Home » 2007 » August

حكومة تحاصر شعبها

حكومة تحاصر شعبها

د.أنيس مصطفى القاسم

لا يتصورأحدٌ أن مندوب دولة من الدول يتصدى في مجلس الأمن مطالبا أعضاءه برفض مشروع بيان يصدر عن المجلس يطالب بتقديم المساعدة الانسانية لشعب ذلك المندوب، في وقت يعاني فيه من حصار دولي يهدد حتى وصول الغذاء والدواء والماء، ويغتال قدراته الذاتية في الاعتماد على نفسه مما ينتجه ويصدره. اذ كيف يقف مندوب شعب رافضا رفع المعاناة عن شعب هو يمثله؟ هذا الذي لا يتصور وقوعه هو بالضبط ما قام به مندوب دولة فلسطين في مجلس الأمن مؤخراً عندما عُرِضَ على المجلس مشروعُ بيانٍ باعتبار قطاع غزة منطقة منكوبة يجب تقديم المساعدة الانسانية الدولية لأبنائه.

تقدم مندوبا قطر واندونيسيا بمشروع القرار هذا، وقطر هي العضو العربي في مجلس الأمن، بعد أن رُفع الحصار عن الضفة الغربية وبقي قائما بالنسبة لقطاع غزة بعد الاحداث التي وقعت هناك. والمعروف أن الحصار الكامل قد فرض على الضفة والقطاع في أعقاب فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي مكافأة من الدول الديموقراطية للشعب الفلسطيني على الاستجابة لها بممارسة الديموقراطية بنزاهة وشفافية كانت محل اعجاب وتقدير العالم كله. هذا الحصار بقي قائما بعد تشكيل حكومة حماس وبعد استقالة هذه الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية نالت ثقة المجلس التشريعي المنتخب وثقة جميع الفصائل الفلسطينية. استمر الحصار تعبيرا عن مدى مصداقية دعاة التغيير الى الديموقراطية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الامريكية. ولكن عندما حدث ما حدث في غزة وبعد اقالة حكومة الوحدة الوطنية واعلان حالة الطوارئ وتأليف حكومة لم تَحْظََ بنيلِ الثقة من المجلس التشريعي المنتخب وفقا للاصول الدستورية، أصبح الوضع مقبولا لدى أمريكا واسرائيل والاتحاد الاوروبي ورفع الحصار عن الضفة فقط، ولكنه بقي قائما بالنسبة للقطاع.

هذا الوضع هدد بكارثة انسانية في القطاع لانقطاع وصول الغذاء والدواء والكهرباء والماء وغيرها من المواد والخدمات الاساسية ولتوقف الحياة الاقتصادية واصابتها بالشلل نتيجة لاغلاق امكانيات تصدير ما كان يصدره القطاع للضفة والخارج. ونتيجة لذلك دأبت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين على استصراخ العالم لتجنب كارثة انسانية كان يتعرض لها أهالي القطاع من لاجئين وغير لاجئين. ازاء ذلك تقدم مندوبا قطر واندونيسيا بمشروع البيان لمجلس الأمن معبرا عن القلق العميق من تدهور الحالة الانسانية والاقتصادية ومشددا على كفالة وصول المساعدات الانسانية للقطاع بدون عوائق، ومؤكدا على اهمية الحفاظ على وصول الامدادات بالوقود والكهرباء والماء، وداعيا المجتمع الدولي الى مواصلة تقديم الدعم والمساعدات الانسانية الطارئة لتلبية احتياجات الشعب الفلسطيني في القطاع منها.

وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد أن وقف مندوب فلسطين في الامم المتحدة بعارض مشروع البيان ويحث الاعضاء على عدم الموافقة عليه على أساس أن هذا الأمر شأن داخلي فلسطيني لا يجوز لأحد التدخل فيه، وكأن الفلسطينيين، سواء في الضفة أو القطاع، يسيطرون سيطرة كاملة على حياتهم الاقتصادية وما يصل اليهم من خدمات كهربائية ومائية أو واردات، ولا تتحكم اسرائيل في هذا كله وأن موافقتها شرط لوصول قطرة حليب للاطفال أو قطرة ماء أو رغيف خبز. اننا لا ندري بطبيعة الحال ما اذا كان ذلك المندوب يتصرف وفقا لتعليمات وردت اليه من رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية أو من وزير الخارجية الفلسطيني أو من رئيس السلطة الوطنية، أو أنه كان يتصرف وفقا لاجتهاده أو اعتقاده بأن هذا التصرف هو الذي يرضي فتح، سيدة الموقف في الضفة، أو أن من واجبه، اذا كان فتحاويا، أن يناصر فتح ضد حماس على حساب تجويع الشعب الذي يفترض فيه أنه يمثله. ومهما كان سبب تصرفه فان ذلك لا يعفي المسئولين عنه من المسئولية، فالقضية أكبر بكثير من ألا يتدخل فيها رئيس السلطة نفسه الذي هو في الوقت ذاته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن يكون تدخله لتحرير الحياة الفلسطينية من القيود التي يفرضها احتلال غير شرعي، بدلا من الاعتراف بهذه القيود والحرص على الالتزام بها.

وكما هو المتوقع، فقد كان موقف مندوب فلسطين موضع استهجان كبير من الاعضاء في مجلس الأمن ولدى مراسلي الصحف الاجنبية، عبر كثيرون منهم عنه بعبارة بسيطة وهي أنهم “لا يفهمونه”. ونستطيع أن نتصور ما كانوا يتندرون به في مجالسهم عن مستوى المسئولية التي يشعر بها ممثلوا الشعب الفلسطيني حيال شعبهم والطريقة والمناسبات التي يمارسونها فيها.

ويبدو أن هذا المندوب ومن وراءه قد غرقوا في متاهات الفئوية وضيق الافق بحيث تصوروا أنهم يعاقبون حماس بمعاقبة الشعب، على أمل أن يثور ضدها بسبب ما يعانيه من ضائقة. ويبدو كذلك أنهم قد نسوا أنه يفترض فيهم أنهم يمثلون فلسطين كلها وشعبها كله في المحافل الدولية على الأقل، وأنه يجب التركيز في هذه المحافل على مصلحة الشعب كله، بعيدا عن الاعتبارات الداخلية الفئوية أو الحزبية. المنطق الاسرائيلي الامريكي يحاول أن يبث التفرقة والتجزئة، ويحاول أن يعاقب أو يكافئ وفقا لما يتصوره من مصلحته. وهذا طبيعي بالنسبة لاسرائيل وأمريكا وكل دولة أخرى، وهو بالذات المنطق الذي يجب مراقبته والتنبه له وعدم السير في ركابه. الشعب الفلسطيني شعب واحد ومصلحته كشعب مصلحة واحدة وكذلك بقاؤه والحرص على حقوقه. أن محاولة جر “مغانم” التماهي مع السياسة الاسرائيلية الامريكية لابناء الضفة مع حرمانٍ يُفرَضُ على القطاع سيؤدي حتما الى عكس ما يتوهمون، وأنه لا يثير غضب أهلنا في القطاع فقط وانما سيثير حفيظة ابناء الضفة أنفسهم، وسيشعر الجميع بأنهم قد أصبحوا رهينة للارادة الاسرائيلية الامريكية، وأن الحكومة ليست حكومتهم جميعا ولا تحرص أولا وأخيرا على مصلحتهم هم، وأن مندوبها، بهذا الدور في الامم المتحدة، قد خذل مشاعرهم ونضالهم المشترك وتاريخهم ووحدتهم ولم يعد جديرا بتمثيلهم. شعبنا في الانتفاضة الاولى والانتفاضة الثانية تقاسم اللقمة لكي لا يعاني أحد، وكان المثالَ في التكافل والتعاون. وتأتي هذه الخطوة من جانب المسئولين الفلسطينيين في الاتجاه المعاكس تماما، فبدلا من الاصرار على أن الشعب الفلسطيني شعب واحد في السراء والضراء وفي مواجهة الملمات، ولا يجوز التمييز بين ابنائه في حقوقهم الانسانية على الأقل، وأن القيود اللاشرعية التي يفرضها الاحتلال يجب أن تزول، جاء هؤلاء ليعلنوا للعالم أجمع في محافل الامم المتحدة بأن هذا ادعاء باطل وأن الشعب ليس شعبا واحدا متكافلا متضامنا، وانما يجب التمييز بين ابنائه حتى في أمور تمس صميم الحق في الحياة، كالحق في الغذاء والدواء والماء، على أمل تركيعه جوعاً بعد أن تعذر على الوسائل الاخرى تحقيق هذا الهدف.

المطلوب هو الاصرار على رفع الحصار عن الشعب كله، لا عن جزء منه، والاصرار على تنفيذ اتفاقية المعابر تنفيذا أميناً، بوصفها واحدة من الاتفاقيات التي أبرمتها السلطة مع اسرائيل فبل مجيء حماس للسلطة. ومن حق الرئيس وواجبه الاصرار على ذلك اذا أريد أن يكون لهذه الاتفاقيات أية جدوى أو قوة الزامية. فاذا كانت حماس مطالبة بالالتزام بهذه الاتفاقيات، فمن باب أولى أن يلتزم بها من وقع عليها، لا سيما وأن حماس وغيرها من أبناء الشعب الفلسطيني يقرون بشرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وشرعية الحكومة التي أبرمت تلك الاتفاقية. ومن حق الشعب الفلسطيني أن يرى التزاما بها من جميع الاطراف. ويبدو أن الحكومة الفلسطينية الحالية هي أول من يبحث عن الاعذار لعدم تنفيذ تلك الاتفاقية، مع أنه يفترض فيها، حسب بيانها الوزاري، أنها تلتزم بخطة الرئيس أبو مازن. فاذا كان الرئيس يصر على قبول حماس للاتفاقيات السابقة فالمفروض أن ذلك جزء من خطته الملزمة للحكومة الحالية، مهما كانت المطاعن في شرعيتها، لأنه هو الذي انفرد باختيارها. غير أن الواضح هو اعفاء اسرائيل من الالتزام بما توقع عليه مهما كانت معاناة الشعب الفلسطيني، ولذا يبدو أن الضغط يجب أن يتجه نحو “الحكومة” الفلسطينية لتذكيرها بواجبها، ولا نتصور أن حماس ستغلق المعابر أمام شحنات المواد الغذائية أو تقفل صنابير المياه أو تقطع الطريق على صهاريج البنزين القادمة للقطاع، وإن كان ذلك يتم وفقا لاتفاقيات معابر لم تكن هي طرفا فيها. والغريب أن حماس كانت تصر على احترام اتفاقية المعابر لدخول العالقين على الحدود الفلسطينية المصرية في حين رأت الحكومة الفلسطينية تجاوز هذه الاتفاقية وعبور العالقين عن طريق اسرائيل. أمر غريب في الاصرار على احترام الاتفاقيات.

انها لمأساة في ممارسة المسئولية، ولا يجوز لأي فلسطيني، مهما كان انتماؤه التنظيمي أو موقفه من حماس أو من فتح، أن يقف محايدا من هذا الحصار ومن الداعمين له، وهو حصار تستخدم فيه حكومة تدعي أنها تمثل الشعب الفلسطيني كله سلاحَ التجويع أو الحاجة للماء والدواء لفض نزاع على السلطة. فاذا كان الأمر عل هذا الوجه مع سلطة تدعي الشرعية، فما الذي يمكن توقعه من دولة الاحتلال؟

وانه يوم عار على ممثل فلسطين في الامم المتحدة وعلى من أصدر له التعليمات باتخاذ هذا الموقف، اذا كانت قد صدرت تعليمات من هذا القبيل، أن يناور، لا لرفع الحصار عن شعبٍ يدعي أنه يمثله، وانما لتأمين استمرار ذلك الحصار، بل وقطع الطريق على محاولات انسانية قادمة قد يقوم بها البعض في هذا الاتجاه. عار وأي عار.

نشرت في القدس العربي بتاريخ 21 أغسطس 2007 بعنوان: “في فلسطين: حكومة تحاصر شعبها”.
رئيس اللجنة القانونية سابقا في المجلس الوطني الفلسطيني