Home » 2009

مطبات الارتجال الفلسطيني في المحافل الدولية

مطبات الارتجال الفلسطيني في المحافل الدولية

مقدمة

يوم الجمعة الموافق الثاني من اكتوبر (تشرين الاول) عام 2009 هو يومٌ اسود في مسيرة القضية الفلسطينية، إذ أنه يومٌ وَجَّهَ فيه من يدعون أنهم يمثلون الشعب الفلسطيني أكبرَ إهانةٍ له واستخفافٍ به وبتضحياته، وحقوقه، خاصة حقه في الحياة . لم يُصَدِّقْ أحد أن الاستخفاف بعقول الناس وبحسهم الوطني وحقوقهم ودماء أبنائهم قد وصل الى هذا الحد من أشخاص يدعون أنهم يحظون بثقة هذا الشعب ويعملون لصالحه والدفاع عنه. وازداد الاستهتار استهتارا بسخافات الناطقين الرسميين الذين اختلفت وتناقضت رواياتهم وتبريراتهم ورؤاهم لما حدث، وإن اعترف بعضهم بأن ما وقع كان خطأ.

وانتظر الناس تصريحا من رئيس السلطة يوضح الموقف قبل ان يعلقوا عليه. وجاء التصريح في مؤتمر صحفي ، ثم في يبان قرأه بعد عشرة أيام من قرار التأجيل، فاذا به يكرر في بيانه الاول ما ذكره بعض من سبقه من الناطقين باسمه ويركز على ما ركزوا عليه من أن فلسطين ليست عضوا في مجلس حقوق الانسان، وبالتالي فان ممثليها لا يستطيعون تقديم طلب بالتأجيل، وأن هذا الطلب قد تقدم به مندوب غير المندوب الفلسطيني وبموافقة عربية واسلامية. وكرر الرئيس كلامه هذا في البيان الذي قرأه في 12 أكتوبر 2009، موحياً بأن الذي يتحمل المسئولية هي الوفود العربية والاسلامية، وأن قرار التأجيل ليس قرارا فلسطينيا. والغريب أن الرئيس لم يعترف بأن “خطأ” قد وقع، مع أن الامين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قد اعترف علنا بذلك، وكذلك اللجنة المركزية لفتح، ولم يعتذر للشعب الفلسطيني عنه، ولم يتحمل أية مسئولية عما حصل أو يطرح تبريرا له، مقنعا أو غير مقنع . لم يكن هذا التصريح في رأي الكثيرين فراراً من المسئولية وتجنيا على الحقيقة فحسب وانما اساءة واضحة للدول العربية والاسلامية التي تحرص دائما على الاستجابة لرغبات الوفود الفلسطينية في المجتمعات الدولية. هذا موقف يترك التساؤلات قائمة حول الأسباب الحقيقية التي كانت وراء طلب التأجيل ولا يريد رئيس السلطة الافصاح عنها، مع أن هذه الاسباب لا بد وأن أفصح عنها رئيس البعثة الفلسطينية لرؤساء الوفود التي كانت مؤيدة لطرح التقرير للنقاش وذلك ولو من باب تبرير الموقف. وبالفعل فقد قرأ الدكتور عزمي بشارة على فضائية الجزيرة النص الكامل لتقرير بعثه أحد المندوبين لحكومته وفيه تفاصيل ما قاله مندوب فلسطين للمجتمعين، والواضح فيه كل الوضوح أن التعليمات بالتأجيل جاءت من رئيس السلطة الفلسطينية، وليس مثلا من حكومة الباكستان. لقد تجنب الرئيس القول بأنه هو الذي أصدر القرار، أو أنه يتحمل المسئولية عنه، وذلك لكونه هو المختص باتخاذ قرارات بهذه الاهمية ولا يجوز له التنصل من تحمل هذه المسئولية، حتى ولو كان القرار قد صدر من غيره. واذا كان الرئيس بعد عشرة أيام من صدور قرار التأجيل لا يعرف من أصدره، مع أن سؤالا لممثل فلسطين في جنيف كاف لكشف الموضوع، فان الأمر فعلا خطير وخطير جدا.

وكذلك لا يجوز له الاحتماء وراء ادعاء بأن القرار اتخذ بموافقة عربية واسلامية وأن المندوب الفلسطيني لم يتقدم هو بطلب التأجيل حيث أن فلسطين ليست عضوا في مجلس حقوق الانسان. صحيح أن فلسطين ليست عضوا في المجلس، ومعظم أعضاء الامم المتحدة ليسوا أعضاء فيه. ولكن اذا أرادت فلسطين أو أية دولة غير عضوة صدور قرار في موضوع معين فكل ما يتطلبه الامر هو اقناع عضو بما تريده فيتبناه ويتقدم بمشروع القرار الذي طلب منه. انها خدمة تقدم، ولكن القرار النهائي هو بيد المندوب الفلسطيني فيما يتعلق بفلسطين. وهذا ما قاله المندوب القطري والمندوب الباكستاني، وكانا صادقين، ولا يليق أبدا تحميل المسئولية لهؤلاء الذين نفذوا رغبات من كانوا في نظرهم يمثلون الشعب الفلسطيني.

نتائج توجيه الاتهامات

ازاء هذا الموقف من قمة هرم المسئولية الفلسطينية ومن هم دونه يجب الا نستغرب مستقبلا، اذا سمح شعبنا لهؤلاء أن يبقوا في السلطة، ألا تجد القضية الفلسطينية من يتبناها في دوائر الامم المتحدة خوفا من تحميله مسئولية يجب أن يتحملها الوفد الفلسطيني وسلطته. ماذا يقول السفير الباكستاني لحكومته التي تخشى أن يصدق شعبها ما قاله المسئولون الفلسطينيون عن موافقته على القرار ومسئوليته عن تقديمه؟ هذا الخطر حاصل الآن بعد أن تقرر تقديم طلب لإعادة التقرير الى جدول الاعمال. هذا هو السؤال الأول، وعليه يجب أن تتركز الجهود الآن. ان التأجيل أتاح الفرصة لاسرائيل لتحشد حلفاءها وتستغل طلب التأجيل هذا وما تلا ذلك الآن من مهاترات رخيصة والتركيز عليها بدلا من التركيز على التقرير نفسه وتوحيد الجهود لضمان اعادته لجدول الاعمال أولا وتبنيه ثانيا.

ولنفترض أن التقرير أعيد لجدول الاعمال، فإن السؤال الذي يرد ماذا سيكون موقف الدول التي وعدت بالتصويت بالموافقة على ما جاء فيه، ثم يأتي صاحب الشأن، ممثل فلسطين، فيتخلى عن موقفه بسحبه لقرار اعتماد التقرير بصورة لا مبرر لها، ثم يحاول التملص من المسئولية عن طلب التأجيل والصاقها بغيره؟ هذه الدول لا بد أنها قد أصيبت بصدمة عندما فوجئت بطلب التأجيل في موضوع بهذه الخطورة، الأمر الذي طعن في مصداقية منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر وطني، وفَتَحَ طريقا معبدة لاسرائيل وأمريكا للتأثير على هذه الدول الاعضاء وكذلك المنظمات غير الحكومية واقناعها بعدم جدية المواقف الفلسطينية وعدم الثقة في الفلسطينيين أنفسهم. ومن حق هذه الدول والمنظمات أن تتساءل ما الذي سيضمن لها أنه لن تكون هناك تقلبات جديدة في الموقف الفلسطيني؟ وسنرى أن هذه ليست هي المرة الاولى التي يتنازل فيها المسئولون الفلسطينيون عن مواقف أو قرارات أو تقارير تدعم قضيتهم لاسباب كثيرا ما تبدو غير واضحة، ولكنها ضارة بها في جميع الحالات.

ما حدث في جنيف في يوم الجمعة الاسود 2 أكتوبر 2009 كان انقلابا للأدوار بشكل لافت للأنظار: لم تكن اسرائيل المتهمة هي التي تقدمت بطلب تأجيل اتخاذ القرار، وانما كان المجني عليه، الضحية، الذي ثبت حقه واحتشد انصاره والعالم كله لسماع النطق بالحكم. لقد عاصرتُ، منذ عام 1976، لجنةَ حقوقِِ الانسان، ومن بعدها، مجلسَ حقوق الانسان الذي خلفها، بصفتي ممثلا لمنظمة غير حكومية لها صفة استشارية لدى الامم المتحدة، ولم أشهد في اللجنة أو المجلس موقفا مثل هذا الموقف الذي وُضِعَ فيه ممثل فلسطين وقضيته الحساسة العادلة أمام المجتمع الدولي.

النتيجة اذن هي أن القضية الفلسطينية الواضحة العدالة قد خسرت الكثير نتيجة لمواقف السلطة هذه، وهي مواقف تدل على الارتجال، بل ولربما ما هو أكثر منه، حتى في قضايا في أهمية تقرير كتقرير القاضي جولدستون. وهذه خسارة تمس بعنصر الثقة والمصداقية وسلامة التعامل، وهي أمور ليس من السهل استردادها. إننا ما زلنا لا ندري ما الذي أدى بالرئيس الفلسطيني إلى دفع هذا الثمن الباهظ جدا، الا أنه من المؤكد ان مصداقيته فيما يتعلق بقضيته قد اهتزت، وسيكون من الصعب ترميمها، خاصة وأن الدلائل كلها تشير الى أن ما جرى ليس تصرفا طارئا، وانما هو، كما قال الدكتور عزمي بشارة والدكتور منير شفيق على فضائية الجزيرة، تنفيذ لمنهج سار عليه رجال السلطة منذ زمن.

سوابق أخرى خطيرة من نفس المنهج

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي هدرت فيها السلطة الفلسطينية مكسبا فلسطينيا بعيد الأثر دون مقابل. فقد تخلت القيادة الفلسطينية في أعقاب مؤتمر مدريد عن قرار الجمعية العامة للامم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ذلك القرار الذي أزعج الدوائر الاسرائيلية والامريكية والاوروبية ازعاجا كبيرا، الى أن نجحت في الغائه بعد مؤتمر مدريد. ولم يكن هذا الالغاء ممكنا لولا موافقة فلسطينية وعربية واسلامية، حيث أن الالغاء، كالقرار الاصلي نفسه، قد صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة. كان ثمن هذا الالغاء البدء في مفاوضات. وكان ثمن تأجيل النظر في قرار القاضي جولدستون هو أيضا استئناف المفاوضات.

طبعا بدأت مفاوضات، وكانت نتائجها أوسلو وأخواتها، وما فيها جميعها من تنازلات تعاني منها القضية الفلسطينية في كل يوم. الا أن مقاومة الغاء القرار الذي يدمغ الصهيونية بالعنصرية عادت الى الواجهة في المؤتمر الدولي عن العنصرية الذي عقد في مدينة ديربان بجنوبي افريقيا عام 2001 ويشار اليه عادة بِ “ديربان واحد”. مؤتمر ديربان رقم 1 أزعج اسرائيل وحلفاءها لدرجة لا تطاق. في ذلك المؤتمر الدولي ناضلت منظمات حقوق الانسان ذات الصفة الاستشارية لدى الامم المتحدة الى جانب الدول المناهضة للعنصرية ونجحت في اقناع المؤتمر بضرورة ادراج نصوص واضحة في البيان الختامي للمؤتمر بخصوص فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني. قاومت اسرائيل وأمريكا والدول الاوروبية هذه المحاولة، بل وقاطعت المؤتمر، الا أن المحاولة نجحت فوردت ثلاث فقرات بهذا الشأن عبر فيها المجتمعون عن قلقهم “ازاء معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأجنبي، واعترافهم بحقه الثابت غير القابل للتصرف في تقرير المصير واقامة دولة مستقلة وحق جميع دول المنطقة ، بما فيها اسرائيل، في العيش بأمان ودعوة جميع الدول لدعم عملية السلام والانتهاء منها على وجه السرعة” (الفقرة 63 من البيان). وفي الفقرة 64 دعا المجتمعون “لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم في المنطقة تتعايش فيه جميع الشعوب وتتمتع بالمساواة والعدل وحقوق للانسان وأمن معترف بها دوليا”. وفي الفقرة 65 جاء في البيان “اننا نعترف بحق اللاجئين في العودة الاختيارية لبيوتهم وأملاكهم بكرامة وأمن، ونحث جميع الدول على تسهيل العودة هذه”.

هذه النصوص ازعجت أمريكا واسرائيل والدول الاوروبية كثيرا، ومثلت انتصارا للقضية الفلسطينية في داخل مؤتمر دولي خاص بالعنصرية، بالتأكيد على حقوقه الثابتة وحق العودة الى “البيوت” و “الاملاك” والتخلص من المعاناة بسبب الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة. وصممت اسرائيل وحلفاؤها على التخلص من هذه النصوص. وبالفعل فقد حشدت قوتها وجلبت أعدادا كبيرة من أنصارها للتشويش على الدورة الثانية للمؤتمر التي عقدت في ابريل 2009 في قصر الامم المتحدة في جنيف، والهدف استبعاد هذه الفقرات الثلاث من البيان الختامي للمؤتمر، بحيث يظهر أن هذا المؤتمر الثاني، الذي هو مراجعة لما تم بعد مؤتمر ديربان الاول، قد شطب هذه الفقرات من البيان الختامي بناء على اتفاق توافقي بين اصحاب القضية أن المشاكل المتعلقة بما ورد فيها قد سويت. وبالفعل فقد شطبت هذه الفقرات الثلاث ولم يرد أي نص في البيان الختامي بشأن القضية الفلسطينية أو الاحتلال الاسرائيلي والمعاناة منه أو حق العودة أو الحق في الاستقلال، وكأن هذه الامور قد أنجزت في الفترة بين المؤتمرين (2001 – 2009).

قرار الحذف هذا قد جاء بموافقة وزير خارجية فلسطين، تماما كما كان قرار تأجيل النظر في تقرير لجنة القاضي جولدستون بموافقة ممثل فلسطين.

والمسئول النهائي في الحالتين هو السلطة الفلسطينية ورئيسها واللجنة التنفيذية. كلهم مسئول. وكما ثارت ثائرة المنظمات غير الحكومية اعتراضا على قرار التأجيل، فقد كان وقع حذف الاشارات الخاصة بفلسطين مؤلما جادا، خاصة وأن ما تحقق في ديربان واحد كان بالرغم من التعنت الامريكي الاسرائيلي الاوروبي. لم يدر أحد ما الذي دفع المندوب الفلسطيني للموافقة على بيان بهذا الشكل، مع أن الاحتلال ازداد ضراوة، ولم يتراجع في الفترة ما بين الدورتين للمؤتمر. لم نعرف شيئا في حينها ولا بعد ذلك، وكل ما وصل الى المسامع هو الثناء المتكرر من الدول الاوروبية على وزير خارجية فلسطين لتعاونه في الوصول الى نصٍ متفقٍ عليه أُجيزَ من دون تصويت. لماذا هذا الحرص على الغاء هذه الفقرات عن طريق ما أصبح يسمى “بالتوافق” دون تصويت ووقع في فخه وزير الخارجية الفلسطيني عن وعي أو غير وعي؟ (من المفيد أن نذكر أن المنظمات غير الحكومية لم تتح لها فرصة التدخل الا بعد أن أقرت الدول الاعضاء البيان الختامي، ولذا لم يكن للمنظمات في هذه الدورة التأثير الذي كان لها في الدورة الاولى، وهذا طبعا مقصود من الدول الاعضاء).

نظرية الاتفاق بالتوافق بدون تصويت

هذه مصيبة تسبب فيها معالي السيد الوزيربالموافقة على الغاء هذه الفقرات، ولا ندري الى أين ستنتهي، حيث أن تحديد الحقوق في المؤتمرات الدولية لا يأتي عبثا، وإنما له أهدافه وأبعاده القانونية التي قد لا تخطر بالبال للوهلة الاولى. وواضح أن القيادات الفلسطينية تتصرف على أساس “الالهام” “والشطارة” ولا تعترف بضرورة أي استعداد أو اعداد مسبق. فمثلا هل حذف الاشارة الى حق العودة مثلا من نفس الجهة الدولية التي كانت قد أقرته سابقا بالتوافق بين الطرفين المعنيين يمكن أن يفسر على أنه توافق على الغاء ذلك الحق أو عدم الالتزام به أو على أنه تم تنفيذه؟ واذا لم يكن كذلك، فما هو الهدف من الحذف إذن في بيان شامل حل محل البيان السابق الصادر من نفس الجهة؟ أليس التوافق دون تصويت هو اتفاقٌ عليه شهودٌ، وإن لم يصوتوا، بحيث يصبح من الصعب عليهم، إن لم يكن من المتعذر، اعادة النظر وارجاع الوضع الى ما كان عليه؟. هذه القضية الدقيقة تنبه لها رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة، ميجيل ديسكوتو بروكمان، وهو من فنزويلا، وأصدر مكتبه بيانا في نفس اليوم الذي صدر فيه البيان الختامي لمؤتمر ديربان 2 وتنازل فيه وزير خارجية فلسطين عما تنازل. جاء في هذا البيان تعقيبا على بيان المؤتمر: ((“في رأيي أنه شيء جيد أن استطاع الاطراف التوصل الى اتفاق نهائي على النص بطريق التوافق (consensus) . ومع ذلك فانني آسف أن التركيز على الضحايا الذي كان سائدا في مؤتمر ديربان لعام 2001 قد جرى الانتقاص منه في النص الحالي. وآسف كذلك أن الاشارة التي وردت في نص ديربان واحد والذي يعترف بحقوق الانسان للشعب الفلسطيني، بما في ذلك الحق في دولة مستقلة قد حذف أيضا من النص. إن الامم المتحدة، وخاصة الجمعية العامة، وقد أجازت القرار رقم 181 منذ أكثر من ستين عاما، ما زالت تتحمل التزامات محددة فيما يتعلق بخلق دولة اسرائيل ودولة فلسطين التي ما زالت لم تتحقق. إنه مبدأ من المبادئ الاساسية في القانون الدولي، وخاصة قانون حقوق الانسان الدولي، أنه اذا اعترف بحق من الحقوق، فانه لا يمكن رفض وجوده أو الغاؤه ، وإن الدول الأعضاء في الامم المتحدة ملتزمة بأن تحترم وتحمي وتنشر حقوق الانسان. انه لمسئولية المجتمع الدولي في مجموعه والامم المتحدة على الخصوص أن تُحَرِّكَ بشكل تقدمي جدول الاعمال الخاص بالدفاع عن هذه الحقوق ونشرها وتقنينها وتنفيذها. “)) (انتهى بيان رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة).

اشارةُ رئيس الجمعية العامة الى “الاتفاق بطريق التوافق” والى القرار رقم 181 (وهو قرار التقسيم) والى مبادئ القانون الدولي، الى غير ذلك مما اشار اليه، له مدلوله المهم في هذا السياق. فبيان ديربان الثاني صدر “بالتوافق وبدون تصويت”. واول تصريح لممثل السلطة الفلسطينية بعد قرار تأجيل النظر في تقرير لجنة القاضي جولدستون تحدث عن أن من اسباب التأجيل هو السعي للوصول الى “توافق” حول القرار الذي يصدره المجلس بشأن التقرير. التوافق هذا يتم اصلا بين الوفد الفلسطيني والوفد الاسرائيلي على نص قرار يقدم للمجتمعين فيجري اقراره من دون تصويت. وقد رأينا نوع التوافق الذي تم مع وزير الخارجية الفلسطيني، وهو ما نعاه رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة وحذر من عواقبه بمحاولة التأكيد على أن هذا الحذف التوافقي يتعارض مع القانون الدولي اذا قصد منه الغاء حقوق سبق الاتفاق عليها. الحذف قد حصل وتمت الموافقة على النص النهائي للبيان بناء على الاتفاق التوافقي الذي تم مع وزير خارجية فلسطين. ومن المؤكد أنه لن يتم الرجوع عن هذا في مؤتمر لاحق، أو لابد من خوض معركة حامية جدا لارجاع ما تم الغاؤه. التوافق الذي يتم يسجل بطبيعة الحال على أطرافه، ويشهد عليه المجتمع الدولي كله. ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي طرحناه عن الأثر القانوني لهذا الاسلوب المستحدث في التعاطي مع القضية الفلسطينية، وهو اسلوب الاتفاق بالتوافق دون تصويت، والذي لا شك أنه كان في صميم اهتمام رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة عندما تعرض لما حذفه البيان من الاشارة الى حقوق الشعب الفلسطيني، ومؤدى موقفه هو أن هناك حقوقا سبق للامم المتحدة أن أقرتها، ولكنها لم تتحقق بعد، مثل حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وفقا لقرار التقسيم، وهناك القرار الخاص بالعودة، فيقول رئيس الجمعية العامة إن ما سبق اقراره من حقوق لا يمكن رفضه فيما بعد أو الغاؤه. هذا هو رأيه، ولكن من المؤكد أن رجال القانون الدولي، وكثير منهم يهود صهيونيون، سيبدأون في تعميق الدراسات حول الاثار القانونية للاتفاق التوافقي، وسيبدأ القانونيون الاسرائيليون دراساتهم لتثبيت كل تراجع فلسطيني والزامهم به. وسيستمر رجال السلطة الفلسطينيون في غفلة عما يجري وفي الاعتماد على “الشطارة” و”الفهلوة” الى غير ذلك من المواهب التي اكتشفها الاسرائيليون بسهولة وأثبتت قيمتها فيما تم من اوسلو وحتى اليوم.

ومهما يكن من أمر، فإن أي اتفاق، سواء كان بهذه الطريقة أو غيرها، يمس بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني لن يكون له أي أثر ولا يُلزِم الشعب الفلسطيني، ومن المفيد أن يتذكر هذا من يدعون تمثيله في مفاوضات أو مؤتمرات أو لقاءات خاصة أو سرية. إن اليقظة التي أظهرها الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بتقرير القاضي جولدستون لن تخبو وسيفرض هذا الشعب وجودهكلما تعرضت قضيته للخطر.

ازاء هذه التجربة مع ممارسة المسئولية، وعوداً الى قرار تأجيل النظر في تقرير القاضي جولدستون، الا يحق للمواطن الفلسطيني أن يتساءل ما الذي كان يمكن أن يتم في فترة التأجيل البالغة ستة اشهر؟ هل ستعترف اسرائيل بالجرائم التي ارتكبتها، أم إن التوافق المطلوب سيكون تنازلا فلسطينيا عن مقاضاة اسرائيل ومجرمي الحرب من رجالها وقادتها أو أي حل من هذا القبيل ؟ هذا هو الذي كان سيحدث اذا استمر التأجيل تطبيقا لنظرية الاتفاق التوافقي، والحجةُ لذلك والمبرر سيكون، مرة أخرى، الحرص على مفاوضات أثبتت عبثيتها بالنسبة للشعب الفلسطيني، وكأنما لا يكفيه ما فُرِّطَ باسمه من حقوق. هذا هو المتوقع، ولربما يكون هذا ما قد تم الاتفاق عليه بالفعل، أي التأجيل في مقابل المفاوضات، ولكنه اتفاق لم يُعلن. الشعب الفلسطيني لم يعد يدري ماذا يصدق وماذا لا يصدق من أقوال السادة المسئولين، وهو يرى الوطن يُنهَبُ والسادة المسئولين كأنهم لا يرون ما يقع. واذا كان هذا هو ما يجري في العلن فما هو يا تُرى الذي يجري خلف الابواب المغلقة؟

ما العمل؟

هذا موضوع آخر، سنعود اليه بعد أن يتقرر مصير تقرير القاضي جولدستون، ولكن من المؤكد أننا سنطالب، من بين ما سنطالب به، بتفعيل منظمة التحرير كمرجعية فلسطينية جادة تحاسب من يتخذون القرارات من جهة وتؤمن أسلوبا علميا واعيا لا ارتجال فيه لاتخاذ القرارات والمحاسبة عليها. واذا استمر القائمون على الأمر في التلاعب بهذا الموضوع، فإن الشعب الذي أقام المنظمة لن يعجز عن إيجاد الوسيلة لتفعيلها. الشارع الفلسطيني يتحرك، في كل أماكن تواجده في الداخل والضفة والقطاع، في المخيمات وفي الشتات، ولن يترك الامور على هذا الحال. ومن المؤكد أنه لن يترك مصيره بيد أي شخص أو فريق يتأكد له أنه يتعايش مع الاحتلال وافرازاته ويتأقلم معه في تصرفاته وخياراته وقراراته.

غير ان المهم في هذه اللحظة بالذات هو حشد الجهود لتصحيح ما حدث ومنع الضرر بالتركيز على ضمان الموافقة على التقرير وتوصياته وضمان المتابعة بحيث لا ينضم هذا التقرير أو قرار مجلس حقوق الانسان الى سلسلة ما أهمل من قرارات والى فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الفاصل، وهي القرارات والفتوى التي أهملتها السلطة الفلسطينية والانظمة العربية اهمالا كاملا، ربما أيضا حرصا على “المفاوضات”.

مجلس الكنائس العالمي والمستوطنات الاسرائيلية

مجلس الكنائس العالمي والمستوطنات الاسرائيلية

‘إن الاستيطان المتواصل في الاراضي خارج حدود اسرائيل المعترف بها دوليا (حدود الخط الأخضر لعام 1949) مرفوض من قبل جميع العالم تقريبا ويلاقي عدم تصديق واسع الانتشار لأنه غير شرعي وغير عادل ويتعارض مع السلام ويتنافى مع المصالح المشروعة لدولة اسرائيل’. ‘نطالب الحكومة الاسرائيلية بأن تجمد بحسن نية وعلى وجه الاستعجال كافة أعمال البناء الاستيطاني والتوسع فيه، كخطوة أولى في اتجاه ازالة جميع المستوطنات’.

الكلام هذا ليس لمسؤول عربي أو فلسطيني، وليس جزءا من بيان أو قرار رسمي عربي أو فلسطيني، وإن كنا نسمع قريبا منه أحيانا للاستهلاك المحلي. إنه جزء من بيان صدر عن اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي في دورتها المنعقدة في مقرالمجلس بجنيف في الفترة ما بين 26 آب (أغسطس) و2 ايلول (سبتمبر ) 2009، وأُعْلِنَ على الملأ يوم انتهاء الاجتماعات أي في الثاني من هذا الشهر. البيان يقع في ست صفحات باللغة الانكليزية كلها مكرسة لموضوع الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، والغاءِ الاستثمارات الكنسية وفرض المقاطعة. ومن المتوقع بطبيعة الحال أن يكون للبيان نص رسمي باللغة العربية، ولكن يبدو أنه غير متوفر على الموقع يوم كتابة هذا المقال. ويستطيع القارئ الاطلاع على النص الانكليزي وطباعته بزيارة موقع المجلس وهو: www.oikoumene.org/’id=7156 .

يُعَرِفُ المجلس نفسه بأنه يدعو الى الوحدة المسيحية في العقيدة وفي الشهادة والخدمة لعالم عادل يعم فيه السلام . وقد تأسس عام 1948 ويضم في عضويته 349 طائفة بروتستانتية وأرثوذوكسية وانجليكانية وغيرها من الطوائف، مما يمثل في مجموعه 560 مليون مسيحي في أكثر من 110 بلدان. ويعمل المجلس بالتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية. من المؤسف أن الاعلام العربي والعديد من الكتاب العرب قلما يتنبهون بجدية لموقف الكنائس المسيحية في الغرب، وخاصة مجلس الكنائس العالمي، من القضية الفلسطينية، وبالتالي فانهم قلما يتفاعلون بايجابية مع هذه المواقف. وتكون النتيجة أن المواطن العربي العادي وكذلك معظم الحركات الاسلامية تظل تجهل مدى التأييد الذي تحظى به القضايا العربية/الاسلامية، وفي مقدمتها العراق والقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، من الكنائس والمجلس الذي يمثلها. من واجب المسلمين، وخاصة الحركات الاسلامية المتنورة والهيئات العلمية الاسلامية، التي تتفهم روح الاسلام وما يتميز به من تسامح وعقلانية، متابعة هذه التطورات واقامة علاقات حضارية متواصلة بناءة معها انطلاقا من قاعدتين اساسيتين أعلنهما الاسلام وهما: (أولا) ‘لا اكراه في الدين’ و ‘لكم دينكم ولي دين’ وثانيا ‘وجادلهم بالتي هي أحسن’ و ‘انما أنت مبشر لست عليهم بمسيطر’ والمبشر هو الذي يدعو بالكلمة الطيبة، لا بالكلمة التي تُنَفِرُ وتُباعِد، والكلمة الطيبة هي الفريضة الاسلامية. هؤلاء، وكثيرون من الأفراد والمؤسسات من غير المسلمين يختلفون مع حكوماتهم وسياساتها، ويتحملون من أجل ذلك ما يتحملون، وواجبنا الشد على أيديهم لا اهمالهم أو التنكر لهم أو مخاطبتهم بعبارات تحقير أو عداء.

البيان

لنعد الآن الى البيان. في مقدمته المكونة من أربع عشرة نقطة استعرض جوانب من القضية الفلسطينية وما كان المجلس قد اتخذه من قرارات في اجتماعات سابقة. في الفقرة الاولى أشار الى أن قرار التقسيم الذي تبنته الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1947 بقيام دولتين في فلسطين قد نفذ في جانب واحد منه، وهو قيام اسرائيل، في حين أن الجانب الآخر، وهو قيام دولة فلسطينية ما زال في انتظار التنفيذ. ويصرح بأن ‘سياسة اسرائيل الاستيطانية في الاراضي التي احتلت عام 1967 هو عائق دون تحقيق هذا الوعد وعائق أمام قرار المجتمع الدولي بشأن دولة فلسطينية قابلة للحياة. إن الاستيطان المتواصل في الاراضي خارج حدود اسرائيل المعترف بها دوليا (حدود الخط الأخضر لعام 1949) مرفوض من قبل جميع العالم تقريبا ويلاقي عدم تصديق واسع الانتشار لأنه غير شرعي وغير عادل ويتعارض مع السلام ويتنافى مع المصالح المشروعة لدولة اسرائيل. ومع أن حق اسرائيل في أن تعيش في أمان يثير تعاطفا ودعما عالميا، الا أن سياساتها في التوسع والضم تولد استهجانا أو عداء لأنها تدل دلالة مباشرة على طبيعة الاحتلال’. النقطة التي ينطلق منها المجلس هي اذن قرار التقسيم ، مع أنه يشير الى حدود عام 1949، وهي ليست حدودا دولية وانما هي حدود هدنة، ولا يعترف بها كحدود بين الدولتين الا بالاتفاق بينهما. والأصل قانونا لمن يعترف بشرعية قرار التقسيم هي الحدود التي رسمها ذلك القرار.

في الفقرة الثانية يصرح البيان ‘بأنه توجد في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، حوالي مائتي مستوطنة تضم 450000 مستوطن. وهذه المستوطنات تجعل محاولات المجتمع الدولي للوصول الى حل سلمي محاولات أشد هزالا ومستحيلة عمليا. وحتى فإن ‘تجميد الاستيطان’ الذي طلبه أهم حليف لاسرائيل، فانه ووجه بدوامة أحرى من التأخيرات المتعمدة والتنازلات المؤقتة والشروط المسبقة التكتيكية – أمور تؤدي الى تآكل حسن النية وتدمير الأمل وتقضي على مفاوضات ذات معنى، وهي مسائل يمكن أن يشملها تجميد يتم عن حسن نية. وهذا الرفض لتجميد التوسع يدل أيضا على رفض للتعامل مع القضية المركزية في الاحتلال والمستوطنات بهذه الصفة’. هذا التحليل للمناورات الاسرائيلية حول الطلب الامريكي لتجميد الاستيطان قلما تجده في أي مكان آخر، وهو يكشف جانبا لا تسمعه من أي مصدر رسمي عربي أو فلسطيني. وغياب حسن النية من المؤكد أنه لا يجرؤ على النطق به أي مصدر من هذه المصادر خوفا من ردود الفعل الاسرائيلية.

في الفقرة الثالثة يكشف البيان طبيعة الاحتلال الاسرائيلي ويركد مرة أخرى ما تضعه اسرائيل من عراقيل في طريق السلام. تقول هذه الفقرة ‘إنه لمما يسر أن الادارة الامريكية وحكومات دول أخرى كثيرة قد عبرت عن تصميمها على ازالة العقبات التي تقف في طريق السلام وأن تسوي الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بمفاوضات موضوعية ونهائية. وهذا سيكون بداية لعلاقات جديدة في شرق أوسط أوسع. ولكن مما لايشجع على ذلك أن الأحداث في الاراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية تكشف مرة أخرى طبيعة الاحتلال الاسرائيلي التي لا تهاون فيها والاسلوب المستمر لخلق عوائق جديدة في وجه السلام’. بهذا يؤكد مجلس الكنائس العالمي أن اسرائيل لا تريد السلام وأنها تصطنع العقبات المتوالية لمحاولة اجهاض المفاوضات الجادة التي تريدها الولايات المتحدة والعديد من دول العالم. وتؤكد هذه السنوات العديدة التي مرت على أوسلو وشهدت تضاعف عمليات الاستيطان والعراقيل التي وضعت في طريق مفاوضات جادة في انتظار استكمال المشروع الصهيوني وهو السيطرة الكاملة على فلسطين بموافقة تفرض على الشعب الفلسطيني في مفاوضات لا مجال فيها الا لقبول الامر الواقع الذي تكون اسرائيل قد فرضته سواء في الضفة أو في القدس. وهذا ما تسعى اسرائيل الآن الى تحقيقه بمناوراتها وتصرفاتها وادعائها في الوقت ذاته بأنها تريد السلام اما الفلسطينيون فهم الذين يماطلون أو لا يوجد بينهم من تتفاوض معه.

في الفقرة الرابعة يستعرض البيان التوسع في الاستيطان بدلا من وقفه وأثر ذلك على الشعب الفلسطيني، ويشير الى الوحدات السكنية التي ستبنى في القدس وبقية الضفة الغربية، والى تدمير المنازل الفلسطينية وطرد سكانها منها والى الخطر الذي تتعرض له الاملاك وذلك تمهيدا للفقرة الخامسة من البيان. في هذه الفقرة يقول البيان ‘إن وجود هذه المستوطنات غير الشرعية والبنى التحتية المرافقة لها بما في ذلك جدار الفصل، وما يسمى ‘بمناطق الأمن’ وشبكة الانفاق الواسعة الانتشار، وطرق التحوي ونقاط التفتيش، كل هذا يحول بين الفلسطينيين وبين أجزاء كبيرة من أراضيهم ومصادر مياههم. إنها تقيد حرية حركتهم وتنتقص من كرامتهم الانسانية الاساسية ويمس بحقهم في الحياة في الكثير من الحالات. كما لها تأثير خطير على حق الفلسطينيين في التعليم والوصول الى مراكز الرعاية الطبية. انها تدمر الاقتصاد الفلسطيني باعاقة حركة انتقال المنتجات، الأمر الذي يجعل وجود دولة فلسطينية قابلة للحياة شبه مستحيل التحقيق. وهذا يضاعف الشعور بالحرمان من الأرض واليأس في أوساط الشعب الفلسطيني ويساهم في اشعال التوترات في المنطقة ويشكل تهديدا لأمن اسرائيل’.

في الفقرة السادسة يتعرض البيان للقدس فيقول ‘إن المستوطنات غير الشرعية في القدس وحولها يهدد مستقبل المدينة المقدسة، هذا المستقبل الذي يجب التفاوض بشأنه كجزء من اتفاقية سلام شامل. إن المستوطنات تعزل القدس عن باقي الضفة الغربية الفلسطينية، فتفرق بين الاسر وتقطع العلاقات الاقتصادية والدينية والثقافية الجوهرية. ان السياسات الاسرائيلية التي تقيد حقوق الاقامة للمقدسيين بمصادرة بطاقات الاقامة وتضييق أذونات البناء ورفض لم شمل العائلات الخ. تهدف الى تغيير طبيعة المدينة المقدسة التي يجب أن تكون مفتوحة للجميع ومشتركة بين الشعبين والديانات الثلاث. ‘

عدم شرعية الاستيطان

بعد هذه المقدمات ، يسترجع المجلس قراراته في دورات سابقة حول الموضوع. فيشير الى قراره المتخذ في دورة 2002 والذي طالب الدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة بتنفيذ بيان هذه الاطراف الذي أكد على عدم شرعية المستوطنات وعدم شرعية تنميتها ويطالب دولة الاحتلال بأن تحترم تلك الاتفاقية احتراما كاملا وفعالا . كما أشار الى الموقف الثابت للمجلس منذ زمن طويل من أن الافعال الاحادية الجانب قد أحدثت تغييرا جوهريا في جغرافية القدس وطبيعتها السكانية وأن قرارات الامم المتحدة رقم 181و 194و303 والقرارات اللاحقة قد نصت على وضع خاص للقدس تحت نظام دولي وأن اتفاقيات جنيف تحظر اجراء تغييرات بالنسبة لسكان وطبيعة الاراضي المحتلة، بما فيها القدس. وموقف المجلس في دورته عام 2001 وقناعة المجلس بالحاجة الى مقاطعة البضائع التي تنتج في المستوطنات الاسرائيلية غير الشرعية والى ضرورة انضمام الطوائف الاعضاء، كنائس ومؤمنين، في أعمال المقاومة غير العنيفة لتدمير الممتلكات الفلسطينية وطرد الفلسطينيين بالقوة من بيوتهم واراضيهم. وقرار المجلس عام 2005 بأن الكنائس يجب ألا تكون متواطئة في النشاطات غير الشرعية في الاراضي المحتلة بما في ذلك تدمير بيوت واراضي الفلسطينيين واقامة المستوطنات والبنى التحتية المتعلقة بذلك والجدار الفاصل- وتكون لديها فرص اتخاذ اجراءات اقتصادية عادلة وشفافة وسلمية في مواجهة هذه النشاطات غير المشروعة وتأييدا لحلول سلمية للصراع. وقرار المجلس في دورة 2004 عن استهجانه لفرض حدود توسعية من جانب وتضييق متواصل على الجانب الآخرمما يوسع الحضور الاسرائيلي المدني والعسكري داخل الاراضي الفلسطينية، الامر الذي يقوض جميع جهود صنع السلام وكامل مفهوم دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة. ثم أشار البيان الى موقفه عام 1975 من أن الاماكن المقدسة المسيحية يجب أن تتوحد وتستجيب للمجتمعات المسيحية التي تتهدد حياتها وجذورها بشكل متزايد في القدس بسبب سياسات الاستيطان في المدينة. ثم أشار البيان الى النداء الذي وجهه المجلس للطوائف الاعضاء بخصوص مرافقة وتشجيع الانخراط الفاعل والسلمي في مفاوضات سلمية تؤدي الى سلام شامل وعادل يستطيع بموجبه أن تعيش أمتان في تجاور وأمن وداخل حدود معترف بها دوليا. وفي ختام البيان يعود المجلس للتأكيد على مواقفه السابقة بالتفصيل والدعوة الى احترامها.
هذا التذكير بالمواقف السابقة للمجلس والتاكيد على أنها ما زالت مواقفه، وهي مواقف مفصلة تشمل التزاما بعدم شرعية المستوطنات كلها وما طرأ عليها من توسعات، وكذلك ما أحدثته اسرائيل من تغييرات في القدس، ومناشدة الكنائس بدعم المقاومة السلمية للاستيطان ومطالبة الكنائس بمقاطعة البضائع التي يكون منشؤها المستوطنات وسحب جميع استثماراتها منها، وهذا التأكيد على أن ما تجريه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة من توسيع احادي الجانب لحدودها والتضييق على الفلسطينيين من جانب آخر، كل هذا يصعب أن نجده بهذه الدقة والتفصيل في أي بيان رسمي عربي، بل وفي أي بيان لمعظم الفصائل الفلسطينية. إنه يشرح اساس الصراع لاتباع هذه الكنائس ويدعوهم للانضمام لمقاومة ما يجري من غير عنف.

دور الحركات الاسلامية

والسؤال الذي لا بد من إثارته هو لماذا لا يكون هناك استجابة فعالة من جانب المؤسسات والحركات الاسلامية لهذه المواقف؟ لماذا لا يقوم تعاون مشترك منظم ومدروس بين هذه المؤسسات والحركات والمجلس لدعم هذه المواقف وتحريكها في المجتمع الدولي والأوساط الشعبية، اسلامية ومسيحية، في جميع ارجاء العالم حيث توجد هذه الطوائف على الأقل، أي في حوالي 110 بلدا؟ إن عكس ذلك هو ما يحدث في أحيان كثيرة. اننا في حاجة ماسة للتعلم مما يفعله العدو. وكمثال على ذلك نشير الى التعاون الكامل القائم بين العدو والمسيحيين الجدد في الولايات المتحدة. من المعروف أن هؤلاء يدعمون اسرائيل لأنهم يرون في ذلك طريقا لتحقيق إحدى النبوءات التي تقول بأن السيد المسيح سيعود وأن هذه العودة مرتبطة بقيام اسرائيل، وأنه عندما يعود سيصبح اليهود جميعا مسيحيين. أي أن هؤلاء يعملون من أجل انهاء الوجود اليهودي عند عودة المسيح. وفي حفل اقامته هذه الجماعة في امريكا لجمع التبرعات كان السفير الاسرائيلي من بين الموجودين. وعندما سأله أحد الحاضرين كيف يحضر احتفالا كهذا من منظمة هذه أهدافها، كان جوابه: ‘لا ضير في ذلك. عندما يعود المسيح سنرى.’ هذا هم. أما نحن؟

تغييب المجلس الوطني الفاسطيني

تغييب المجلس الوطني الفاسطيني

انعقاد المجلس بيد الأعضاء وليس فقط بيد الرئيس أو اللجنة التنفيذية

مقدمة

1- انتشرت في الوطن العربي ظاهرة استفتاء الشعوب من قبل الحكام، خاصة فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية، وكان معظم هذه الاستفتاءات محل نقد لعدم استيفائها للشروط الموضوعية التي تحكم ممارسة حق الاستفتاء. ويجري الحديث هذه الأيام عن استفتاء الشعب الفلسطيني بشأن ما قد يتم التوصل اليه من اتفاق مع اسرائيل. إن الاستفتاء في حد ذاته أمر مرغوب فيه وتمارسه حكومات، بل وشعوب كثيرة، وفقا للأنظمة المتبعة فيها، ذلك أن الانظمة التي تهتم بأن تتتمشى مع تطلعات ومواقف شعوبها لا تكتفي بالاستفتاءات الرسمية التي تجريها بين الحين والآخر، وانما تتيح للشعب أن يكون هو المبادر الى ممارسة هذا الشأن ليتولى هو ابلاغ الجهات المختصة بما يراه في أي شأن من الشئون العامة. فتقوم المجموعات المختلفة بتنظيم الاستفتاء بمساعدة هذه الجهات، كما أن ما يجري من استطلاعات للرأي هو نوع من الاستفتاء، وإن كان الذي يقوم به مؤسسات تخصصت في الموضوع. ولذا فان الفقهاء يقسمون الاستفتاءات الى نوعين: نوع ملزم يجب اجراؤه والالتزام بنتائجه، ونوع غير ملزم لا باجرائه ولا بنتائجه. والنوع الملزم هو ما نصت القوانين أو الدساتير على وجوب اجرائه والالتزام بنتائجه، وتنص الدساتير والقوانين على الامور التي تخضع لهذا النوع من الاستفتاء. أما النوع غير الملزم فهو ما يجري من استفتاء في غير هذه الاحوال. ولا نريد التوسع في هذه المقدمة ، وسنقصر الحديث عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الاستفتاء ليكون صحيحا وسليما من الناحية القانونية، سواء كان ملزما أو غير ملزم، خاصة في اطار الأوضاع الفلسطينية.

شروط صحة الاستفتاء

2- ليكون الاستفتاء صحيحا يجب أن يستوفي الشروط التالية على الأقل، ما لم تنص الدساتير أو القوانين على شروط اضافية أو شروط أخرى:

(أولا) أن يكون صادرا من الجهة المختصة قانونا باصداره. وهذا شرط له أهميته الخاصة في الاستفاءات الملزمة، لأنه لو جرى من قبل جهة غير مختصة فإنه يفقد صفة الالزام لصدوره من غير ذي صفة. فاذا كان الدستور مثلا يعطي حق الاستفتاء على تعديل الدستور لرئيس الدولة، فان صدوره مثلا من جانب الحكومة فقط أو السلطة التشريعية دون موافقة رئيس الدولة، فان الاستفتاء في هذه الحالة يكون باطلا وعديم الأثر.

(ثانيا) أن يسبق طرح الموضوع على الاستفتاء مراعاة ما تنص عليه القوانين أو الدساتير من اجراءات. فاذا كانت هناك نصوص تشترط مثلا موافقة السلطة التشريعية على اجراء الاستفتاء أو على موضوعه، فيجب الحصول على هذه الموافقة قبل طرح الموضوع للاستفتاء.

(ثالثا) أن يكون موضوع الاستفتاء محددا ودقيقا محصورا في نقطة واحدة معينة بحيث لا يجتمل سوى واحد من رأيين اما “نعم” واما “لا”. مثلا اذا كان الموضوع متعلقا بالمشروبات الروحية، يكون الاستفتاء بالصيغة التالية: ” هل توافق على السماح ببيع المشروبات الروحية؟” هذا سؤال لا يمكن الاجابة عليه الا بلا أو نعم. ولكن السؤال “هل توافق على بيع المشروبات الروحية وتقديمها للسياح فقط؟” لا يحتمل جوابا واحدا فقط بلا أو نعم لأنه ينطوي على موضوعين مختلفين: الاول البيع على اطلاقه والثاني حصر تقديم المشروبات بالسياح. ولذا يجب أن يكون هناك سؤالان منفصلين، الاول خاص بالبيع والثاني خاص بالتقديم للسيح فقط، وكل سؤال لا يحتمل سوى اجابة واحدة بلا أو نعم. ومعنى هذا أنه لا يجوز دمج موضوعين أو أكثر في رزمة استفتاء واحد يُطلب فيه جواب بنعم أو لا عن الرزمة مجتمعة. وهذه المسألة بالذات هي التي تقع فيها المناورات من قبل بعض الانظمة العربية وما جرى من بعض الاستفتاءات. فمثلا عندما يكون الاستفتاء مطلوبا في رزمة واحدة تضم تعديلات دستورية وقانونا خاصا بالاحزاب واتفاقية سلام مع اسرائيل، كيف يمكن الرد عليها مجتمعة بجواب واحد هو لا أو نعم؟ المواطن قد يكون موافقا على الواحد دون الآخر، وفي هذه الحالة لا تستقيم الاجابة على الرزمة بلا أو بنعم. ولذا يجب طرح هذه الموضوعات مستقلة عن بعضها البعض لابداء الرأي في كل منها على حدة. وحتى في التعديلات الدستورية عندما يتعرض التعديل لعدد من المواد. المفروض أن كل مادة تعالج موضوعا مستقلا، ولذا يجب الاستفتاء عنها مادة مادة، لا جمعها في رزمة واحدة يمتنع الرد عليها مجتمعة بلا أو نعم. فمثلا “هل توافق على تعديل المادة كذا من الدستور بحيث يأتي الرئيس بالانتخاب العام المباشر، وتعديل المادة مذا بحيث يشترط أن يكون المرشح للرئاسة رئيسا لحزب ممثل في مجلس الشعب؟” هذا لا يجوز لأن المواطن قد يؤيد الانتخاب المباشر ولا يؤيد القيد المفروض على المرشح، وقد يعترض على الاول ويوافق على الثاني. ولذا يجب طرح كل مادة يراد تعديلها على حدة ليقول المواطن رأيه فيها مادة مادة. أما دس السم في الدسم فير جائز.

(رابعا) أن تكون الفترة الزمنية بين الاعلان عن القرار باجراء الاستفتاء وموعد الاستفتاء الفعلي فترة معقولة تسمح للمؤيدين والمعارضين بعرض مواقفهم على الشعب ليأتي القرار عن وعي وادراك لمفهوم وأهمية ما هو مطروح للاستفتاء، فلا تسلق الامور سلقا سريعا، خاصة في قضايا جوهرية قد يصعب التخلص منها مستقبلا. وفي هذه الفترة الزمنية لا يجوز تقييد حرية الرأي أو ممارسة الضغوط أو الاعتقالات على المعارضين أو المخالفين، والا فقد الاستفتاء معناه.

وسنبحث الآن الوضع الفلسطيني ومدى توفر هذه الشروط فيه.

الاستفتاء الفلسطيني

الجهة المختصة بتقرير اجراء الاستفتاء

3 – موضوع الاستفتاء بشكل عام يتعلق باتفاقية تمس الشعب الفلسطيني كله وتؤثر في حاضره ومستقبله، وهو الى حد ما شكل من أشكال تقرير المصير. ولذا يجب الا يصدر الا عن الجهة التي تمثل الشعب الفلسطيني كله، وهذه الجهة هي منظمة التخرير الفلسطينية ممثلة بالمجلس الوطني الفلسطيني. اللجنة التنفيذية لجنة تنفيذية، أي أنها تنفذ السياسات التي يضعها المجلس الوطني، وليس لها الحق في تقرير هذه السياسات. فالمادة 15 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير تنص على ما يأتي: ” اللجنة التنفيذية هي أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة وتكون دائمة الانعقاد وأعضاؤها متفرغون للعمل، وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية تضامنية وفردية”. كما تنص الفقرة (د) من المادة 16 على أن تباشر ،على وجه العموم ” جميع مسؤوليات منظمة التحرير وفق الخطط العامة والقرارات التي يصدرها المجلس الوطني”. ومؤدى هذه النصوص أن اللجنة التنفيذية ليس لها الحق في أن تبدأ أوتباشر سياسات من جانبها الا في داخل الحدود التي رسمها المجلس الوطني، وأن المجلس هو صاحب القرار النهائي في هذه السياسات. صحيح أن المادة 16 (أ) من النظام الاساسي تنص على أن اللجنة التنفيذية تتولى “تمثيل الشعب الفلسطيني”. غير أن هذا التمثيل يمارس في حدود ما خولته الأداة المانحة له، وهو النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وورد النص عليه في المادتين 15 و16(د)، وليس للجنة التنفيذية صفة تمثيلية خارج هاتين المادتين، لاسيما في رسم السياسات واتخاذ القرارات أو ابرام الاتفاقيات. لها أن تتفاوض في حدود ما قرره المجلس الوطني، والمجلس الوطني، الذي هي مسئولة أمامه، هو صاحب القرار في مدى التزام اللجنة التنفيذية بما حدده المجلس وقرره من سياسات. وفي ضوء هذا فانه لا يحق للجنة التنفيذية أن تتخطى المجلس الوطني وتطرح للاستفتاء على اتفاقيات أبرمتها قبل أن يقول المجلس الوطني رأيه فيها، وعندئذ هو الذي يقرر الذهاب للاستفتاء من عدمه. ويصبح الموضوع ذا أهمية خاصة نظرا لأن المجلس الوطني لم ينعقد بجدية خلال العشرين سنة الماضية، وغيب تماما عما يجري، فضلا عن أن بعض أعضاء اللجنة التنقيذية لهم مواقف مسجلة عليهم تتعارض مع قرارات المجلس وما اصطلح على تسميته بالثوابت الفلسطينية.

3- قد يقال إن رئيس السلطة له الحق في ذلك بمفرده أو مع السلطة. وهذا قول لا سند له في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا في القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية. ومع احترامنا لرئيس السلطة، فانه من الخطأ تسميته بالرئيس الفلسطيني، حيث أن هذه التسمية قد تضلل البعض عن حقيقة الوضع القانوني، وبالتالي عما يملكه من صلاحيات. الأخ محمود عباس هو رئيس السلطة من جهة ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير،من جهة أخرى (وكان الأفضل الفلصل بين المنصبين) ولم ينتخب رئيسا لفلسطين. وانتخابه كرئيس للسلطة لم يشارك فيه سوى المواطنين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، واختصاصاته، بهذه الصفة، هي ما أجازته اتفاقية أوسلو والقانون الاساسي للسلطة. أما اختصاصه كرئيس للجنة التنفيذية فقد حدده أيضا النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، على الوجه الذي بيناه فيما تقدم. وداخل اللجنة التنفيذية فانه لا يتمتع باختصاص ينفرد به، خاصة في تقرير السياسات، وتستطيع اللجنة التنفيذية التي انتخبته رئيسا لها أن تعدل عن قرارها وتختار غيره من اعضائها لرئاستها. ولا يغيب عن البال أن المجلس الوطني ينتخب جميع أعضاء اللجنة التنفيذية، وأن اللجنة، لا المجلس الوطني، هي التي تنتخب رئيسا لها (المادة 13 من القانون الاساسي لمنظمة التحرير). وكانت هذه المادة تنص على أن يتولى المجلس الوطني نفسه انتخاب الرئيس، ثم عُدِّلَت بعد دخول المنظمات في المجلس الوطني للتأكيد على العمل الجماعي للجنة وعدم التمييز بين أعضائها، وتقرر أن تقوم اللجنة نفسها بانتخاب رئيسها، بدلا من أن ينتخبه المجلس الوطني، لأنه في هذه الحالة لا تستطيع اللجنة تنحيته، مما قد يؤدي الى احساسه بأنه في وضع متميز، ويستطيع التفرد في قرارات ومواقف، دون أن تستطيع اللجنة محاسبته عليها وتعاقبه بتنحيته عند الاقتضاء.

4- وليس في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا في القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية أي نص عن الاستفتاء. غير أن هذه الوثائق التأسيسية جاءت محددة بوضوح لصلاحيات كل من اللجنة التنفيذية للمنظمة ورئيس السلطة، ولا يجوز لهما تجاوز هذه الاختصاصات، بادعاء اختصاص لم تمنحه لهما هذه الوثائق التأسيسية التي هي مرجعيتهما. ويبقى الاختصاص في المجلس الوطني وحده بصفته المرجعية العليا فيما يتعلق بالقضية وصاحب الاختصاص الضمني في كل ما يتعلق بها وإن لم يرد نص صريح بذلك. ومما تجدر الاشارة اليه أن في المجلس الوطني لجان متخصصة تستطيع أن تنكب على دراسة الجوانب المختلفة للاتفاق بحيث ينكشف ما فيه من مزايا وعيوب تكون موضع حوار داخل المجلس، ومن بين هذه اللجان اللجنة السياسية واللجنة القانونية. وبناء عليه تستطيع اللجنة التنفيذية أن تتفاوض في حدود ما رسمه المجلس الوطني من سياسات، ولكن نتيجة هذه المفاوضات تخضع لموافقة المجلس قبل اجراء أي استفتاء، والمجلس نفسه هو الذي يقرر ذلك.

مشكلة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني

5- المشكلة التي يواجهها الشعب الفلسطيني هو هذا التغييب الكامل للمجلس الوطني. لقد تفاوضت المنظمات بشأن هذا المجلس، واتفقت، ولكن اتفاقها لم ينفذ حتى الآن، ولا يصح أن يترك مصير المجلس الوطني بيد المنظمات. فالفصائل والمنظمات ليست هي كل الشعب الفلسطيني، في حين أن المجلس الوطني هو للشعب الفلسطيني كله، وليس للمنظمات. المنظمات لها أعضاؤها الذين يمثلونها داخل المجلس، ولكن وجود المجلس وانعقاده وقيامه بواجباته ليس مرهونا باتفاق الفصائل. وقد أفتت اللجنة القانونية في المجلس أيام أن تشرفت برئاستها بأن أية اتفاقيات تتم بين الفصائل لا تكون ملزمة للمجلس. من حقها أن تعرض على المجلس هذه الاتقاقيات، وللمجلس أن يرى رأيه فيها، حيث أن المجلس يضم مستقلين أيضا، وكنوا هم في معظم الاوقات الاغلبية. إن المسئولية عن تعطيل المجلس وتغييبه تقع على رئيس المجلس وعلى اللجنة التنفيذية وعلى الاعضاء أنفسهم الذين لم يطالبوا بشكل منظم بانعقاد المجلس. فالمادة 18 من اللائحة الداخلية للمجلس الوطني تنص على ما يلي: ” ينعقد المجلس دوريا بدعوة من رئيسه مرة كل سنة أو في دورات غير عادية بدعوة من رئيسه بناء على طلب من اللجنة التنفيذية أو من ربع أعضاء المجلس. فاذا لم يدع رئيس المجلس الى مثل هذا الاجتماع يعتبر الاجتماع منعقدا جكما بالمكان والزمان المحددين في طلب أعضائه أو طلب اللجنة التنفيذية”. الرئيس موجود، وكذلك اللجنة التنفيذية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون قد مد في عمر ربع أعضاء المجلس بعد هذه المدة الطويلة على عدم انعقاده. والمجلس القائم لم يجر حله. أما الفصائل فلا دور لها في دعوة المجلس للانعقاد الا من خلال عضويتها في اللجنة التنفيذية أو الا اذا كان لها من عدد الاعضاء ما هو ربع أعضاء المجلس، أو تحالفت مع عدد كافٍ من أعضاء المجلس للوصول الى هذه النسبة. وقد تعمدت لجنة الميثاق والانظمة في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية على ادراج هذا النص في النظام الاساسي للمنظمة لتقطع الطريق على امكانية تحكم رئيس المجلس الوطني أو اللجنة التنفيذية في دعوة المجلس الوطني للانعقاد، فأتاحت الفرصة للأعضاء أنفسهم لتوجيه هذه الدعوة، اذا توفرت النسبة المطلوبة واستطاعت توفير مكان للانعقاد. فاذا توفرت هذه النسبة عقد الاجتماع في المكان والزمان المحددين في الدعوة، سواء رضي رئيس المجلس أو اللجنة التنفيذية أم لم يرضيا. واذن فامكانية الدعوة للانعقاد موجودة، بعد اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك، وعلى الاعضاء والفصائل أن تنشط في هذا الاتجاه. المشكلة العملية هي في ايجاد الدولة التي تقبل أن تستضيف المجلس الذي بلغ عدد أعضائه في آخر اجتماع له حوالي أربعمائة. إن العدد الحالي لا شك أنه أقل من هذا بكثير، فقد توفي من توفي وأصبح عاجزا من أصبح بعد مضي حوالي عشرين سنة على آخر اجتماع جدي منتظم للمجلس. وعلى أية حال فقد كان المجلس ينعقد باعضائه وضيوفه، وبالامكان الاستغناء عن الضيوف والمراقبين، كما أن كثيرا من أعضاء المجلس كانوا يتحملون نفقات سفرهم واقامتهم، وعلى الفصائل أن تتحمل ذلك بالنسبة لممثليها.

ضم أعضاء جدد للمجلس الوطني وقضية الانتخابات

6- قد يقال إن المجلس الحالي لا يضم فصائل ظهرت على الساحة الفلسطينية ولا يجوز تجاوزها. هذا ضحيح، حيث أن المجلس يجب أن يضم ممثلين عن جميع القوى الفاعلة في المجتمع الفلسطيني. ولكن من الصحيح أيضا أنه لا يجوز فرض شروط مسبقة على من يجوز له أن يكون عضوا، وعلى وجه الخصوص لا يجوز أن يشترط عليه قبول جميع ما سبق للمجلس أن اتخذه من قرارات أو رسمه من سياسات. المجلس الوطني هو برلمان الشعب الفلسطيني، والبرلمانات تضم أعضاء من جميع الاتجاهات. وفي المجلس الحالي ذاته تم الاعتراف بوجود معارضة. وقد جرى ذلك في دورة الجزائر عام 1988، وهي آخر دورة فاعلة للمجلس. في تلك الدورة أقر المجلس وثيقتان، الاولى وثيقة اعلان الاستقلال، وجرى اعتمادها بالاجماع. أما الثانية فكانت البيان السياسي الذي حدد سياسة المنظمة للمرحلة القادمة. وهذه الوثيقة تمت الموافقة عليها بالاغلبية فقط، حيث كان هناك معارضة. وكان يقود المعارضة في ذلك الوقت المرحوم فقيد فلسطين الدكتور جورج حبش. وأقر المجلس مبدأ المعارضة كمعارضة معترف بها. هذه هي طبيعة العمل البرلماني السليم. أما محاولات فرض منظور معين على الجميع فذلك يتعارض تماما مع الديموقراطية البرلمانية التي تبناها الشعب الفلسطيني. وفي مسيرة المجلس الوطني لم يكن هناك اجماع الا على وثيقة اعلان الاستقلال. وأعضاء المجلس يذكرون أنه في دورة الجزائر بالذات نجح قرار عارضه الرئيس الراحل معارضة صريحة بالتكلم ضده أثناء مناقشته ثم اثناء التصويت عليه، وهو مشروع القرار الذي تقدمت به بصفتي رئيس اللجنة القانونية يطالب بوضع قانون اساسي للدولة العتيدة التي أعلن عن استقلالها في تلك الدورة. المجلس الوطني كان دائما سيد نفسه، كانت فيه معارضة وكان فيه حوار مسئول. ولذا لا يصح فرض شروط على عضوية المجلس تتعلق بالرأي أو الموقف السياسي، وها هي اسرائيل مثال بارز على ذلك حيث يضم الكنيسيت أعضاء من أقصى اليمين المتطرف غاية الطرف الى ما دون ذلك، ومجلس الوزراء كذلك، أم إن الحلال لهم حرام علينا؟.

7- ولكن كيف يمكن ضم أعضاء جدد للمجلس في ضوء التغيرات التي وقعت داخل المجتمع الفلسطيني بعد تشكيل المجلس الحالي؟ تعرضت لذلك المادة 32 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير فنصت على ما يلي: “يحق للمجلس الوطني، وتعود له وحده صلاحية ضم أعضاء جدد اليه من حين لآخرن حسنما يرى ذلك ملائما، وبحسب ما تمليه متطلبات معركة التحرير، ومقتضيات تعميق الوحدة الوطنية، في ضوء أحكام الميثاق الوطني، وذلك وفق نظام تقدمه اللجنة التنفيذية في الدورة المقبلة”. ولا أذكر أن اللجنة التنفيذية تقدمت بهذا النظام، ومع ذلك يبقلى الأصل، وهو حق المجلس الوطني في ضم أعضاء جدد مراعاة للاعتبارات الواردة في المادة المذكورة. وبناء عليه يمكن للمجلس أن ينعقد بأعضائه الباقين الحاليين، وفي مقدوره في الجلسة الاولى أن يضم أعضاء جددا. وقد ضم المجلس أعضاء جدد، وهذا هو السبب في تضخم عدد الأعضاء. وهذا النص لا يترك ضم الاعضاء الجدد للمساومات بين الفصائل، وانما الذي يبت فيه نهائياً هو المجلس نفسه بقرار منه، بعد أن يستمع الى مبررات الضم. إن تطبيق هذه المادة يعين على عقد اجتماع للمجلس الوطني ليقوم بدوره من مراجعة السياسات السابقة التي اتخذها في ضوء تغير الظروف، ويكون مناسبة لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة، ومساءلة اللجنة التنفيذية الحالية ومحاسبتها بطريقة دستورية سليمة، ويتيح في الوقت ذاته ضم أعضاء جدد لمشاركة القوى التي جدت على الساحة الفلسطينية، في انتظار انتخاب مجلس جديد. أنه لا يجوز أن يظل المجلس معطلا في انتظار اتفاق الفصائل أو في انتظار انتخابات جديدة، قد تقع أو لاتقع. ونود أن نُذَكِّرَ الإخوة بأن موضوع الانتخابات ليس جديدا، فقد تعرضت له المادة 5 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ونصت على أن يكون انتخاب الاعضاء “عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية”. غير أن هذا النص قد تعذر تنفيذه تنفيذا كاملا، ذلك أنه، بعد اعلان قيام منظمة التحرير في القدس عام 1964 واقرار الميثاق الوطني والنظام الاساسي لمنظمة التحرير، تَقَدَّم المرحوم الاستاذ أحمد الشقيري (أبو مازن) بتقريره للقمة العربية وطلب أن يسمح له باجراء انتخابات للمجلس الوطني، فأحاله الرؤساء للتفاوض مع كل دولة عربية على حدة. وطاف أبو مازن بين هذه الدول، فلم توافق دولة واحدة على اجراء هذه الانتخابات من قبل الفلسطينيين المقيمين في أراضيها. ومن هنا جاء الاختيار بدلا من الانتخاب. فهل تغيرت الأوضاع؟ وهل سيسمح للفلسطينيين في الافطار العربية أن يجروا انتخابات حرة نزيهة، تحت مراقبة دولية كتلك التي أجروها عام 2006؟ وهل من مصلحة القضية أن يظل المجلس الوطني معطلا الى أن تتاح فرص الانتخاب؟ المجلس الحالي لا يزال قائما بالرغم من مضي المدة، ذلك لأن المادة 6(أ) من النظام الاساسي لمنظمة التحرير تنص على أنه “اذا تعذر اجراء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني استمر المجلس الوطني قائما الى أن تتهيا ظروف الانتخابات.” كما أن الفقرة (ب) من نفس المادة تنص على أنه ” اذا شغر مقعد أو أكثر في المجلس الوطني لأي سبب من الاسباب، يعين المجلس العضو أو الأعضاء لملء المقاعد الشاغرة”.

8- نخلص من هذا الى أن المجلس الوطني هو صاحب القرار في اجراء الاستفتاء، وأنه بالامكان تفعيل هذا المجلس بحيث يضم كل القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية، وأن المماطلة في عقده لا مبرر لها، وانما تضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.

مراعاة مسبقة لما تنص عليه الدساتير والقوانين

9- سبق أن ذكرنا أنه لم يرد بشأن الاستفتاء نصوص لا في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا في القانون الاساسي للسلطة الوطنية. وفي هذه الحالة يراعى ما جرى عليه عرف الدول التي يشابه نظامها الدستوري النظام الفلسطيني، أي الدول ذات النظام البرلماني الديموقراطي وتعترف بالتعددية كأساس لهذا النظام.

موضوع الاستفتاء

10 – إن الإساءة الكبرى التي يتعرض لها الاستفتاء تكمن في نوعية طرح الاسئلة التي يراد الرد عليها إما بنعم وإما بلا. وقد سبق أن بَيَّنا أن موضوع الاستفتاء يجب أن يكون محددا في مسألة واحدة لا تحتمل سوى الرد بلا أو نعم، وقدمنا أمثلة على ذلك. وفي موضوع بخطورة استفتاء الشعب الفلسطيني على مصيره لا يجوز اطلاقاً التلاعب أو المناورة أو التعمية بالاستفتاء على رزمة واحدة هي الاتفاقية برمتها بحيث يطلب الموافقة عليها أو رفضها بالجملة. ومن المؤسف أصلا أن يصل الأمر الى الاستفتاء. الموضوع في الوقت الحاضر منحصر في انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 ، وما ترتب عليه من آثار. وهذا سؤال لا يحتاج الى استفتاء، واذا أُريد طرحه، فالسؤال في غاية البساطة: “هل توافق على انهاء الاجتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب عام 1967 وما ترتب عليه ما آثار؟” وهو سؤال يمكن الاجابة عليه بلا أو نعم. ولكن يبدو من مجريات الأمور أن المفاوضات تسير في اتجاهات أخرى تحت تأثير المناورات الاسرائيلية الامريكية. فهناك حديث عن اتفاق مبادئ جديد أو اتفاق حول إطار عام للحل. وهذه كلها عبارات مبهمة خالية من التفاصيل، والمشكة دائما في التفاصيل، في كل نص على حدة وفي كل مسألة على انفراد. ولذا فاننا لا نرى جدوى من استفتاء من هذا القبيل.

11 – لقد جربنا اتفاق مبادئ أوسلو، ولن يختلف عنه، من حيث المبدأ، اتفاق أصبح يسمى باتفاق اطار للحل. وكما مضى على اتفاق اوسلو خمس عشرة سنة حتى الآن للوصول الى اتفاق اطار ضاعفت اسرائيل خلالها المستوطنات اضعافا وهودت القدس أو كادت، فاننا لا ندري ما الذي سيكون عليه الحال بعد خمس عشرة سنة اخرى تنقضي في مفاوضات عبثية أخرى لتفسير معنى “الاطار” وتعيين حدود اضلاعه الأربعة أو الاربعين. لقد سمى المحلل الاسرائيلي هذه الاتفاقية ب”اتفاق الرف” ووصف الجهود الميذولة للوصول اليها بأنها جهود دبلوماسية شكلية فقط، وأنها لعبة مسرحية تثير الانطباع بأن هناك حوارا يجري، وأن هدفها من جانب أولمرت هو ابعاد الميل الآخذ في التعزز في الاسرة الدولية باقامة دولة ثنائية القومية فوق “ارض اسرائيل كلها”. هل سيجري استفتاء على “اطار” خالٍ من مضمون محدد المعالم بدقة بحيث يمكن معرفة ما فيه؟ قد تجري محاولات، وقد يصور الاطار على أنه حقيقة ثابتة، ولكننا نعلم ان الاتفاقيات مع اسرائيل هي كالرمال المتحركة تجرف الحقوق الفلسطينية بسبب ما تنطوي عليه هذه الاتفاقيات المبدئية من غموض واختمالات متناقضة.

12 – لا نريد أن نخوض في التكهنات والاحتمالات فيما ستنتهي اليه هذه المفاوضات اذا استمرت، وأغلب الظن أنها ستستمر ولو لإرضاء الرئيس الامريكي. ولكن لنتصور في حدود ما يتوقعه الفلسطينيون من نصوص تتعرض للثوابت الفلسطينية. قد ينص الاطار على “انسحاب اسرائيلي لحدود هدنة عام 1949 مع تعديلات طفيفة”. هذا اطار مطروح من جانب أحد وزراء الخارجية العرب. وقد يكون اطار بالنسبة الى القدس ينص على أن “تكون المدينة موحدة وعاصمة للدولتين وتمارس كل دولة السيادة على الاجزاء منها التي يقطنها مواطنوها”. أو أن “فلسطين من النهر الى البحر هي الوطن التاريخي والقومي للشعبين الفلسطيني واليهودي”. هذه الامثلة ليست فرضيات، وانما جرى طرحها من جانب اسرائيل وقيل إن الرئيس أبو مازن قد وافق عليها عام 2005 وأن الاتفاق كان جاهزا، ولكنه وضع على الرف لأن انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 جاءت على خلاف التوقعات. غير أنها، من الجانب الاسرائيلي على الأقل، تصلح أن تكون جزءأً ما اتفاق الاطار للحل. فهل تصلح هذه، حتى ولو أستفي عنها واحدة واحدة، أن تكون موضوع استفتاء؟ المغريات للمفاوض الفلسطيني واضحة، والصياغة الاسرائيلية تعمدت هذا، وقد يقع المقاوض الفلسطيني في حبال الاغراء هذه، ويوافق على طرحها للاستفتاء، وقد وقع فعلا في هذه الحبال، ونشرنا في القدس العربي مقالين بشأنها، أوضحنا فيهما المخاطر والمزالق، وطالبنا بنفي الاتفاق الذي زعمته الصحافة الاسرائيلية. ولم يصدر هذا النفي.

13 – من الناحية الشكلية فقط لا يجوز الاستفتاء على اتفاق كهذا بحيث يكون المطلوب هو الجواب بلا أو بنعم على الاتفاق في مجمله لأن كل بند من هذه البنود غامض وغير محدد. ففي موضوع الحدود، ما معنى “التعديلات الطفيفة” التي يراد ادخالها على حدود الهدنة؟ ثم في ضوء المتغيرات الديموغرافية التي تجريها اسرائيل يوميا في القدس وما ستجريه فيما بعد هذا الاتفاق، حتى ولو نص على التزامها بالامتناع عن اجرائه، ما الذي تبقى من القدس فلسطينيا في أرض الواقع؟ وهل بقي منها ما تمارس الدولة الفلسطينية السيادة عليه، باستثناء سيادة رمزية في أحسن الأحوال؟ وكذلك الأمر بالنسبة لكون فلسطين وطنا تاريخيا وقوميا للشعبين الفلسطيني واليهودي. القصد من وراء هذه الصياغة واضح. لا أحد يطعن في أن فلسطين وطن تاريخي وقومي للشعب الفلسطيني، ولكن موضع التساؤل هو الفرصية الثانية. عندما يكون اطار الاتفاق بهذا الشكل ويطرح للاستفتاء فان المُستَفتَى من ابناء الشعب الفلسطيني يقع في حيرة من أمره بسبب الغموض من جهة وظاهر الاغراء من جهة ثانية والتسليم بما لايمكن التسليم به من جهة ثالثة. ولذا لا يمكن الجواب عليه بلا أو نعم.

14 – ولذا يجب أن يتحول كل موضوع منها الى عدد من الاسئلة تطرح موضوعا محددا. فمثلا في موضوع الحدود تكون الاسئلة كالاتي: (1) هل توافق على الانسحاب الاسرائيلي الى حدود هدنة 1949؟” (2) هل توافق على ادخال تعديلات طفيفة غير محددة الآن على تلك الحدود؟” (3) ” اذا أجبت بنعم على السؤال الثاني، هل يجب أن تكون التعديلات محددة ومعروفة لكي توافق عليها؟” كل سؤال من هذه الاسئلة يحتمل الجواب بلا أو نعم دون أن يكون في الموقف غموض. ويمكن صياغة الاسئلة بالنسبة للموضوعات الأخرى استنادا الى هذه القاعدة. وهذا ينصرف الى كل نص من نصوص الاتفاق. فما ينال الموافقة يكون مقبولا وغيره يكون مرفوضا. وهناك جهات متخصصة في اجراء الاستفتاءات يمكن الاستعانة بها.

15 – إن الامثلة السابقة تبين الأهمية القصوى لوجوب دراسة جميع الاقتراحات والطروحات الاسرائيلية والفلسطينية على حد سواء دراسة تحليلية واعية متأنية، واعادة دراستها وتحليلها، من جهات غير تلك التي تفاوضت بشأنها والتي لا تكون متأثرة بأجواء قد لا تكون ملائمة، كمثل وجود العائلات والاطفال من الجانبين معا والمعايشة، كما حصل عند التفاوض على اعلان مبادئ أوسلو. المفاوضات الجادة ليست مناسبة للتفسح أو لإنشاء علاقات اجتماعية وأسرية. والجهة التي تستطيع أن تدرس وتزن يجب أن تكون غير الجهة التي تفاوضت، وفي الحالة الفلسطينية هي المجلس الوطني الفلسطيني ومستشارون مستقلون أكفاء كأولئك المحامين الذين مثلوا فلسطين أمام محكمة العدل الدولية في قضية الجدار.

من الذي يُسْتَفتَى؟

16 – سُئِل أحد مستشاري رئيس اللجنة التنفيذية، وما أكثر من يتبرعون بالردود والحديث للفضائيات، عن الفلسطينيين الذين سيجري استفتاؤهم، فأجاب فلسطينيو الضفة والقطاع، ومن هم في الشتات قدر الامكان. وغاب عن السيد المستشار أن غالبية أبناء الشعب الفلسطيني هم في الشتات، ولا يكفي ابدا في قضية مصيرية أن تكون دورهم “بقدر الامكان” بما تتضمه هذه الكلمات من استخفاف متعمد أو غير متعمد. وفلسطينيو الشتات لا يهمهم فقط موضوع حق العودة، وانما يهمهم أيضا كل ما يهم الأهل في الداخل. والتات الفلسطيني يشمل اللاجئين المقيمين في المخيمات وغيرهم من ابناء فلسطين من يعيشون خارج أرض الوطن، وهم ممثلون في المجلس الوطني الفلسطيني، وهم القادرون على ترتيب الاستفتاء وتنظيم الاشراف عليه، ومعظمهم ينتمي للجالية الفلسطينية في البلد الذي يقيم فيه. ومن المؤسف أن اللجنة التنفيذية حاربت كل تجمع فلسطيني في الشتات واعتبرته اعتداء على سلطاتها وأن هدفه الاطاحة بمنظمة التحرير. ونسيت اللجنة أن سلطتها مستمدة من هذا الشعب، في الوطن والشتات، وأنه هو صاحب القضية ومن حقه أن يتلاقى وأن ينظم نفسه لحماية حقوقه في وطنه والدفاع عنها، خاصة عندما يرى ما يراه من اللجنة وأعضائها. الاستفتاء يجب أن يشملهم جميعا، والمجلس الوطني وحده هو الذي يضع القواعد ويحدد اسلوب ووسيلة الاستفتاء بصفته جامعا لممثلي الشعب في الارض وفي الشتات.

مصير الاستفتاء

17 – والسؤال الأخير هو متى يعتبر الاستفتاء ملزما؟ تختلف الأعراف في هذا الشأن. فهناك من يشترط نسبة معينة يجب توفرها في المشاركين فيه من بين مجموع من لهم الحق في المشاركة ثم أن ينال الاستفتاء أغلبية معينة من بين هؤلاء، كالاغلبية البسيطة أو أغلبية الثلثين. ويشترط هذا كله عادة عندما يكون موضوع الاستفتاء ذا اهمية خاصة. وثمة اعراف تكتفي بالاغلبية البسيطة للمشاركين بغض النظر عن نسبة المشاركين من بين من لهم الحق في المشاركة. وحيث أنه لم يرد نص خاص بالاستفتاء في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فلعله من المفيد الاستهداء بالأغلبيات المطلوبة لصحة قرارات المجلس الوطني، حيث أن المجلس مخول باتخاذ اخطر القرارات بالنسبة للقضية. وقد نصت المادة 12 من النظام على:” يتكون النصاب القانوني للمجلس بحضور ثلثي أعضائه، وتتخذ القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين.” والنسبة الثانية الواردة في النظام تتعلق بتعديله وهي المادة 55 والتي تشترط أن يفوز التعديل بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وليس ثلثي الخاضرين. ونظرا لخطورة موضوع الاستفتاء وما ينطوي عليه من آثار فاننا نرجح أن ينال الاستفتاء في كل بند من بنوده التفصيلية موافقة ثلثي المشاركين فيه من المقيمين ومن هم في الشتات، أي ثلثي كل فئة على حدة بسبب اختلاف الظروف التي تحيط بكل فئة. وفي جميع الاحوال فان هذا الموضوع متروك ليرى المجليس الوطني رأيه فيه كعنصر من عناصر ترتيبات الاستفتاء.