت عصبة الامم في موضوع الاراضي الخاضعة للانتداب بقرارات من عصبة الامم، مثل فلسطين وناميبيا التي شغلت بها الجمعية العامة الى أن تححق استقلالها. كما أن الجمعية العامة، فضلا عن اختصاصها الأصيل هذا، لها من الاختصاص ما لمجلس الأمن فيما يتعلق بالنزاعات التي تهدد الامن والسلام العالمي، وعلى الخصوص اذا مارس أحد الأعضاء الدائمين حق الفيتو فحال بذلك دون اتخاذ مجلس الأمن للقرار المناسب. وقد أقرت الجمعية العامة فتوى محكمة العدل الدولية هذه بأغلبية 150 عضوا في مقابل ستة فقط.، واتخذت اجراءات تنفيذية استنادا لها. وهذا يعني أن ما قررته المحكمة أصبح ملزما للغالبية العظمى من اعضاء الجمعية العامة التي طلبت الفتوى، ولم تعد كما يظن رأيا استشاريا لا الزام لها.

38 – وحيث أن القرار رقم 194 لسنة 1948 وكذلك القرار رقم 245 لسنة 1968 الخاصين بموضوع اللاجئين الفلسطينيين، قد اتخذتهما الجمعية العامة، فان الجمعية العامة تكون هي المختصة وفقا لهذه الفتوى في اتخاذ ما يلزم من القرارات لضمان تنفيذهما، خاصة وأن مجلس الأمن هو الذي أحال موضوع اللاجئين للجمعية العامة، وهي التي قامت بتعيين الوسيط الدولي ثم بتعيين لجنة التوفيق، وهي التي تولت متابعة هذا الموضوع، كما عينت اللجنة الخاصة بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني واللجنة الخاصة بمتابعة انتهاكات اسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني. وبناء على ذلك فانه من الواجب اللجوء الى الجمعية العامة لاتخاذ قرارات تنفيذية لفرض احترام حقوق الشعب الفلسطيني بما فيها هذا الحق وتنفيذه، خاصة وأن الفتوى تعرضت لمسئولية الامم المتحدة عن تنفيذ قراراتها الخاصة بالقضية الفلسطينية. لقد قامت الدول الافريقية، استنادا الى فتوى مشابهة، بالاستفادة من الجمعية العامة لانهاء احتلال جنوبي افريقيا العنصرية لناميبيا، وفوز هذا البلد الافريقي بالاستقلال. ومن المؤسف أن الدول العربية لم تستفد بعد بالقدر اللازم من هذه الفتوى وهذه السابقة. والمطلوب هو تفعيل هذه الفتوى بشكل متواصل في جميع جوانب القضية الفلسطينية، بما في ذلك حق العودة. لقد ناشدنا اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وناشدنا الدول العربية في عدة مناسبات بأن تنشط في هذا الاتجاه وتتجنب مجلس الأمن والفيتو الامريكي، ومع الأسف فقد ذهبت هذه المناشدة ادراج الرياح. ولا ندري لماذا هذا التردد في الاستفادة من فتوى نالت هذا الاجماع الفريد في تاريخ الامم المتحدة وتاريخ محكمة العدل الدولية على حد سواء. فقد حددت هذه الفتوى مضمون الشرعية الدولية التي نطالب بالالتزام بها تحديدا واضحا لا لبس فيه، ومع ذلك فان الدول العربية ما زالت تتحدث عن الارض مقابل السلام، وما زالت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تواصل مفاوضات لم تنتج سوى المزيد من هضم الحقوق واضاعة الوقت. الفتوى هذه قوة وسند يجب الاستفادة منها الى أبعد الحدود بدلا من تجاهلها، كما هو حاصل الآن. الجمعية العامة فرضت عقوبات على جنوبي افريقيا وحرمتها من المشاركة في نشاطات الامم المتحدة، وتستطيع أن تقرر ما تريد لعزل اسرائيل وفرض الحل الذي يكون تنفيذا لقراراتها، بل إن المحكمة ذهبت في فتواها الى أن اختصاص الحمعية العامة أوسع في هذا الشأن من اختصاصات مجلس الأمن . ويخيل الي اننا نستطيع الحصول على نتائج افضل من المفاوضات الجارية اذا سلكت الدول العربية ومنظمة التحرير هذا الطريق.

(خامسا) – الدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة

39 – أشرنا فيما سبق الى أن حق العودة قد تكفلت به أيضا جميع اتفاقيات جنيف، ومن بينها اتفاقية جنيف الرابعة. وقد أفتت محكمة العدل الدولية بأن اسرائيل ملزمة باحترام هذه الاتفاقية. وهذا هو أيضا موقف المؤتمر العام للدول الاطراف في هذه الاتفاقية وأشارت اليه محكمة العدل الدولية في فتواها. وكذلك فان المحكمة ذكرت هذه الدول بالتزامها بأن تؤمن احترام احكام الاتفاقية من جانب جميع الاطراف المنضمة اليها، ومن بينها اسرائيل. وحيث أن جميع الدول العربية والاسلامية، وكذلك فلسطين، طرف في هذه الاتفاقية فان من حقها أن تبادر بالطلب لعقد المؤتمر العام بشكل دائم لبحث الموضوع والانتقال بالقرارت من مرحلة مناشدة اسرائيل الالتزام بأحكامها الى فرض عقوبات عليها لاستمرارها في خرق تلك الاحكام. ولا ننسى أن الاتفاقية تجرم طرد السكان من أماكن سكناهم وتشترط عودتهم اليها. ولذا فان القضية تبقى حية والضغوط تتواصل ويصبح الأمل في اتخاذ اجراءات فاعلة أقوى. والجمع في التحرك بين الجمعية العامة من جهة والمؤتمر العام هذا من جهة أخرى من شأنه تكثيف الضغوط في الاتجاه السليم.

40– تصوروا لو أن فتوى كهذه قد صدرت لصالح اسرائيل. هل ستنام عليها كما نفعل، أم أنها ستقيم الدنيا ولا تقعدها وهي تطالب بالالتزام بها؟. غير أن الانظمة العربية ما زالت مع الاسف تتنكر لاستعمال سلاح القانون في المعركة التي نخوضها من أجل استرداد الحقوق، وتفضل على ذلك تقديم التنازل وراء التنازل والاغراء وراء الاغراء في مفاوضات لا نهاية لها على حساب حقوقنا عسى أن تمن علينا اسرائيل باستجابة منقوصة بشأن هذه الحقوق. طبعا هناك مشكلة وهي أن عددا من الانظمة العربية قد طبع علاقاته والبعض الآخر يتوق الى التطبيع، فكبف يجوز لهذه الدول أن تطالب الجمعية العامة للامم المتحدة أو الدول الاعضاء في اتفاقية جنيف الرابعة بفرض العقوبات وهذه هي مواقفها؟ وهذا الموقف السلبي من جانب بعض الانظمة العربية، فانه موقف يقوم على أساس خاطئ من الناحية القانونية. فالتطبيع لا يعني اطلاقا أن تقبل الدولة المطبعة جميع تصرفات ومواقف الطرف الاخر، بما في ذلك خرقه للقانون، سواء كان القانون الدولي أو القانون الدولي الانساني، ولا تتخذ اجراءات لتصحيح الوضع ورد الاعتبار لسيادة القانون. الالتزام الأول والمبدئي لكل دولة هو احترام القانون الدولي والقنون الدولي الانساني واقامة مجتمع دولي أساسه احترام الجميع للقانون. وبناء على ذلك فانه يتوجب على منظمة التحرير الفلسطينية والانظمة العربية أن تكون لديها الشجاعة لتكون المبادِرة، كما كانت الدول الافريقية، في العمل على فرض سيادة القانون في العلاقات الدولية ولحل المشاكل الدولية. اننا نطالب بالشرعية الدولية، وقد فتحت محكمة العدل الدولية أوسع الأبواب للدخول الى هذه الشرعية, ولذا يجب أن ينتهي عصر مناشدة المجتمع الدولي وتحميله المسئولية، وأن يبدأ عصر جديد تتحمل فيه الانظمة العربية المسئولية أولا وتنهض بها قبل أن تناشد الآخرين بذلك، وحينئذ يمكن للمجتمع الدولي أن يتحرك. أما أن نطالب المجتمع الدولي باتخاذ الاجراءات الرادعة في الوقت الذي نقوم فيه نحن بالتطبيع وتحسين العلاقات وتبادل القبلات والتهاني، فهو الدليل للمجتمع الدولي ولاسرائيل بأننا غير جادين في المطالبة بحقوقنا، وأننا ما زلنا في طور من يحتاج الى الوصاية الدولية لحماية حقوقنا في هذا الوطن. المبادرات في كل ما نطالب به يجب أن تبدأ من عندنا وتستمر ولا تتوقف، تحرك المجتمع الدولي أو لم يتحرك، لأن الوطن وطننا والحقوق حقوقنا والمصير مصيرنا.

(سادسا) محكمة الجنايات الدولية والقضاء المحلي

41 – وفي مجال القضاء الدولي، من العبث أن نتوقع أن تتقدم الدول العربية لمجلس الأمن لانخاذ قرار يطلب فيه من المدعي العام أمام محكمة الجنايات الدولية التحقيق في الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل وقادتها ، من مدنيين وعسكريين، كما فعل بالنسبة لمسئولين سودانيين، من بينهم رئيس الجمهورية نفسه. اسرائيل، كالسودان، ليست طرفا في اتفاقية روما التي أنشأت محكمة الجنايات الدولية، ولكن مجلس الأمن مارس سلطة منحته اياها تلك الاتفاقية. ومن واجب الدول العربية، والسودان في مقدمتها، أن تحرك مجلس الأمن لاتخاذ قرار كهذا.

42 – لقد تحركت منظمات حقوق الانسان الفلسطينية، بالتعاون مع محامين أجانب، ورفعت قضايا أمام المحاكم المحلية في بلجيكا وبريطانيا ونيوزيلندا واسبانبا ضد قادة عسكريين اسرائيليين. وصدرت أوامر قبض ضد هؤلاء من محاكم هذه الدول للتحقيق معهم فيما نسب اليهم من ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بناء على الادلة التي اقتنعت بها هذه المحاكم كمبرر للبدء في التحقيق. لقد استطاع هؤلاء أن يفلتوا، مؤقتا، ولكن النتيجة أن هؤلاء وغيرهم من القادة العسكريين الاسرائيليين أصبحوا محاصرين داخل اسرائيل ولا يجرؤون على مغادرتها خوفا من أن يكون أمر بالقبض في انتظارهم. منظمات المجتمع المدني في الاقطار العربية والاسلامية التي يزورها مسئولون اسرائيليون والنيابات العامة فيها مطالبون بالقيام بخطوات مماثلة، تأسيسا على اختصاص عام لمحاكم جميع الدول الاطراف في اتفاقيات جنيف.

(سابعا) – العائدون

43– لقد حان الوقت لنتحول من لاجئين الى عائدين، لا برفع الشعارات وترديدها، وانما باتخاذ الخطوات الفاعلة التي تؤكد تصميمنا على العودة. فالعودة هي حقنا نحن، حق كل لاجئ ولاجئة، وعلينا أن نتحرك من أجل ممارسة هذا الحق. لقد قامت لدينا انتفاضات وحان الوقت لانتفاضة حق العودة. ونريد لهذا الملتقى أن يكون بداية هذه الانتفاضة، ننطلق منه بوضع اللبنات التنفيذية الاولى لعمل متواصل له استراتيجيته التي تنقله خطوة خطوة نحو تحقيق الهدف. ولهذا فانني أدعو الى قيام لجان حق العودة في كل التجمعات الفلسطينية، ودعم ما قام منها، وأن يكون لهذه اللجان اتحاد يضمها يضع الخطط ويمارس النشاطات على المستوى المحلي والقومي والدولي للتأكيد على هذا الحق والمطالبة به. ويكون من بين مهام هذا الاتحاد مراقبة تصرفات ومواقف المسئولين لمنع وقوع أي انحراف عن الهدف والتنبيه اليه وتصحيحه. فيكون هو اداة حماية الحق من جهة ووسيلته للتنفيذ من جهة أخرى. وهذا الاتحاد وكذلك اللجان المحلية يجب أن تتميز بالمصداقية والمهنية معا والاستقلالية عن المؤثرات التي قد تنحرف به عن أهدافه، أو تسعى للسيطرة عليه من هذا الفصيل أو ذاك،بل يجب أن يكون أداة توحيد للفصائل والتجمعات الفلسطينية والتفافها حول هذا الهدف، بحيث لا يدعيه فصيل دون فصيل أو مجموعة دون مجموعة. ويكون للاتحاد هذا مكاتبه وموظفوه المهنيون الذين يجيدون اعداد الدراسات والبرامج التنفيذية والاتصالات مع منظمات المجتمع المدني في العالم كله. وعند قيام هذا الاتحاد يمكن له أن يتقدم للامم المتحدة لاعطائه صفة المنظمة التي تتمتع بالصفة الاستشارية لتمارس حقها، كبقية منظمات المجتمع المدني، في المشاركة في النشاطات التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني داخل مؤسسات اللامم المتحدة وعلى النطاق الدولي، بحيث يستمع العالم كله الى صوت العائدين وهم يطالبون بحقهم في العودة الى ديارهم في وطنهم، هذا الوطن الذي يبقى وطنهم وان كان خاضعا للاحتلال أو للاغتصاب. بالتنظيم واتباع المنهج العلمي الموضوعي للمطالبة بالحقوق يبقى حق العودة قائما ويزداد قوة وتتوارثه الاجيال الى أن يتحقق. وحق العودة عليه اجماع وطني فلسطيني واجماع قومي عربي وشبه اجماع دولي، ولا يحتاج الا الى تفعيل لارغام اسرائيل على الاعتراف به.

44– حق العودة هو العمود الفقري لاستعادة الحقوق كاملة، هو القوة الفاعلة المتحركة على أرض الواقع القادرة على خلق واقع جديد لانطلاق جميع الحقوق الاخرى. ومعركته هي أشد المعارك ضراوة، ولذا فهو في حاجة الى أنضج ما لدى الشعب الفلسطيني والامة العربية من عقول وكفاءات للتخطيط له ومتابعته والدعوة اليه وتنفيذه. وهذه العقول والكفاءات متوفرة ولا تحتاج الا الى حشد قوتها في تنظيم يجمعها ، وهذا ما نرجوه أن يتحقق. إن المعركة مع اسرائيل في هذا الشأن، كما هو الحال في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحقوق العربية، هي معركة ارادة فاعلة تتوارثها الاجيال، وهي أيضا معركة القدرة على الصبر والاحتمال. ولقد اعترفت صحافة العدو بما يملكه الشعب الفلسطيني من قدرة غريبة على الصبر والاحتمال مقارنة بقدرتهم هم على ذلك. لقد كانوا يتوقعون أن تنتهي القضية بوفاة الجيل الذي رافق النكبة، وهالهم أن ثلاثة أجيال قد مرت على ذلك، واذا بالاجيال الجديدة أكثر وعيا وأقدر على المواجهة، بالرغم من تعاظم قوة العدو واشتداد شراسته. هم يخوضون مع الشعبين العربي والفلسطيني معركة تيئيس، وقد نجحوا في هذه المعركة مع بعض الانظمة العربية، ولكنهم لم ينجحوا مع الشعوب. فهذه الشعوب قد طورت من أساليب المواجهة والتمسك بالحقوق، فرفضت التطبيع، وابتكرت أسليب جديدة في المقاومة أثبتت فعاليتها. وبدأنا الآن في مرحلة جديدة اسميتها مرحلة التيئيس المضاد. وهي هذه المرحلة الشعبية التي نعيشها اليوم وعلينا التمسك بها وتقويتها ومقاومة جميع محاولات اجهاضها سواء كانت من أنظمة فلسطينية أو عربية أو أجنبية. ومما يزيد هذه الحملة قوة أنها تستند الى الحق، الحق الذي يستطيع أن يخاطب العالم كله ويكسب الانصار. وفي نفس الوقت فانهم يستندون الى باطل، وهذا الباطل مصيره أن ينكشف، وقد بدأ فعلا في الانكشاف. إن الحق العربي بدأ يشق طريقه الى الرأي العام العالمي، وبدأ الآخرون يبحثون عن الحقيقة بعد أن حرفتهم عنها الدعاية والاكاذيب الصهيونية والاسرائيلية. وكلما أحسنا التصرف من موقف الحق الذي نملكه ازداد الانصار لهذا الحق.
———————————————-

1-قدمت في الملتقى العربي والدولي لحق العودة المنعقد في دمشق يومي 23 و24 نوفمبر 2008.

2-من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس لجنة الميثاق والانظمة في المؤتمر التأسيسي ، عضو المجلس الوطني الفلسطيني ورئيس لجنته القانونية سابقا، الرئيس السابق لمجلس ادارة صندوق العون القانوني للفلسطينيين، الأمين العام للمنظمة الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ايفورد).

3-وردت عبارة “مواطنهم” في الترجمة المعتمدة لاتفاقية جنيف الرابعة. الأصل الانكليزي يستعمل عبارة “their homes ” أي بيوتهم. وهذا النص هو نفسه الوارد في القرار رقم 194 بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين.

4-في الأصل الانكليزي توجد عبارة “في أسرع وقت ممكن” قبل “بمجرد”.

5-الترجمة العربية المعتمدة لهذا النص قد توحي بغير المقصود حيث قالت “وعلى أي حال بعد انتهاء عمليات الافراج عن الاشخاص الذين تحميهم هذه الاتفاقية واعادتهم الى أو طانهم أو اعادة توطينهم”. في حين أن النص الانكليزي هو : and until after operations connected with the release, repatriation and re-establishment of the persons protected by the present Convention have been terminated. ليس في هذا النص عبارة “أو اعادة توطينهم”. ولربما هي غلطة مطبعية والمقصود هو “واعادة توطينهم” أي اعادة الاستقرار لهم في وطنهم الذي عادوا اليه.

6-من بين الوثائق التي تشرح فلسفة الحركة الصهيونية على أنها حركة استعمارية اسنيطانية مثلها مثل النشاط الاستعماري الذي شهده العالم على أيدي المستعمرين البريطانيين أو الاسبان أو الهولنديين في الامريكيتن، مقال نشره الزعيم الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي عام 1923 ، والنص الكامل له منشور في 51 Documents Zionist Collaboration with the Nazis, ed. Lenni Brenner, Barricade Books, Fort Lane, New Jersey (2002) p 32 بعنوان The Iron Wall (We and the Arabs)

7-في النص الانكليزي “their homes أي بيوتهم.
8-(انظر في هذا الشأن الكتاب الذي قمنا بتحريره عن الجدار الفاصل، وقام بنشره مركز دراسات الوحدة العربية

ببيروت).

A Tale of Three Walls

A Tale of Three Walls

The Wall of Ideology, the Wall of Mythology and the Wall of Final Solution in Palestine

Anis Al-Qasem

“Woe to them that devise iniquity, and work evil upon their beds! when the morning is light, they practice it, because it is in the power of their hand.

2 And they covet fields, and take them by violence; and houses, and take them away: so they oppress a man and his house, even a man and his heritage.”

***

“It took 50 years to grow our olive trees and in three minutes everything was gone .”

The Iron Wall

An Ideology of Total Negation

Give the land without a people
To a people without a land
(A Zionist slogan)

When Sharon launched his so-called Separation or Segregation Wall he chose his words very carefully. He used an innocently appealing slogan: “Good walls make good neighbours”. He chose an innocently fitting name for the Wall: “The Separattion Fence”, and chose the right opportunity to launch it. The location and extent of the Wall and its execution were made step by step depending upon the arrival of the right opportunity. All this fits neatly within the framework of the implementation of an ideology inherited by Sharon and his predecessors and successors of the Zionist movement for the achievement of the main object of the movement: the total colonization of the land of Palestine totally free from the presence of its indigenous population. An understanding of this ideology and the process of its implementation are essential for evaluating the significance of the construction of this ‘Separation’ Wall. To look at the Wall in isolation of this ideology or in segments, as advocated by the Israeli Supreme Court in decisions to be considered later, is like picking a single tree in a huge forest to judge the extent and significance of the whole forest. The construction of the Wall was dictated by this ideology, which is a political decision, and may not be addressed solely and exclusively from the perspective of its legality. The same considerations apply to the second wall referred to in this article, the Western or Wailing Wall.

In the twenty first century, Israeli leaders and their supporters seem to be dominated by and obsessed with sixteenth century European ideology of settler colonialism, nourished by Biblical myths of plundering. The slogan “give the land without a people to a people without a land” was raised by Zionism to justify the colonization of Palestine, although it was fully known to Zionist leaders that Palestine was not a land without a people, and that the people of that country, the Palestinians, will resist the colonization of their country . The separation, apartheid, security wall, barrier or fence, call it what you may, is an integral part of this process of projected colonization in its 16th century formula and Old Biblical mythology of either total submission to the process by the indigenous population or extermination, if they persist in resisting the process. One main feature of this type of colonialism is the firm assumption that the indigenous populations have no sacred or inalienable rights and their lives, land, properties, culture and traditions, indeed their destiny on this earth, are at the mercy of the occupier to suffer, allow, restrict, change or expropriate. Those allowed to continue in existence, are reduced to a total dependency on the occupier and deemed ‘surplus’ to humanity, ‘disposable’ at the will of the occupier. The prime example of the application of this ideology is the fate of the indigenous peoples of North and Latin America and Australia, and the fate of the Palestinians at the hands of the Hebrew tribes, according to the mythical history in the Bible. And indeed these are the examples given by Jabotinsky in expounding the Zionist ideology for the colonization of Palestine.

Vladimir Jabotinsky, the Zionist Russian leader, succinctly formulated this ideology in an article first published in Russian on 4th November 1923, and in English on 26th November 1937 under the title “The Iron Wall (We and the Arabs)” . It is important to note that the original Russian version was published long before Hitler came to power with his racist policies and the holocaust, but after the grant to Britain of the mandate over Palestine in 1922, and the incorporation therein of the Balfour Declaration of 1917. The English version was published years before the holocaust and the Second World War, but after it became apparent that the indigenous population of Palestine are determined, through successive revolts, to resist the attempted colonization of their country. It was time to reiterate, in a concise form, the ideology and the way to achieve its objective. Zionist leaders and successive Israeli governments, of whatever political colour, have pursued policies and set plans and seized on opportunities to achieve the objective set out by this ideology, and the Palestinian reaction has been as foretold by Jabotinsky .

Jabotinsky starts his article by a denial: he declares that it is not true that he was an enemy of the Arabs and “a proponent of their expulsion etc.” from Palestine. His “emotional relationship to the Arabs is the same as it is to all other peoples – polite indifference.” This ‘polite indifference to all other peoples’ is, of course, reserved to Jabotinsky and his followers, and is utterly unacceptable from other peoples to them. As will be shown later, he wants the British Government to be actively engaged in promoting his scheme, rather than be indifferent to it.

“There will always be,” he declares, “two people in Palestine – which is good enough for me, provided the Jews become the majority…we will never attempt to expel or oppress the Arabs.” This is indeed great generosity, but will happen should the Arabs react in the way predicted by him? The answer was deduced by his followers: expulsion, ethnic cleansing and oppression of those who remain as a minority. The aim is to become the majority and overlords. This, of necessity, will mean the transformation of the Arabs of Palestine, who were the vast majority in 1923 as in 1948, when Israel was created, into a minority. According to Jabotinsky, the way that this objective can be achieved depended entirely on the relationship of the Arabs to Zionism. If they accept it, with its objective, the transformation will be peaceful, otherwise it will not. This admission on the part of Jabotinsky that there were Arabs in Palestine at least in 1923 who made the majority of its population confirms the deceptive behaviour of the Zionist movement and its leaders in raising the slogan “give the land without a people to a people without a land” and characterizes Israeli policies, undertakings and statements, and yet the Israeli Supreme Court decided to accept, at face value, the assertions of the government of Israel that the Separation Wall is of a temporary nature, not constructed for political reasons and does not mark boundaries, and the similar assertion by the security forces that the only objective of the Wall was security. The Court shifted its position from self-defence when it discovered that it was ridiculous to build a huge Wall of the specifications it has to defend against primitive attacks by individual Palestinians. Self-defence is thrown away for future consideration by the Court, and a substitute argument, which does not hold water, was discovered, to the obvious pleasure of the Court, Nevertheless both the slogan and the reality of Palestine in the scheming minds of the likes of Jabotinsky have remained. The slogan has also remained to deceive the innocent or ignorant.

Jabotinsky, the colonialist, knew that, historically, it has never happened that indigenous peoples have ever surrendered willingly their homeland to foreign invaders. He says: “That the Arabs of the Land of Israel [sic] should willingly come to an agreement with us is beyond all hopes and dreams at present, and in the foreseeable future…Apart from those who have been virtually “blind” since childhood, all the other moderate Zionists have long since understood that there is not even the slightest hope of ever obtaining the agreement of the Arabs of the Land of Israel [Palestine] becoming a country with a Jewish majority.” And why is that? Because, Jabotinsky writes, “Every reader has some idea of the early history of other countries which have been settled [i.e. colonized].” Jabotinsky gave the examples of the Spaniards who conquered Mexico and Peru and “our own ancestors in the days of Jushua ben Nun” both of whom “behaved, one might say, like plunderers.” He also gave the examples of the English, Scots and the Dutch, “the first real pioneers of North America”. In all these cases, Jabotisky writes, “The inhabitants fought the white settlers not out of fear that they might be expropriated, but simply because there has never been an indigenous inhabitant anywhere or at any time who has ever accepted the settlement of others in his country. Any native people – its all the same whether they are civilized or savages – views their country as their national home, of which they will always be the complete masters. They will not voluntarily allow, not only a new master, but even a new partner. And so it is for the Arabs [emphasis provided]…Every indigenous people will resist alien settlers as long as they see any hope of ridding themselves of the danger of foreign settlement. That is what the Arabs in Palestine are doing, and what they will persist in doing as long as there remains a solitary spark of hope that they will be able to prevent the transformation of “Palestine” into the “Land of Israel” [emphasis provided]. Colonization itself has its own explanation, integral and inescapable, and understood by every Arab and every Jew with his wits about him. Colonization can have only one goal. For the Palestinian Arabs this goal is inadmissible. This is in the nature of things. To change that nature is impossible.”

The quotation is long; but this is necessary in order to understand the nature of the Zionist project and the anticipated certain reaction to it. Jabotinsky was honest to admit that the Zionist project was settler colonialism, like that of the Spaniards, the English, the Dutch and the Hebrew tribes of old. None of them could claim any connection, historical or otherwise, with the land they wanted to settle in and colonise, The aim was to settle and colonise, to control and be masters of the land. So is the case with the Zionist project for Palestine, he admits. He further does not claim that the Jews were nor are the indigenous people of Palestine. It is the Arabs of Palestine who are the indigenous people, and who, like all other people will resist the colonization of their country until all hope is lost. This resistance is in the nature of things and is understandable and cannot be changed. This is the basis of the legality of resistance to foreign occupation; it is in the nature of things, as Jabotinsky admits.

Jabotinsky considers the various peaceful possibilities for achieving the result he advocates and concludes that the Zionists “cannot promise anything to the Arabs of the Land of Israel [sic] or the Arab countries.” Since Palestine “would still remain for the Palestinians not a borderland, but their birthplace, the center of their own national existence, [t]herefore it would be necessary to carry on colonization against the will of the Palestinian Arabs, which is the same condition that exists now [in 1923]…Zionist colonization, even the most restricted, must either be terminated or carried out in defiance of the will of the native population.” The way to do that is declared: “This colonization can, therefore, continue and develop only under the protection of a force independent of the local population – an Iron Wall which the native population cannot break through. This is, in toto, our policy towards the Arabs. To formulate it any other way would only be hypocrisy.” The support for this ‘Iron Wall’, defined later by Jabotinsky, was first Britain, now the United States and Europe, and, at one time it was Germany, thanks to the Zionist leaders who continued to cooperate with Nazi Germany to the end. These nations cannot be allowed to act with “polite indifference”.

Jabotinsky then deals with the morality of this. “[I]f anyone objects that this point of view is immoral, I answer: It is not true; either Zionism is moral and just or it is immoral and unjust. …We hold that Zionism is moral and just. And since it is moral and just, justice must be done…There is no other morality.” And the just and moral thing to do is to colonise Palestine, even in defiance of its indigenous population, and reduce its Arab majority to a helpless minority that cannot defy this colonization. The only morality is that of Zionism; and no question arises as to the morality or justice of colonization or to what Zionism may do to achieve its objective. The indigenous population has no rights in its own homeland. All these rights are at the disposal of the Zionist colonizer to deny, reduce, or eliminate. They will always be subject to the whim of the colonizer.

It is important to note that Jabotinsky does not raise a historical, religious or legal claim to Palestine as against its indigenous people. The reason is obvious. Jabotinsky and most of the leaders of the Zionist movement were and still are East Europeans who are of Khazar origin. Shlomo Sand of Tel Aviv University, author of When and How was the Jewish People Invented, confirms the view held by many that genesis of the Ashkenazi Jews of central and Eastern Europe originated with the mass conversion to Judaism of the people of the Khazar kingdom in what is to-day south Russia. Consequently, they cannot claim to be descendants of the old Hebrew tribes of Palestine. In fact he says “Most of the early Zionist leaders, including David Ben Gurion, believed that the Palestinians were the descendants of the area’s original Jews. They believed the Jews had later converted to Islam” [emphasis provided]. Needless to say that some of the Palestinians of today may be descendants of Jews who converted to Islam (and I personally know a family in Jerusalem reputed to be such) or of Jews who remained in the country but did not convert (like the Samara of the city of Nablus). But the Palestinians of today are the descendants as well as of all peoples who settled in Palestine before and after the arrival of the Hebrew tribes. Dr Sand found no evidence of the Exile by the Romans in 70 A.D., and that he discovered that the kingdoms of David and Solomon were legends .

Jabotinsky continues: “All this does not mean that any kind of agreement is impossible, only a voluntary agreement is impossible. As long as there is a spark of hope that they can get rid of us, they will not sell these hopes, not for any kind of sweet words or tasty morsels, because they are not a rabble but a nation, perhaps somewhat tattered, But still living. A living people makes such enormous concessions on such fateful questions only when there is no hope left” (emphasis provided). Is it unreasonable to interpret this as a call for the extermination of the Palestinians from existence if they were to defy Zionist justice and morality? Was not this the ethnic cleansing and more that Zionist Israel has done and is still doing because the ‘living’ Palestinians refuse to make the ‘enormous concessions on such fateful questions’ as the Zionists-Israelis demand of them? Is this not the holocaust threatened recently by the Israeli Deputy Defence Minister in operations against the Palestinians of Gaza? Are not the present total siege of Palestinians in Gaza and the total dependence of Palestinians in the West Bank on Israel and international charity instruments of oppression used by Israel to produce conditions under which involuntary agreement becomes possible? Are not the ‘Separation’ Wall, road blocks, military raids, day and night, the unlawful detention of thousands of Palestinians, the harassments by settlers ways to produce this result, since voluntary agreement so far has been impossible, as admitted by Jabotinsky?

How will the Palestinians lose every spark of hope? “Only when not a single breach is visible in the Iron Wall, only then do extreme groups, with their “Never”, lose their sway, and influence transfers to moderate groups. Only then would these moderate groups come to us with proposals for mutual concessions. And only then will moderates offer suggestions for compromise on practical questions like a guarantee against expulsion, or equality and national autonomy.” “But the only path to such an agreement,” concludes Jabotinsky, “is the Iron Wall, that is to say the strengthening in Palestine of a government without any kind of Arab influence, that is to say one against which the Arabs will fight. In other words, for us the only path to an agreement in the future is an absolute refusal of any attempts at an agreement now.” These are the last words of the article.

The extremist groups among the Palestinians are, to Jabotinsky, those who say “Never” to the colonization of their homeland by the Zionist colonizers. They are the people who refuse to make the “enormous concessions on the fateful questions” that the Zionist project demands of the Palestinians. The “moderates” are those who will agree to make such concessions in return for “assurances”, not commitments, for example against “expulsion” from their country, but on condition that they will have no kind of any influence in the government of Palestine, their country. Those moderates who might become exempt from expulsion must be satisfied with the fact of remaining in the country but without any say in its government. However, in no event an agreement is to be concluded until the colonization of Palestine, the whole of Palestine, is achieved and there remains no spark of hope to get rid of the colonizer. Recognition of Israeli colonization of less than the whole of Palestine is not sufficient, as the PLO recognition has proved. “Negotiations” and the creation of more facts of colonization on the ground are only steps to achieve the total colonization of Palestine, after which the “moderates” may negotiate to get the “assurances”.

Jabotinsky’s plan for the colonization of Palestine with a Jewish majority and a possible helpless Palestinian minority of ‘moderates’, if such a minority is allowed to stay, has been carried out to the full in those parts of Palestine that have come to be called Israel. The construction of the Iron Wall was almost completed between 1947 and 1949, through massacres too many to count, destruction of homes and complete erasure of hundreds of Palestinian villages, the planned and systematic expulsion of Palestinians from the areas Israel was able to control in that period, and the ethnic cleansing of Palestine. This cleansing, with what accompanied it of massacres and organized killing of Palestinians of military age, defined by Israel as that between 10 and 50, has gone unpunished, and great criminals of this period, such as David Ben Gurion, who master-minded the execution of this plan, and his generals are treated as celebrated heroes instead of being condemned for the atrocities they had authorized or committed. I said ‘almost completed’ because there are still ‘living’ Palestinians who should be eliminated to secure that the wall is not breached. Palestinians living in refugee camps, inside and outside Israel, as well as Palestinian activists, have become targets for elimination according to Zionist justice and morality. The massacre committed at the Sabra and Chatila refugee camps in 1982 in Lebanon under an arrangement by and supervision of the occupying Israeli forces, which were, under international law and an American undertaking through American ambassador Phillip Habib, responsible for their protection and safety, is one of the most atrocious examples of intentional genocide. The then minister of defence, no other than Ariel Sharon, who was condemned for his ‘indirect responsibility’ for the massacre by the high-powered Kahan Israeli Commission of Inquiry, was not prosecuted or even investigated by the prosecuting authorities in Israel. He continued his political career to be rewarded with leading two political parties, one after the other, and end up as prime minister.

The other target was and still is the small minority of Palestinians inside that part of their homeland that became Israel. Although they have no influence on Israeli policies, (the camouflage of participation in elections is no guarantee of such influence) and, therefore unable to breach the Iron Wall, have become to be perceived as a threat to the ‘purity’ of Israel and its Jewish majority. All Israeli political parties are now agreed on one solution: more ethnic cleansing under the name ‘transfer’. The calls for recognition of Israel as a ‘Jewish’ state or ‘state of the Jewish people’ have their objective the completion of the ethnic cleansing of Palestinians from present day Israel. Perhaps one may be allowed to see the start of this in the events of October 2008 in the mixed city of Acre when Jewish settlers of the city attacked the Arab quarter burning shops and houses and vandalizing the Arab quarter of the city. Also, within this target one should view the recent official ransacking in August of 2008 of the offices of Al-Aqsa Society and the open theft of all the records it has been collecting concerning Palestinian historical sites inside Israel. No trace should remain in the hands of the Palestinians of their Palestinian existence. The same was done when the offices of the Sharia courts in Jerusalem were ransacked after the city’s occupation in 1967 and the library of the Palestine Research Institute in Beirut in 1982.

It is within the logic of this ideology that one should always view the declarations, policies and actions of Israel, including actions pertaining to the Western or Wailing Wall and the construction of the ‘Separation’ Wall. Jabotinsky’s statement of this ideology has been partly implemented as facts on the grounds, no matter to any contrary assertions, now and then, by Israeli governments, including commitments to the United Nations itself. As we shall see later, the Israeli Supreme Court has emphasized the importance of facts for the arrival at the correct conclusions. These facts were, of course, not taken into consideration by the Court. A review of the judgements of Israeli courts, including the Supreme Court, hardly leaves any serious doubt that these judgements are reflections of this ideology on the judicial level.

The Western Wall

“They [the Jewish witnesses] did not make any property claim about the Wall”
Report of the International Commission of Enquiry

A myth is now in the making in the grand Zionist scheme of changing the history of Palestine to fortify the myth of Jewish earlier presence at one of the most important Palestinian sites in the old city of Jerusalem. A newly constructed small ‘synagogue’ in a tunnel underneath the Aqsa Mosque area will almost certainly be claimed on some Zionist websites as an old synagogue constructed at the time of the Temple. In October 2008 another small synagogue was constructed 50 metres away from the Western Wall on Arab confiscated property. Extensive excavations underneath the Aqsa Mosque on what is called in the West the Temple Mount have failed to unearth any trace of a Temple, large or small. Allegations of discovery of items related to the Temple have been made, perhaps the most famous has been the stone tablet alleging the repair of the Temple at the hands of one of the kings of Israel. That tablet was so perfectly done as to the age of the stone used, the script and vocabulary, that it at first fooled Israeli experts. Doubts as to its authenticity started to show up when the forger evaded questions as to the location where the find was made. He first alleged that it was sold to him by a Palestinian, later to declare that this Palestinian had died. The story could have ended there and a myth could have been started. What saved the day was the discovery by one of the Israeli linguists, who decided to look at the stone perhaps for the umpteenth time, of the use of one word, which was modern Hebrew. This discovery alerted the experts to the forgery, only to find that the forger had a forgery factory in his basement and had passed so many of his forgeries of ancient Israel to museums in many countries. In view of a gullible doctrinated market ready to pay for such finds, one only wonders as to how many forgers may be actively engaged in this kind of business and how much forged items are already there.

Fortunately, there are serious Israeli archaeologists who are searching for the truth. In an article published in the Israeli Ha’Aretz Weekly Magazine on 29th October 1999, Professor C. Z’e’zv Herzog, of Tel Aviv University reviewed, for the benefit of the ordinary reader, the results of excavations carried out over the last century and a half. In the first paragraph of this article he sums up the results as follows: “This is what archaeologists have learned from their excavations in the Land of Israel: The Israelites were never in Egypt, did not wander in the desert, did not conquer the land in a military campaign, and did not pass it on to the twelve tribes of Israel. Even harder to swallow is the fact that the united monarchy of David and Solomon, which is described in the Bible as a regional power, was at most a small tribal kingdom.” He says that this information is widely published, but the general Israeli public does not want to know. He gives his reason: “Any attempt to question the reliability of the biblical descriptions is perceived as an attempt to undermine “our historic right to the land” and is shattering the myth of the nation that is renewing the ancient Kingdom of Israel. These symbolic elements constitute such a critical component of the construction of the Israeli identity that any attempt to call their veracity into question encounters hostility or silence.” He concludes: “It turns out that part of Israeli society is ready to recognize the injustice that was done to the Arab inhabitants of the country …but is not up to adopting the archaeological facts that shatter the biblical myth. The blow to the mythical foundations of the Israeli Identity is apparently too threatening, and it is more convenient to turn a blind eye.” On the basis of all this, one hazards the opinion that the Temple, at least as portrayed, never existed. The Hebrew tribes could not have been of the wealth or knowledge to construct such an imposing building. One can only pray, for the cause of peace and the restoration of the positive co-existence between Arabs and Jews that prevailed for centuries before the invention of Zionism by East European Jews, that the Israelis would release themselves from the myths that have directed their leaders for long and had brought so much misery and bloodshed for both Palestinians and Jews. One can only hope that Uri Avniri was wrong when he said, in concluding an article on the same subject, that it seems that ‘myth is stronger than fact’.

The Western Wall (known in the West as the Wailing Wall) lies on the western side of the Aqsa Mosque in the old city of Jerusalem. It forms part of a wall that runs around the area, interrupted in some parts with buildings in service of the Mosque or Islamic Awqaf (charitable foundations). It has been alleged that it is a remnant of an old wall of the Temple. Neither history nor persistent archeological excavations in the alleged area where the Temple is supposed to have been support this. “[T]he privileged site of Jewish prayer in later times [i.e. after the Romans] was located on the Mount of Olives. Toward the end of the medieval age, gradually Jews began to turn instead to the Western Wall for their prayers, and were authorized to do so by the [Islamic] waqf authorities.” Accordingly, the Western Wall (the Wailing Wall) was not originally the ‘privileged’ site of prayer after the assumed destruction of the Temple, and it became so only toward the end of the medieval age, and, even then, it happened ‘gradually’. Why was that? It should have happened much earlier, particularly after the Arab Muslim conquest of Jerusalem in the seventh century and before the construction of the Aqsa Mosque. Under Arab Muslim rule, the Jews enjoyed full religious freedom and there was no persecution. However, the Jews preferred to live in other parts of the Muslim world, particularly in Spain. The same source, in the first paragraph of the article on the subject asserts “The Western Wall … is a Jewish religious site located in the old City of Jerusalem. The Wall itself dates from the end of the Second Temple period, being constructed around 19BCE.” Surely if it dates from that period, and had formed part of the wall of the Second Temple, Jews would not have treated the location on the Mount of Olives as their “privileged” site of prayer after Roman times. Evidence searched for by Dr Shlomo Sand, of Tel Aviv University, in his book When and HowWas the Jewish People Invented?” has led him to different conclusions. “I was not raised a Zionist” he says, “but like all other Israelis I took it for granted that the Jews were a people living in Judea and that they were exiled by the Romans in 70 A.D. But once I started looking at the evidence, I discovered that the kingdoms of David and Solomon were legends.” There was no evidence of exile. I have already quoted his statement that most of the early Zionist leaders, including Ben Gurion, believed that the Palestinians were the descendants of the area’s original Jews, and that these Zionist leaders believed that the Jews later converted to Islam. On this basis, one would assume that these Jews, who were not exiled, would have known where the Temple and its walls were, and would have continued to pray there before conversion to Islam. There seems no evidence that the area of the Wailing Wall was their privileged site for prayer. The transfer happened much later, most probably because the myth took hold and the Jews who knew better had already converted to Islam. It was then that prayer at the Wall was allowed by the Muslim authorities by way of “sufferance”, as the Commission of Enquiry has found. .

Return to Jerusalem itself by the Jews seems to be conditional. According to Dr Sand, “Zionism changed the idea of Jerusalem. Before, the holy places were seen as places to long for, not to be lived in. For 2000 years Jews stayed away from Jerusalem not because they could not return but because their religion forbade them from returning until the messiah came.” This is of course the view held by those religious Jews who refuse to recognize the state of Israel. Dr Sand argues further that most of today’s Jews have no historical connection to the land called Israel, and that the idea of a Jewish nation is a myth invented little more than a century ago.

The ownership of the Wall was raised for the first time during the British mandate over Palestine in the 20th century. Attempts to buy the pavement in front of the Wall and of the adjacent buildings (not the Wall) from the Muslim waqf authorities had been made by rich Jews; but these attempts failed. A proposal to the Mandatory to expropriate the Wall for the Jews was rejected,

It is not necessary for the purposes of this article to go into the details of events that led to the appointment of the international commission which was charged with resolving the dispute that has arisen between Palestinians and Jews in respect of the Western Wall . Suffice it to say that by 1928-9 demonstrations and riots occurred between Arabs and Jews over the extent of rights of worship Jews had at the Western Wall and the use of the pavement, courtyard and dwellings in front of or adjacent to the wall. After the disturbances, the British government, as the Mandatory, appointed an ad hoc International Commission to determine the rights and claims of Muslims and Jews in connection with the Western or Wailing Wall at Jerusalem. On 15 May 1930, the Council of the League of Nations approved the composition of the International Commission of three persons as follows: Eliel Lofgren, formerly Swedish Minister of Foreign Affairs, Member of the Upper Chamber of the Swedish Riksdag (to act as Chairman); Charles Barde, Vice-President of the Court of Justice at Geneva, President of the Austro-Romanian Mixed Arbitration Tribunal, and C.J.Van Kempen, formerly Governor of the East Coast of Sumatra, Member of the States-General of the Netherlands. The Commission arrived in Jerusalem on 19th June 1930, visited the site, held twenty three meetings and heard fifty two witnesses, twenty one presented by the Jewish side and thirty by the Muslim side, and one British official called by the Commission It examined all reports, dispatches and memoranda connected with the Wall, and made discreet enquiries with the full knowledge of the parties. At no time did the Jewish side claim ownership of the wall or the pavement or the buildings adjacent to it, known as the Moghrabi Quarter. Rather, it asked the Commission “to give recognition to the immemorial claim that the Wailing Wall was a Holy Place for the Jews, not only for the Jews in Palestine, but also for the Jews of the world.”

In its report, the Commission stressed that the Jewish side “[did] not claim any property right to the Wall.” Nevertheless, it thought proper to explore this issue, which was, in effect, to explore the propriety of the Muslim claim of ownership, and arrived, inter alia, at the following conclusions:

A – To the Moslems belong the ownership of, and the sole proprietary right to, the Western Wall, seeing that it forms an integral part of the Haram-esh-Sherif area, which is a Waqf property.

To the Moslems there also belongs the ownership of the Pavement in front of the Wall and of the adjacent so-called Moghrabi (Moroccan) Quarter opposite the Wall.

Such appurtenances of worship and/or such other objects as the Jews may be entitled to place near the Wall either in conformity with the provisions of this present Verdict or by agreement come to between the Parties shall under no circumstances be considered as, or have the effect of, establishing for them any sort of proprietary right to the Wall or to the adjacent Pavement

This last caviat was of special importance to the Arab side as explained to the Commission.

The Commission recognized the right of access to the Wall for the Jews on the basis of long usage which is recognized by Muslim law. In the view of the Commission, Muslim law seems “to justify the conclusion that the mere access of the Jews to the Wall has not been held by the Arabs as an infringement of the Moslem Law for if it had, the visits would long ago have been prohibited.” In holding this, the Commission cited in particular the relevant Article of the Ottoman Civil Code, the Majalla, “Everything which is not in itself illegal and which has been practiced from immemorial times, shall be respected as a right,” which is a Shari’a long-established rule. The Commission did not establish when these immemorial times have started; nevertheless the Muslim side did not question that the practice has been allowed for long time under Muslim rule of Jerusalem.

The Jewish side asked the Commission “to decree that the drawing up of any regulations that may be necessary to Jewish devotions and prayers at the Wall shall be entrusted to the Rabbinate of Palestine”. It asked further that the Commission may suggest to the Mandatory authorities to make a valuation of the Moghrabi Quarter and relocate it somewhere else in Jerusalem. Both requests were denied by the Commission. As to the devotional rights of the Jews, the Commission decided to maintain the then existing status quo.

After the occupation of Jerusalem by Israel in 1967, Israel annexed the whole of Jerusalem, including the old city which, in law and all resolutions of the Security Council and UN General Assembly as well as the opinion of the International Court of Justice, is classified as ‘occupied territory’, and started changing the Arab character of the city. Its bulldozers destroyed the entire historic Moghrabi Quarter and other Arab properties near the Wall and created a very large area in front of the Wall. It laid its hands on the Muslim waqf properties and raided the offices of the Sharia court and carried away all its records. The world unique Dome of the Rock mosque bounded on the west by the Western Wall, which dominates the city and whose pictures adorn Israeli embassies and Israeli tourist brochures, is threatened with demolition because of the endless excavations beneath it. Muslim authorities who had maintained the Wall for centuries and allowed Jews to pray at it, face considerable difficulties in maintaining religious sites and other waqf properties that have remained theoretically under their control. The ‘Separation Wall’ cuts the city from its Palestinian natural surroundings and permanent road blocks control entry of Palestinians, not Israelis, to the city. Thousands of Palestinians are denied entry to the Mosque, particularly on Fridays, and forced to pray in the open or streets outside the Mosque. Licenses to build to meet demographic natural growth of Palestinians in the city are rarely, if ever, granted, and houses or additions to them without such licenses are pulled down. To add insult to injury, owners are ordered to pull down what they had built or pay the cost of demolition. Although Palestinian Jerusalemites pay full Israeli taxes and municipality dues, they hardly receive any services in the ‘united’ capital of Israel. Economic life is at its minimum. The whole purpose is to create intolerable conditions for them so that they will be forced to leave the city.

The Security Council, in Resolution 252(1968) adopted on May 21, 1968, “urgently” called upon Israel “to rescind all measures already taken and to desist forthwith from taking any action which would alter the status of Jerusalem.” The same Resolution “considers that all legislative and administrative measures and actions taken by Israel, including expropriation of land and properties thereon, which tend to change the legal status of Jerusalem, are invalid and cannot change that status”.

The tolerance by Arab and Turk Muslims, which permitted the creation of a right that did not exist before, has been rewarded by Israel by measures of utter disregard for their rights and the destruction of their heritage. The positive co-existence that prevailed during Muslim rule of the city has given way to bigotism, racism and exclusiveness, in a state considered by the world as the ‘only democracy’ in the Middle East. Inside Israel, the ethnic cleansing of Palestine did not stop at the expulsion of the Palestinians, but this step was followed by the complete destruction of towns, villages and neighbourhoods, the deletion of their names from signposts and road signs, and the invention of stories to describe the little that has remained. Mosques are desecrated: some have been turned into storehouses, others into coffee bars by those to whom the authorities passed ownership, although mosques are waqf property and may never be privately owned. It is ironic that when the Israeli settlements were removed from the Gaza Strip, none other than Peres (if I remember right), the present President of Israel, was of the opinion that the synagogues could be left alone because Muslims would not desecrate them. He was right. In the centre of the city of Nablus, the base of Palestinian nationalism, there is still standing a tomb reputed to be that of Joseph son of Jacob. It was kept and maintained by Palestinian Arab Muslims right until the occupation of the city by Israel in 1967. Near the Dead Sea, far from inhabited areas, there is a reputed tomb of Moses, which has been made the object of annual pilgrimages to Palestinians by none other the great Salahuddin (Saladin). Near Jericho, again far from civilization, there still stands a small synagogue of old, and in Al-Khalil (Hibron), named by the Arab Muslims after Abraham, there are the tombs respected and maintained by the Palestinians and honoured by the construction of a mosque in their vicinity. In fact, every reputed site pertaining to Judaism in Palestine has been preserved for centuries by the indigenous people of Palestine and their rulers. The same goes for Christian holy places, the Church of the Holy Sepulchure, the Church of the Nativity, the Church of Annunciation, and other Christian holy places. The keys to the Church of Holy Sepulchure have been entrusted for centuries to this very day by all Christian sects to two Arab Muslim families of Jerusalem who every day of the year open the doors of the Church for prayer and close them at the end of the day. In Jerusalem there are more churches than mosques. The respect for the City, its spirit and culture cannot be more demonstrated than by the fact that the Caliph himself, the great Omar, travelled on his camel all the way from Medina (in present Saudi Arabia) to receive the surrender of the City to the Arab Muslim army from its Christian Patriarch, at the request of the latter. No head of state in recorded history has ever done this before or after. Not only that, but the time for prayer arrived while the Caliph was visiting the Church. The Patriarch invited him to pray in the Church. Omar refused lest future generations might think of building a mosque where he had prayed. He left the Church and prayed outside, and there stands now a small mosque, as Omar had predicted, outside the Church called the Mosque of Omar. The Caliph himself signed the agreement of surrender with the Patriarch that guaranteed Christian holy places and their rights, and ever since, that agreement has been fully respected by successive Muslim rulers. Palestinian Christians, like their Muslim compatriots, are suffering the same under the occupation and are in the struggle against it. The Christian presence in the Holy Land and in Jerusalem has dwindled drastically since Israeli occupation. President Carter relates how during a visit he made to Jerusalem in 1990, some of the Christian leaders asked for an urgent meeting. He was able to meet them after midnight. He says:“[H]e was surprised to receive custodians of the Christian holy places plus cardinals, archbishops, patriarchs, and other leaders of the Greek Orthodox, Roman Catholic, Armenian, Coptic, Ethiopian Orthodox, Anglican, Lutheran, Baptist, and other faiths. They were distressed by what they considered to be increasing abuse and unwarranted constraints imposed on them by the Israeli government, and each of them related events that caused him concern.” Subsequently, he had a meeting with the then Prime Minister Yitzhak Shamir. After listening to Shamir’s declaration that “there was no official inclination to discriminate against Christians” and the explanation he gave, President Carter concluded: “He [Shamir] seemed to consider these matters out of his hands, and I understood for the first time why there was such a surprising exodus of Christians from the Holy Land.” As usual, there is no ‘official’ discrimination, but ….One wonders what the Judeo-Christian values are. The representatives of these different Christian faiths are the spiritual leaders who continued, as their ancestors have done, to trust the same two Palestinian Muslim families with the keys to the holiest of Christian sites.

“Despite their [the Jewish] remarkable contributions in all aspects of society, many Jews were killed and others driven from place to place by Christian rulers. Although not given the same rights as Muslims, both Christians and Jews who lived in Islamic countries often fared better than non-Christians in Christendom, because the Prophet Muhammad commanded his followers to recognize the common origins of their faith through Abraham, to honor their prophets, and to protect their believers.”

Visitors to the University of Tel Aviv would not know, and may not enquire, that this centre of learning has been built on the ruins of the Palestinian village of Shaykh Muwannis and that the University’s faculty club is the village’s few remaining houses.

This is the spirit of Jerusalem and Palestine and that of their people. This spirit is now threatened by an ideology of racism and exclusivism, of ethnic cleansing and erasure of history. The new synagogue built recently in the vicinity of Alaqsa Mosque and the Western Wall is used as a rabbinical school from which will graduate generations of Jewish fundamentalists who, most certainly, will cause trouble in the Mosque area, and, like other settlers, will attempt to put foundations for the construction of a temple within the Mosque’s area in pursuance of a myth. Their activities will be protected by the armed forces of Israel, and another fact on the ground will be established. Bloodshed will certainly follow, and the Mosque area will be closed to Muslims as a military zone. This scenario, which I hope will never be performed, is in line with Israeli step by step practices of creating facts on the ground. The Wailing Wall will become a true wailing wall and the struggle will take a most dangerous turn. It will become religious. I pray that this will never happen, but the seeds are now in place through the construction of this synagogue so close to the Mosque area. Should that happen, Jerusalem will no longer be the Jerusalem of the three faiths living together. It will become the Jerusalem of religious extremism and religious warfare, and Israel will be responsible for all this. I love my city from whose spiritual fountains generations of all faiths drank to the full and made it what it is. I hope there will be Jews who will prevent this tragedy from happening. The spirit of Jerusalem must not be allowed to be dulled.

The Wall of Separation or Final Solution?

“Something like this is done to animals, not to human beings”

The Zionist project for the colonization of the whole of Palestine, as ideologized by Jabotinsky, is not yet complete. Israel has appropriated and ruinously transformed only 80% of the country and there is still a small minority of Palestinians in the area of Palestine called Israel. The occupation in 1967 of what has remained of Palestine heralded an opportunity for the completion of the project. However, the Zionist project demands a Jewish majority with, utmost, an ineffectual minority of the indigenous population. The occupation brought with the land about four million indigenous Palestinians, who, with the Palestinian minority inside Israel, will soon surpass the Jewish majority if the opportunity is not seized upon to colonise and cleanse the whole of Palestine. Jewish immigration is fast drying up, let alone the counter emigration generated by the instability of the region, and in Palestine in particular after the occupation. The question of the land is being solved through unrelenting expropriation and the creation of more and more illegal settlements to which Israel encourages the movement of its Jewish citizens; but this does not solve the demographic problem. The indigenous population is still there and all kinds of oppressive measures so far have failed to extinguish the spark of hope about which Jabotinsky has spoken. To add to this, the Palestinians victim of the earlier ethnic cleansing are holding fast to their natural and legal right of return to their homes and villages in Palestine, wherever they had been, inside or outside Israel.

The choices for Zionist Israel, if it wants to pursue the Zionist dream to the end , are clear: A choice that is aired in the open under the name of ‘transfer’, which is a euphemism for ethnic cleansing or expulsion of the millions of Palestinians; while the second choice is to force the Palestinians, step by step, into utter capitulation and loss of hope. This can be achieved through the creation of harsh living conditions that will gradually force them to leave the country. . The first choice must wait for a ‘proper opportunity’, as Ilan Pappe calls it, to avoid the certainty of violent reaction from the Palestinians themselves and a possible international condemnation, while the second choice can be carried out step by step, in the same way that colonization, through the gradual expropriation of land and creation of illegal settlements, has been accomplished.

The so-called Separation or Segregation Wall must be looked at, in my view, as one of the instruments to implement the second choice. That is why I called it the Wall of Final Solution. In this final part of the article I shall concentrate on some aspects of the decision of the Israeli Supreme Court, sitting as a High Court of Justice (IHCJ), which do not seem to have been fully addressed by comments on that decision and on the Advisory Opinion of the International Court of Justice on the consequences of the construction by Israel of a wall in the Occupied Palestinian Territories (OPT). The IHCJ decision is Mara’abe vs The Prime Minister of Israel, handed down on 15 September 2005, HCJ 7957/04, that is after the Advisory Opinion (9 July, 2004), in which IHCJ commented on the Advisory Opinion of ICJ . These aspects are:

(1) The factual basis.
(2) The settlements and settlers.
(3) The question of enforcement of the Advisory Opinion.

1 – The Factual Basis

It is perhaps misleading, without actually knowing at least some of the specifications of this construction to call it a ‘wall’, a ‘fence’, an ‘obstacle’ or a ‘barrier’. ‘The good wall’ started by Sharon to ‘make good neighbours’, is a very complicated thing. “The separation fence is an obstacle built of a number of components”, writes President Barak of the Israeli Supreme Court in the Mara’abe Case: “In its center stands a ‘smart’ fence…On the fence’s external side lies an anti-vehicle obstacle, composed of a trench or other means…There is an additional delaying fence. Adjacent to the fence, a service road is paved. On the internal side of the electronic fence, there are a number of roads: a trace road, and a road for armoured vehicles, as well as an additional fence. The average width of the obstacle, in its optimal form, is 50-70 meters. Due to various constraints at certain points along the route, a narrower obstacle, which includes only part of the components supporting the electronic fence, will be constructed. In certain cases the obstacle can reach a width of 100 meters, due to topographical conditions.” When completed, its length will be approximately 763 km , having started with a length of only 116 k.m. 150.4 km. is inside of Israel or on the Green Line. This means that about 610 km will be constructed on Palestinian land, and the area to the west of it, will be on the Israeli side, detached from its Palestinian surroundings. The Wall is eight metres (24 feet) high, and in some parts, of concrete blocks, with electronic surveillance, watch towers, electrified spiked wire fence, and gun emplacements. The Wall cuts deep into Palestinian land, clearing homes and farmlands, uprooting trees and separating villages and families. It is estimated that, when completed, 47% of the West Bank will have been placed on the Israeli side . The Wall puts Palestinian water aquifers and Palestinian water wells on the Israeli side, and encircles the whole of the West bank forming a boundary for it with Israel and separates it from neighbouring Jordan. It is public knowledge that Jordan stands guard on its borders and no attacks have been reported on Israel or the settlements from across the River Jordan. The peace treaty is respected and enforced. How then may the inclusion of the border with Jordan in the Wall be justified on security grounds? The Wall brings in Israel all settlements illegally established in the West Bank and connects them with Israel by roads built on expropriated Palestinian lands. Again it is within public knowledge that Sharon has asked for and obtained a letter of assurance from President Bush that any peace settlement with the Palestinians would include incorporation in Israel of at least the large settlements of the West Bank. The cost of construction of the Wall runs into billions of dollars, estimated at US$4.3.

All these are facts that, one would assume, should have been known to the Israeli Supreme Court when considering the legality of the Wall. However no significance is given to them by a court that based its differences with ICJ on the factual situation. The Court accepted the assertion that this kind of a wall was of a temporary nature and that the motive behind it was not political.

IHCJ was of the opinion that the difference between the Advisory Opinion and its decision “stems primarily from the difference in the factual basis upon which each court made its decision”. With respect, the basis of the difference seems deeper. With this kind of a ‘fence’ established as fact before IHCJ, it is difficult to accept, as the Court has accepted, the assertion of the Israeli government that the wall is of a temporary nature, and not politically motivated. It is much more difficult not to agree with the conclusion arrived at by ICJ that “The Court[ICJ] considers that the construction of the wall and its associated regime create a ‘fait accompli’ on the ground that it could well become permanent, in which case, and notwithstanding the formal characterization of the wall by Israel, it would be tantamount to de facto annexation” . Instead of looking at the facts pertaining to the Wall itself to determine its nature and the consequences of its construction, the Israeli Supreme Court looked at government assertions and accepted them. Assertions are not the proper criterion to judge motives. Facts speak louder than words, and the facts of this case as to the nature of the Wall, its chosen route and expense rebut the assertion that it was not politically motivated.

The Court has fallen in this trap before when it accepted that the creation of settlements was ‘security’ and not ‘politically’ motivated on the basis of government and security assertions. These settlements are now described by the Court itself as ‘Israeli towns’ or ‘Israeli communities living’ in Judea and Samaria. They are no longer called ‘security’ outposts. A dilemma is now facing IHCJ as to the legality of these settlements because of its earlier acceptance of these assertions. The unanimous opinion of all the judges of ICJ, including the dissenting American judge, Buergenthal, is that the settlements are illegal. Even Israeli jurists, such as Professor Kretzmer cited by the Court in paragraph 20 of its judgement, agree with ICJ. Faced with this dilemma that, may it be repeated, resulted from acceptance of government and security assertions without proper consideration, the Court has found itself restrained from dealing with the legality of settlements, leaving the question open for the future. It is submitted that ICJ was correct in its conclusion from these indisputable facts about the Wall – facts that do not seem to have carried any weight in the conclusions of IHCJ because of its acceptance of government and security assertions. As to security, there is certainly a better and much less costly alternative to the Wall, discussed below, that does not give rise to questions of legality.

The Court treated the land taken for the construction of the Wall as having been taken into ‘possession’, not expropriated or changed in ownership. It argued that there is a difference: taking into possession calls for payment of compensation and it will expire at the date set in the possession order. However, the Court failed to mention that it is within the exclusive power of the military commander to renew his order indefinitely, and that his order becomes effective and final, no matter what challenges are made to it. It also treated the question as a simple private law matter, with no relevance to the fact of occupation and its effect on the territorial integrity of the Palestinian Occupied Territory, which should not be touched. A citizen has no right to dispose with or cede any part of the territory of his country, either through transfer of ownership or possession, to a foreign power, assuming, which is not the case, that Palestinian landowners have agreed to the transfer of ‘possession’. Suppose the military commander did not renew his possession order, how would it be possible for the owners of the land to recover possession of land on which this kind of Wall has been erected? Judging from experience, this de facto situation, which tried to avoid the sting of ‘expropriation’, is expropriation in disguise and falls within the category of irreversible facts on the ground, another fait accompli, as noted by ICJ.

IHCJ thought that the legality of the Wall should be approached on the basis of segment by segment and repeatedly criticized ICJ for looking at the Wall as a whole. First, ICJ was responding to a question by the General Assembly about the consequences of construction of “a wall” in the Occupied Palestinian Territory (including Jerusalem), not a segment or segments, of it. Secondly, segmentation does not disclose the full picture or the total effect of the construction of the whole wall on the totality of the rights of the Palestinian People, as a people, and the integrity of their territory. This difference in approach made IHCJ, in the rare occasions where it asked for a reconsideration of the route of the Wall, to decide the issue exclusively on the basis of private individual rights, without paying any attention to the overall effect.

2- The Settlements and settlers

As stated above, the route of the Wall places Israeli settlements (and Palestinian lands) on the Israeli side under the pretext of providing security to settlers. ‘Israeli-only’ roads have been constructed on expropriated Palestinian territory inside the Occupied Palestinian Territory to connect the settlements with Israel. Palestinians are barred from using these roads, and the Israeli Supreme Court, upheld, by a majority, this obviously racist act. Israel is a party to the International Convention on the Elimination of All Forms of Racial Discrimination. Yet, the Court has done again what it did regarding the Covenant on Civil and Political Rights, to which Israel is also a party: it adopted the Israeli practice of ‘accept and ignore’, although ICJ has rightly held that human rights treaties are binding on Israel and are applicable to the Occupied Territories. This and similar racist decisions handed down by the highest court in Israel confirms the apartheid nature of the regime, and, most unfortunately, undermine the international struggle against racism and racial discrimination, including of course the struggle against anti-semitism and Islamophobia.

The question is whether the particular route chosen for the Wall is legal. Let us look at the facts, as IHCJ has determined as the proper course. Factually, the Wall places a considerable part of the area of the West Bank in de facto annexation, out of reach for Palestinians and the Palestinian Authority. The Wall imposes collective punishment on the whole Palestinian community in the West Bank and locally on the areas placed behind the Wall and the communities it encircles. It places severe restrictions on their movement in the totality of their country and the areas concerned, and impinges on their personal human and economic rights. In view of these and other facts, ICJ was of the opinion that the Wall was illegal, the construction should stop and the constructed portions should be dismantled. ICJ rejected the security argument, and ruled that the settlements themselves violate the Fourth Geneva Convention and are illegal. David Kretzmer, professor of international law at the Hebrew University of Jerusalem has written the following in commenting on the question of settlements and settlers as expounded by the ICJ’s Advisory Opinion: “The [ICJ’s] view that Article 49(6) [of the Fourth Geneva Convention] does not apply only to forced transfers [as frequently argued by Israel] is well-founded. As paragraph 1 of Article 49 refers expressly to forcible transfers, it seems fair to conclude that the term ‘transfer’ in paragraph 6 means both forcible and non-forcible transfers. This conclusion would seem to flow from the object of the Fourth Geneva Convention, which is to protect civilians in the occupied territory, and not the population of the occupying power…While the Court was on firm ground in deciding that by establishing settlements on the West Bank the State of Israel had violated Article 49(6)… [T]he big question, however, is the effect of this violation on the legality of the separation wall”.

ICJ answer was the Wall was illegal. IHCJ raised the question “Does the military commander’s authority to construct a separation fence also include his authority to construct a fence in order to protect the lives and safety of Israeli communities in the Judea and Samaria area?” Judea and Samaria is used by the Supreme Court, meaning thereby the Occupied Palestinian Territory of the West Bank, but giving the impression that the Israeli communities were in an area inside Israel. The question should be rephrased to fit the situation by qualifying the fence as being constructed in the Occupied Palestinian Territory, and not just ‘a fence’. The Court answered the question in the positive basing its decision on its own jurisprudence in the interpretation of the Hague Regulations, instead of the Fourth Geneva Convention, which is the relevant international instrument. No attempt is made to show why preference is made to the Hague Regulations in this instance. The Court dismissed the Fourth Geneva Convention, which is a special Convention, in favour of its own interpretation of a general provision. This approach contravenes a basic rule of construction that the special overrides the general and the proper course would be to give effect to the special rather than the general.

In this determination, the Court did not consider the application of the principle of ‘balancing’ enunciated by it to determine whether construction of the Wall was the proper solution: “When the action can be performed in a number of ways, the Court examines whether the act of the military commander is an act that a reasonable military commander could have adopted.” In the same paragraph, President Barak, quoting himself, said; ‘The question before us is whether the military action withstands the national and international standards which determine the legality of that action”. It is submitted that an obvious action that a responsible reasonable commander, concerned solely with the safety of the settlers as well as satisfying the test of national and international standards, would be the transfer of the settlers back to Israel. This action is exclusively within the power of the state of Israel, and is supported by Israeli precedents. It has done it from the Sinai of Egypt with agreement of the Egyptian government, and from the Gaza Strip of Palestine without a similar agreement. The settlers were removed and the territory remained Egyptian and Palestinian, respectively. The fear of annexation of the areas previously occupied by the settlers was automatically removed. By this action the two requirements were met: reasonability on the one hand and the Israeli national interest and international standards on the other. The settlers were moved to the safety of their strong state.

This alternative solution has additional advantages: it will remove one of the great obstacles to peace, and will comply with relevant resolutions of the Security Council and UN General Assembly, as well as international humanitarian law. Another advantage, which should not be overlooked, is that it may help to protect Israeli leaders and generals from criminal prosecution for violating international law and international humanitarian law. In the case of Gaza, the evacuation ensured the safety of the settlers and removed the need to take any further action for that specific purpose. The problem that has remained is the problem of occupation. If the settlers in the West Bank area of Palestine are also transferred to their state, Israel, the termination of the present occupation will be reduced to agreeing on practical arrangements to achieve it. The fear of annexation, subjugation or ethnic cleansing will disappear; the Wall will become redundant and could safely be dismantled, if the assertions of the government of Israel were to prove right, or re-routed to the Green Line, if security concerns persist. Only then, peace will be within the grasp of both peoples. Is this not a better alternative to a Wall of hatred and mistrust that will only engender more and more animosity?

Unfortunately, it is not likely that this action will be taken, not for military reasons, but for political, and the Israeli Supreme Court seems to give support to this: first by refusing to take a clear position on the applicability of the Fourth Geneva Convention in its entirety to the Palestinian Occupied Territory, as it should, and second by supporting an interpretation of the Accords with the Palestinians that may give comfort to those who wish to perpetuate the illegal situation.

As to the first, the Court is simply satisfied that the government has declared that it will apply the humanitarian principles of the Convention, without defining what these principles are. This is not a satisfactory position that encourages good faith performance of obligations undertaken under a binding international treaty, or respect for the law in international affairs. As to the second, The Court says “The status of the settlements will be determined in the peace treaty.” This position was also taken in earlier judgements of the Court to the extent of blaming the Palestinians for the failure to conclude this treaty. We will not comment on the political aspect of such statements. Suffice it to say that the Court should know better, if it is looking for facts when it draws its conclusions. If the Court is to speak from the bench of justice according to law, it would, instead, have advised the parties to respect and abide by their obligations under the law, refrain from transgressing them or creating obstacles in the way of their enforcement. The role of a court of law is to encourage parties to abide by it through a proper elucidation of the law. It does not help to leave vital questions unanswered.

It is true that the question of the settlements was left to the final status negotiations. But this does not mean that they have become legal, or that more steps can be taken lawfully to protect their illegality. Their status remains illegal. This is not the stand of ICJ only, but is also the almost unanimous view of jurists and states. They are illegal, and their illegality stands, and it is most unlikely that any Palestinian authority will ever agree to more loss of their national home, a loss that will leave them only 20% of their land.

The choice of this alternative route, the transfer of the settlers back to the security of their state, would be in compliance with the military commander’s obligation to protect the settlers, as seen by IHCJ, and with his primary obligation under the Fourth Geneva Convention, to protect ‘the protected persons’, the Palestinians, from them. This latter obligation is an overriding obligation of the occupier. The settlers themselves are the main source of trouble in Palestinian areas near the settlements, which are strategically situated to divide Palestinian communities and control them – thus providing the atmosphere for daily friction and permanent conflict. They occupy farming or grazing lands, thus depriving these communities of a main source of livelihood, the settlers attack their Palestinian neighbours, uproot their olive trees and destroy their crops, prevent them from attending to the land, burn shops, occupy houses, wound and kill, and cause havoc. Settlements mushroom by the day through the action of any group of settlers wherever and whenever they decide, and more Palestinian land is being grabbed. Settlers do that while the representatives of the military commander watch and seem to enjoy the scenes of destruction, or worse still, shower the victims with gas bombs or rubber or live bullets. The victims are often arrested for defending their land or crop, while the settlers are either left in occupation of the land they had their eyes on, or escorted back to the safety of their homes. No arrests for breaking the law or for the damage inflicted, and of course no prosecution. Should not the military commander be held responsible for failing to provide protection to those whose duty is to protect? Only in October 2008, that the outgoing Prime Minister of Israel has decided to take notice of these activities – only notice – and the destructive forays continued, particularly in the annual season for picking the olive crops. The Court, thankfully, stated that “respondent [i.e. the military commander] has the duty to defend the population (Arab and Jew) in the territory under his control” (emphasis provided) . Has the Court, or indeed the entire judicial system in Israel ever enforced that duty of the military commander – the defence of the Arabs in the territory under his control? The Supreme Court knows very well that the answer is in the negative, and that its statement, by including “Arabs”, is, one is forced to say, a mere public relations exercise with no supporting facts on the ground.

Instead of discussing various alternatives and come to grips with the real source of the problem, the Court decided to extend the authority of the military commander and refused to take a position under the Fourth Geneva Convention. The Wall must remain, so should the settlers. The question is then: Is it permitted in law, for the authority in charge of the enforcement of law to take action to protect and perpetuate an illegal situation, or is it its responsibility to remove the illegality itself? Would it be legal for a policeman to provide a thief with a casket to protect the articles he has stolen? The illegal situation is not only the construction of the settlements, but also the act of transfer of population, the presence of the settlers as settlers. This illegality was committed by the military commander himself. Consequently the construction of the Wall by him will be to perpetuate this illegality and will be a further illegality on his part. Both, the creation of the settlements and transfer of settlers, as one step, and the construction of the Wall to protect them, as the second step, form a series of illegalities to achieve an illegal object, namely the annexation of Palestinian territory. The letter of guarantee given by President George Bush to Prime Minister Sharon regarding the future of settlements is a clear evidence of this decision of annexation, and the Wall seals this as a fact on the ground. This is another fact on public record that the Court failed to give effect to, or even notice. The fate of the settlements has been determined by Israel, no matter the final status negotiations with the Palestinians.

The action of the military commander will amount to the commission of more illegalities. It imposes conditions of collective punishment on the supposedly ‘protected persons’, while leaving the illegal settlers and settlements enjoying full ‘rights’. It affords them protection for their illegal activities and their illegal presence. The Wall would not have been needed if the settlements and settlers were not there, assuming of course that the motive of constructing the Wall was security.

It is not open to an occupying power to settle its citizens in the occupied territory and then impose restrictions on or adversely affect in any way the rights of the ‘protected persons’ for the protection of the settlers’ illegal presence. The Court was indeed right where it said: “The mere fact that the action is called for on the military level does not mean that it is lawful on the legal level.” Assuming the action of constructing the Wall on the military level is called for, the fact that it is intended to perpetuate and protect an illegal situation that should be removed, and the fact that its construction affects adversely the protected rights of the protected persons, makes it unlawful on the legal level. The rights of the protected people, be they human rights, humanitarian or national rights, must not be violated in order to protect or preserve an illegal situation: the presence of settlers in the occupied territories and their unlawful activities. The creation of a large prison, with hundreds of cells inside it, for the persons supposed to be the primary responsibility of the occupier, in order to allow complete freedom of action and movement for illegal settlers, is not in any way a proper discharge of the occupier’s obligation.

No doubt, every individual has the right to safety, and, as the Court emphasized, it is the duty of his state to protect him. But, in a situation of occupation, the occupying power should fully observe the Fourth Geneva Convention in its entirety: it should not create an illegal situation (in this instance through the transfer of its citizens to the occupied territory), and should protect the rights of the ‘protected persons’. The Court rightly observed that the settlers do not fall into the category of ‘protected persons’ as defined in the Fourth Geneva Convention. But the primary responsibility of the military commander is exactly the protection of the ‘protected persons’. In the discharge of this responsibility, the military commander may not authorize or create a situation in which the rights of his chargees may be placed at risk, or if such a situation has arisen, it will be his responsibility to eliminate it. The ‘balancing’ concept has no application: there is no balancing between illegality and legality.

The Court seems of the opinion that the military commander cannot prevent a citizen of his state from entering the occupied territory, and that Israelis have the right to roam at will in the occupied territory. This is a tall proposition. The occupied territory is not part of the territory of the military commander where he may not have authority to control movements of citizens. However, he has this authority in the occupied territory and he exercises it frequently over the ‘protected persons’, the Palestinians, themselves. He restricts their movement, he imposes curfews, he violates the privacy of their homes, he makes arrests at will, he even kills and assassinates. It is certainly within his powers to place restrictions on others, Israelis and non-Israelis for the protection of public order and safety. His obligation reaches greater heights when it comes to settlers. Their very presence in the Occupied Palestinian Territory is illegal, and it will be in breach of his obligation to allow that presence and any activity by the settlers. By this he will not be violating their rights. On the contrary, he will be enforcing the law.

3- Enforcement of the Advisory Opinion

It must be said. It is high time that Israel and Israelis be held accountable for their actions, like all other states and other people. Israel should not be allowed to continue violating international law, international humanitarian law, and the rights, inalienable and human, of the Palestinians with impunity. It should not be allowed to continue its illegal occupation and its utter disregard of the resolutions of the UN Security Council and General Assembly, and act in disrespect for the opinions of the International Court of Justice. In other words it should not be permitted to remain above the law. It is no excuse that, because of the persecution of the Jews in the West, it can persecute the Palestinians, who in no way were responsible for their persecution. If the West is to make amends, they should do that at their own expense and the expense of their own rights. One holocaust should not be allowed to breed another. Israel and Israeli leaders have committed acts of ethnic cleansing of the Palestinians, and are preparing the ground for further catastrophes through the construction of a Wall in which the Palestinians will be caged under the ‘mercy’ of Israel and its vandal settlers. The Wall, with its inner prison cells of closed areas and checkpoints, will be at the utter control of Israeli whim and settler hooliganism. The present crippling siege of Gaza is an indication of what is to come. Negotiating with Israel has proved that it will not lead to a just solution or permanent peace. Fifteen years have already passed on the Oslo Accords, and the situation has deteriorated through more and sweeper violations of the rights of the Palestinian people. Agreements to stop the expansion of settlements led to more settlements and greater expansion of those already in existence. Jerusalem is being completely Judiasised, and its Palestinian population is being expelled or forced out through various restrictions on their presence in their city. Facts on the ground, declared temporary, have become permanent. This must be stopped, and it can only be stopped through the enforcement of the rule of law through international action. The American administration bears great responsibility for thwarting action that could have prevented the situation from reaching this level of lawlessness. Other members of the international community can and should challenge this lawlessness, for there will be no future peace and harmony in the world if such situation is allowed to continue or to create this dangerous precedent.

The question of enforcement has been raised by a number of commentators mainly on the ground that, by their nature, advisory opinions are advisory, and therefore, not binding. IHCJ is of this opinion. However, not being ‘binding’ does not mean that they are unenforceable.

As to being not binding, it must be observed that ICJ adopts in its Advisory Opinions the same procedure it adopts in contentious proceedings. It invites all interested parties to submit their position and participate fully in the proceedings, including final oral submissions. In the present case, the Court invited all members of the United Nations, including Israel and Palestine, to participate. Israel submitted the position it has chosen to submit, but abstained from participation in the oral proceedings. That was its choice, and the Court has no power to force it to do more. On the other hand, Palestine, and some other members of the United Nations, including friends of Israel, decided to participate in all stages of the proceedings. None of the participants, including the friends of Israel, argued that the Wall was legal. And it was on the basis, factual and legal, provided to the Court that it gave its Opinion. It was open to the Israeli government to submit all the facts it deemed necessary to ICJ as it has done to IHCJ, if the facts submitted to IHCJ was indeed more than what was under consideration by ICJ. ICJ had before it not only the evidence Israel had decided to provide, but also the evidence of independent bodies and governments. It had therefore a wider vision of the situation, and its Opinion, given as it was by an unprecedented majority of utterly independent judges, deserves greater authority than a decision of IHCJ.

The Advisory Opinion was given to the UN body that was entitled to ask for it, the General Assembly. This Opinion is binding on the General Assembly in any action it decides to take concerning its subject-matter, but does not bind the General Assembly to take any action. However, the General Assembly decided to act. On 20 July 2004, in its 27th plenary meeting, it adopted resolution A/RES/ES-10/15 “Advisory opinion of the International Court of Justice on the Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory, including in and around East Jerusalem.” The Resolution noted ‘in particular’ that the Court replied to the question put forth by the General Assembly, and repeated the conclusions arrived at in the Advisory Opinion, noting also that the Court concluded that “the Israeli settlements in the Occupied Palestinian Territory (including East Jerusalem) have been established in breach of international law.” The Resolution then proceeded to its operative part:

“Considering that respect for the Court [ICJ] and its functions is essential to the rule of law and reason in international affairs,

1. Acknowledges the advisory opinion of the International Court of Justice of 9 July 2004 on the Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory, including in and around East Jerusalem;
2. Demands that Israel, the occupying Power, comply with its legal obligations as mentioned in the advisory opinion;
3. Calls upon all States Members of the United Nations to comply with their legal obligations as mentioned in the advisory opinion.

In the same resolution, the General Assembly, in operative paragraph 4, took action within the powers of the United Nations by requesting the Secretary General “to establish a register of damage caused to all natural or legal persons” for the purpose of payment of compensation to them for the damage sustained in consequence of the construction of the Wall. In operative paragraph 5, it decided to reconvene “to assess the implementation of the present resolution, with the aim of ending the illegal situation resulting from the construction of the wall and its associated regime in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem”. In operative paragraph 6, it called upon both the Government of Israel and the Palestinian Authority to immediately implement their obligations under the road map. In operative paragraph 7, it called upon states parties to the Fourth Geneva Convention to ensure respect by Israel for the Convention. This resolution was adopted by a majority of 150 as against six, which is one of the highest in the history of the United Nations. The majority included all members of the European Union, but not of Israel and USA, who voted against it. Thus the international community, through the UN General Assembly, has adopted both, the legal foundation and the findings, of the Court and made them binding The General Assembly went further. It took steps of enforcement, through the operative paragraphs referred to above.

The action taken by the General Assembly is a first step in the enforcement of the Advisory Opinion. However, this step can and should be followed by further action by the United Nations, the General Assembly and Security Council who had been asked by the ICJ in paragraph E of its conclusions to consider “what further action is required to bring to an end the illegal situation resulting from the construction of the wall and the associated regime, taking due account of the present Advisory Opinion.” The American veto stands in the way of action by the Security Council, which raises the serious question of American culpability, in view of the ruling of ICJ that “All States are under an obligation not to recognize the illegal situation resulting from the construction of the wall and not to render aid or assistance in maintaining the situation created by such construction…” (emphasis provided).

The General Assembly is free from obstruction to the rule of law by a veto of any state. It may engage actively, as it has done in the case of Namibia, to make Israel abide by the law as declared by ICJ. In the case of Namibia, ICJ delivered an advisory opinion in which it concluded that South African occupation (under the apartheid regime) of Namibia was illegal. The General Assembly did not leave the matter in the hands of the Security Council. It acted independently and achieved an end to Namibia’s occupation. The same can be done to enforce the Advisory Opinion regarding the Wall and the other Israeli violations of the rule of law. In fact, ICJ indicated the way this can be achieved: enforcement of the resolutions of the Security Council and General Assembly, guided by the principles of law set out in the Advisory Opinion. Therefore, the General Assembly can initiate steps of various sanctions against Israel culminating in total boycott, until it complies with the ruling of the Court. With resolution ES -10/15 having been passed with such huge majority, there is a good chance that such steps will also be approved.

The authority of the General Assembly to take action to meet a threat to international peace was thoroughly discussed by ICJ. The Court held that, in cases where international peace and security are threatened, the General Assembly has the same authority as the Security Council to take the action it deems proper. Dependence on the Security Council, where action is thwarted by irresponsible vetoes, is out of the way and the General Assembly can take matters into its own hands.

The second body that can take effective action is the General Conference of the High Contracting Parties to the Fourth Geneva Convention. The Advisory Opinion specifically called for this action. ICJ referred to “an additional obligation” that States Parties to the Convention have, namely: “while respecting the United Nations Charter and international law, to ensure compliance by Israel with international humanitarian law as embodied in that Convention.” The General Conference, like the UN General Assembly, has already called upon Israel to desist from construction of the Wall. But the call by both has been ignored. The General Conference needs to move further to ensure respect for the Convention. Sanctions may be needed now to protect enforcement of this hard won Convention. The protection of this Convention is so vital to humanity to allow precedents of unpunished violation to be established or passed over.

Thirdly, in view of the Advisory Opinion, any state or group of states may take whatever action permitted by international law to bring about compliance by Israel of the ruling of ICJ. Such action will be in obedience to their obligation to ensure respect for international law as pronounced by the Court.

Fourthly, prosecution before the International Criminal Court is possible. It is true that Israel is not a party to the Rome Convention that created the Court. However, it is within the power of the Security Council to initiate criminal proceedings against Israel and Israeli officials suspected of committing war crimes or crimes against humanity. This has been done in the case of the Sudan, which is not a party to the Convention. If it can be done against the Sudan it should be possible to do it in the case of Israel, particularly in view of the ICJ Advisory Opinion that specifically ruled that the construction of the Wall and the creation of settlements are illegal. Of course, there is the readily available American veto, but, who knows, the American government may be awakened to its responsibility to uphold the rule of law whoever the accused happens to be. At least it is worth trying. Similarly, a special tribunal can be created in line with the other special tribunals that have been created to consider actions in specific situations, like the tribunal for former Yugoslavia.

NGOs have a role to play, and they can play it. Grave violations of the Fourth Geneva Convention are crimes against humanity and war crimes as well. The courts of some countries have general jurisdiction to try these cases, and some NGOs have not missed on this. They have started criminal proceedings in national courts against Israeli generals accused of alleged crimes of this type. The most recent, perhaps, is the action before the Audiencia Nacional, the National Court of Spain (the highest Spanish judicial council) against six Israeli generals. The court accepted a petition from the Palestinian Centre for Human Rights that suggested the generals were guilty of war crimes in the Gaza Strip during the summer of 2002, and issued arrest warrants against the generals.

Before that, in 2005, similar warrants of arrest were issued by an English court against General Doron Almog (one of the six against whom the Spanish court has issued the warrant of arrest). Almog was travelling to London, but he stayed in his plane upon arrival rather than risk arrest. After the Almog precedent, another Israeli general cancelled his trip to England where he was to attend a military course, and the army advised its generals to avoid travelling abroad.

In New Zealand, former Israel Chief of Staff Moshe Ya’alon was spared arrest or any proper prosecution despite a decision by a judge in the District Court at Auckland to issue warrants for his arrest on suspicion of committing a grave breach of the Fourth Geneva Convention. According to reports from New Zealand, “his escape from justice was facilitated by the intervention by the New Zealand Deputy Prime Minister and Attorney General. … The arrest warrant was extinguished by the Attorney General directing the District Court to stay the prosecution permanently.”

Before all this, action was taken in Brussels, Belgium, against Sharon, former Israeli Prime Minister, while he was in office.

Israel will undoubtedly fight, on the political level, these actions as it has fought the action against Sharon. The aim of Israeli pressure is to prevail on governments to amend the general jurisdiction of their courts – and limit it, in one way or another, so that Israeli generals and politicians will not be exposed to trial for crimes alleged to have been committed by them. This was achieved to some degree in the Sharon trial in Belgium. If successful, it will be a retrograde step in the protection that international humanitarian law affords, and the integrity of the judicial system in the countries concerned will be at stake. It is indeed very dangerous to whittle down, for any reason, the chances of prosecuting suspected war criminals and criminals against humanity. Israel should remember that it was this general jurisdiction that enabled the trial of Nazi criminals, and if removed no one knows who will escape punishment in the future. It will be a drastic step that will give comfort to present and future criminals, and may provide safe havens to them. Let the generals stand trial without interference in the judicial process. They have on their side the presumption of innocence until proven guilty, so why should they escape punishment if proven guilty or have their names clouded with accusations if they are innocent? Israel alleges that it is a democracy, the only democracy in the Middle East; where the rule of law prevails; where every soldier, according to the Israeli Supreme Court, carries with him a manual of the rules of warfare; where every general, would, presumably, have learnt it by heart by the time he reaches this rank; and where the slogan ‘purity of the gun’ has been raised. What is it, then, that Israel and its generals are afraid of?

Notes:
1) Holy Bible, Authorized Version, Micah, chapter 2, 1-2

2) A Palestinian farmer after Israeli bulldozers uprooted his olive trees to make way for the Separation Wall, quoted in “Voices from Occupied Palestine”. www.eduvoyage.com/Palestine/viewVoice.php?voiceID=38&categoryID=1…

3) For a comprehensive study see Alan Hart’s two volume analysis Zionism The Real Enemy of the Jews, publisher World Focus Publishing, Kent, England (2005 and 2007) and Ilan Pappe The Ethnic Cleansing of Palestine, first published by Oneworld Publications Limited, Oxford, England, first published in 2006. . On legal aspects, see Victor Kattan from Coexistence to Conquest: International Law and the Origins of the Arab-Israeli Conflict 1891-1949 (forthcoming 2009, London Pluto Books).

4) See 51 Documents: Zionist Collaboration with the Nazis, ed. Lenni Brenner, Barricade Books, Fort Lee. New Jersey, (2002) p 32, and can be seen at the internet by searching for its title.

5) One of the latest examples is a circular by the Minister of Defence, Ihud Barak, to Israeli universities not to enroll Palestinian students in science faculties. Some universities objected, but, as of writing, the question remains.

6) Quoted from an article by Jonathan Cook Israel’s Surprising Best Seller Contradicts Founding Ideology, www.Arabmediawatch.com 8th October 2008. All references to this book are to Mr. Cook’s article. Mr. Cook states that the book will be translated into Arabic and English and the author expects a rough ride when the English publisher Verso launches the book in America next year.

7) See above footnote.

8) Wikepedia.org/wiki/Western¬_Wall. Last visited on 18th September 2008 .

9) Last visited on 18th September 2008.

10) References in this article and quotations are from a review of the book by journalist and author Jonathan Cook. For the full review of the book see www.arabmediawatch.com/amw/Articles/Analysis, 8th October 2008, under the heading “Israel’s surprising best seller contradicts founding ideology”. Last visited 16th October 2008. Mr. Cook says that the English translation of the book will be available in USA by its English publisher Verso next year (2009)

11) It is interesting to note that the editors of Wikipedia have permitted an unusual run of the history of the Wall, by allowing a jump in the historical narrative from the year 70 B.C. (the Siege of Jerusalem) to 1517-1917 A.D. (the Ottoman Period). This is a long stretch during which the history of Palestine and its population have changed dramatically. References are made to additions to the Wall, but nothing is mentioned about its history and the relationship between it and the Jews. For most of this period, Palestine, including Jerusalem, was ruled by Muslims, whether Arabs or Turks, or Mamluks, under a Muslim Caliphate, and it was during this period that the Jews enjoyed full religious freedom and freedom of movement and residence in Muslim lands. Despite its long history, of which the presence of the Hebrew tribes, as distinct from the rest of the population, was comparatively short and surrounded by mythology, the editors allowed Palestine to be referred to as the ‘Land of Israel,’ implying thereby a continuous uninterrupted history of Israel of old, which is a political, not historic statement.

12) For details see Victor Kattan, op.cit. Chapter 5, Arab Opposition to Political Zionism. For the full report of the Commission see: www.unispal.un.org. Search for A/7057/Add.1 – S/8427/Add.1 , and letter dated 23 February 1986 by the Permanent Representative of Jordan to the Secretary-General of the United Nations after Israel commenced bulldozing the buildings of the Moghrabi Quarter ref: A/7057, S/8427.

13) It is important to note that the Jewish side was represented by the religious and political bodies with the greatest influence within the Jewish community worldwide. These bodies were: the Rabbinate of Palestine, the World Association of Rabbis, the Jewish Agency for Palestine (which was recognized by the League of Nations as representing world Jewry), the Vaad Leumi and the Agudath Israel.

14) The pavement was constructed by Afdal, the son of Salahuddin (Saladin) in 1193 A.D, and constituted into an Islamic waqf i.e. a Muslim religious endowment owned in perpetuity by the Muslim community.

15) The Moghrabi Quarter buildings adjacent to the Wall were built in 1320 A.D. “to serve as lodgings to Moroccan pilgrims” and were made a Muslim waqf by Abu Madian. These historic buildings were swept away by Israel to enlarge the area adjacent to the Wall.

16) The Commission noted that the Muslims of Jerusalem were always alert to the Jewish attempt to exploit Muslim tolerance in order to claim at a later stage, a right of ownership. In 1911, the Guardian of the Abu Madian Waqf (Moghrabi Quarter0 complained that the Jews, contrary to usage, had placed chairs on the pavement, and he requested that ‘in order to avoid a future claim of ownership” the present state of affairs should be stopped”. The Arab side argued that after stools would come benches, the benches would then become fixtures and before long the Jews would have established a legal claim to the site. As a direct result of the complaint, the British Administrative Council decided that it was not permissible to place any articles on the pavement that could “be considered as indications of ownership.” The step by step policy implementation of Zionism’s strategy is Zionism’s master method which is still pursued for the Judaisation of the whole of Palestine.

17) Ilan Pappe p 103.

18) Ilan Pappe, pp 158-159 and p 163.

19) Jimmy Carter, Palestine: Peace Not Apartheid, Simon & Schuster, 2006, p. 126-127..

20) Carter p.127.

21) To Muslims, the authority is higher than that of the Prophet. The Qur’an itself, the Holy Muslim Book, ordains this.

22) Carter, p 64.

23) Ilan Pappe p 103.

24) The German Cardinal Joachim Meiser after crossing the Separation Wall, as reported in Haaritz of 7th March 2007

25) The outgoing Israeli Prime Minister, Ihud Olmert, declared before leaving office in September 2008, that the dream of ‘Greater Israel’ was over. Whether his successors in government will hearken to his statement and change course because of this realization remains to be seen.

26) Noam Chomsky describes the Wall as a Weapon, A Wall as a Weapon, The New York Times, February 23, 2004. www.chomsky.info/articles/20040223.htm Last visited 8/6/2008.

27) For a detailed discussion see Victor Kattan “The Legality of the West Bank Wall: Israel’s High Court of Justice v. the International Court of Justice”, Vanderbilt Journal of International Law, Vol. 40, pp.1424-1521. For a succinct summary of the Advisory Opinion, see Susan M Akram and John Quigley “A Reading of the International Court of Justice Advisory Opinion on the Legality of Israel’s Wall in the Occupied Palestinian Territories, July 19, 2004,at www.palestinecenter.org., and generally, for example, Pieter H.F.Bekker, “The World’s Court Ruling Regarding Israel’s West Bank Barrier and the Primacy of International Law: An Insider’s Perspective”, 38 Cornell International Law Journal 553 (2005), “AGORA; icj Advisory Opinion on Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory, 99 American Journal of International Law (2005) a number of contributors, Ian Scobbie, Smoke, mirrors and killer whales: the International Court’s opinion on the Israeli barrier wall”, 5 German Law Journal, No 9 91 September 2004 – European International Law

28) At paragraph 4.

29) This is more than twice the length of the green line (315) separating Israel from the West Bank.

30) At paragraph 3.

31) At paragraph 6.

32) Kathleen McQuillen, Iowa Program Coordinator, American Friends Service Committee, Iowa Program News, Issue 23, winter 2008, p. 1.

33) When one looks at the ‘facts’ as stated in the decision of IHCJ, which presumably formed the ‘factual’ basis of the judgement in the Mara’abe Case, one can hardly conclude that all the facts had been taken into account. After detailing the casualties suffered by Israelis, presumably provided by the security agencies of the government, the Court brought in a ‘balancing’ statement about Palestinian casualties in one short sentence: “On the Palestinian side as well, the armed conflict has caused many deaths and injuries. We are flooded with bereavement and pain” (paragraph 1).That was all; no figures, no mention of how these have been inflicted or by whom, and no further mention in a long judgement of sixty pages. The Court never looked at the effect of the Wall as a whole on the rights and lives of the Palestinian people. According to estimates published before the two courts delivered their decisions the projected collateral damage to Palestinians was as follows: 22% of West Bank’s (WB) land will be confiscated, 60% of WB lands will be isolated into cantons, enclaves and military zones, 10% of agricultural land of WB will be lost, 15% of WB population isolated in the Israeli controlled side” of the Wall, 680,000 Palestinians deprived of means of livelihood, 34% of Palestinian individuals directly affected, 19% of WB population will be separated from their land and water resources, 700 million cubic meters of water will become inaccessible annually, the area left for the Palestinians will be no more than 52% of the West Bank ( TANMIYA, THE Quarterly newsletter of the Welfare Association on Palestinian development issues, February 2004). These facts were of no concern to the Israeli Supreme Court, but no doubt concerned ICJ in its overall assessment of the effect of the Wall.

34) At paragraph 61.

35) At paragraph 71, quoting the Advisory Opinion.

36) When President Jimmy Carter published his book Palestine: Peace Not Apartheid, he was vehemently attacked by Zionists and their supporters and was not received by any Israeli official on his visit to the Holy Land, although no man has done a greater service to Israel than him through negotiating peace treaty with Egypt, the leader of the Arab world. This decision proves that the President was right, and his detractors were again misleading the general public..

37) “Agora; ICJ Advisory Opinion on Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory”99 American Journal of International Law (January 2005) at p91.

38) At paragraph 18

39) At paragraph 32.

40) At paragraph 19

42) At paragraph 19.

42) At paragraph 32.

43) Ksenia Svetlova, Israel battles Spanish arrest warrants, The Jerusalem Post, August 8, 2008.

44) Urgent Action Alert: The PCHR and the Anti-Apartheid Wall Campaign urge you to act immediately: Stop support for Israel’s war crimes , November 30, 2006, at www.pchrgaza.ps/files/PressR/English/2006/127-2006.htm. Last visited on 12 January 2006.