Home » 2009 » September

مجلس الكنائس العالمي والمستوطنات الاسرائيلية

مجلس الكنائس العالمي والمستوطنات الاسرائيلية

‘إن الاستيطان المتواصل في الاراضي خارج حدود اسرائيل المعترف بها دوليا (حدود الخط الأخضر لعام 1949) مرفوض من قبل جميع العالم تقريبا ويلاقي عدم تصديق واسع الانتشار لأنه غير شرعي وغير عادل ويتعارض مع السلام ويتنافى مع المصالح المشروعة لدولة اسرائيل’. ‘نطالب الحكومة الاسرائيلية بأن تجمد بحسن نية وعلى وجه الاستعجال كافة أعمال البناء الاستيطاني والتوسع فيه، كخطوة أولى في اتجاه ازالة جميع المستوطنات’.

الكلام هذا ليس لمسؤول عربي أو فلسطيني، وليس جزءا من بيان أو قرار رسمي عربي أو فلسطيني، وإن كنا نسمع قريبا منه أحيانا للاستهلاك المحلي. إنه جزء من بيان صدر عن اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي في دورتها المنعقدة في مقرالمجلس بجنيف في الفترة ما بين 26 آب (أغسطس) و2 ايلول (سبتمبر ) 2009، وأُعْلِنَ على الملأ يوم انتهاء الاجتماعات أي في الثاني من هذا الشهر. البيان يقع في ست صفحات باللغة الانكليزية كلها مكرسة لموضوع الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، والغاءِ الاستثمارات الكنسية وفرض المقاطعة. ومن المتوقع بطبيعة الحال أن يكون للبيان نص رسمي باللغة العربية، ولكن يبدو أنه غير متوفر على الموقع يوم كتابة هذا المقال. ويستطيع القارئ الاطلاع على النص الانكليزي وطباعته بزيارة موقع المجلس وهو: www.oikoumene.org/’id=7156 .

يُعَرِفُ المجلس نفسه بأنه يدعو الى الوحدة المسيحية في العقيدة وفي الشهادة والخدمة لعالم عادل يعم فيه السلام . وقد تأسس عام 1948 ويضم في عضويته 349 طائفة بروتستانتية وأرثوذوكسية وانجليكانية وغيرها من الطوائف، مما يمثل في مجموعه 560 مليون مسيحي في أكثر من 110 بلدان. ويعمل المجلس بالتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية. من المؤسف أن الاعلام العربي والعديد من الكتاب العرب قلما يتنبهون بجدية لموقف الكنائس المسيحية في الغرب، وخاصة مجلس الكنائس العالمي، من القضية الفلسطينية، وبالتالي فانهم قلما يتفاعلون بايجابية مع هذه المواقف. وتكون النتيجة أن المواطن العربي العادي وكذلك معظم الحركات الاسلامية تظل تجهل مدى التأييد الذي تحظى به القضايا العربية/الاسلامية، وفي مقدمتها العراق والقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، من الكنائس والمجلس الذي يمثلها. من واجب المسلمين، وخاصة الحركات الاسلامية المتنورة والهيئات العلمية الاسلامية، التي تتفهم روح الاسلام وما يتميز به من تسامح وعقلانية، متابعة هذه التطورات واقامة علاقات حضارية متواصلة بناءة معها انطلاقا من قاعدتين اساسيتين أعلنهما الاسلام وهما: (أولا) ‘لا اكراه في الدين’ و ‘لكم دينكم ولي دين’ وثانيا ‘وجادلهم بالتي هي أحسن’ و ‘انما أنت مبشر لست عليهم بمسيطر’ والمبشر هو الذي يدعو بالكلمة الطيبة، لا بالكلمة التي تُنَفِرُ وتُباعِد، والكلمة الطيبة هي الفريضة الاسلامية. هؤلاء، وكثيرون من الأفراد والمؤسسات من غير المسلمين يختلفون مع حكوماتهم وسياساتها، ويتحملون من أجل ذلك ما يتحملون، وواجبنا الشد على أيديهم لا اهمالهم أو التنكر لهم أو مخاطبتهم بعبارات تحقير أو عداء.

البيان

لنعد الآن الى البيان. في مقدمته المكونة من أربع عشرة نقطة استعرض جوانب من القضية الفلسطينية وما كان المجلس قد اتخذه من قرارات في اجتماعات سابقة. في الفقرة الاولى أشار الى أن قرار التقسيم الذي تبنته الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1947 بقيام دولتين في فلسطين قد نفذ في جانب واحد منه، وهو قيام اسرائيل، في حين أن الجانب الآخر، وهو قيام دولة فلسطينية ما زال في انتظار التنفيذ. ويصرح بأن ‘سياسة اسرائيل الاستيطانية في الاراضي التي احتلت عام 1967 هو عائق دون تحقيق هذا الوعد وعائق أمام قرار المجتمع الدولي بشأن دولة فلسطينية قابلة للحياة. إن الاستيطان المتواصل في الاراضي خارج حدود اسرائيل المعترف بها دوليا (حدود الخط الأخضر لعام 1949) مرفوض من قبل جميع العالم تقريبا ويلاقي عدم تصديق واسع الانتشار لأنه غير شرعي وغير عادل ويتعارض مع السلام ويتنافى مع المصالح المشروعة لدولة اسرائيل. ومع أن حق اسرائيل في أن تعيش في أمان يثير تعاطفا ودعما عالميا، الا أن سياساتها في التوسع والضم تولد استهجانا أو عداء لأنها تدل دلالة مباشرة على طبيعة الاحتلال’. النقطة التي ينطلق منها المجلس هي اذن قرار التقسيم ، مع أنه يشير الى حدود عام 1949، وهي ليست حدودا دولية وانما هي حدود هدنة، ولا يعترف بها كحدود بين الدولتين الا بالاتفاق بينهما. والأصل قانونا لمن يعترف بشرعية قرار التقسيم هي الحدود التي رسمها ذلك القرار.

في الفقرة الثانية يصرح البيان ‘بأنه توجد في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، حوالي مائتي مستوطنة تضم 450000 مستوطن. وهذه المستوطنات تجعل محاولات المجتمع الدولي للوصول الى حل سلمي محاولات أشد هزالا ومستحيلة عمليا. وحتى فإن ‘تجميد الاستيطان’ الذي طلبه أهم حليف لاسرائيل، فانه ووجه بدوامة أحرى من التأخيرات المتعمدة والتنازلات المؤقتة والشروط المسبقة التكتيكية – أمور تؤدي الى تآكل حسن النية وتدمير الأمل وتقضي على مفاوضات ذات معنى، وهي مسائل يمكن أن يشملها تجميد يتم عن حسن نية. وهذا الرفض لتجميد التوسع يدل أيضا على رفض للتعامل مع القضية المركزية في الاحتلال والمستوطنات بهذه الصفة’. هذا التحليل للمناورات الاسرائيلية حول الطلب الامريكي لتجميد الاستيطان قلما تجده في أي مكان آخر، وهو يكشف جانبا لا تسمعه من أي مصدر رسمي عربي أو فلسطيني. وغياب حسن النية من المؤكد أنه لا يجرؤ على النطق به أي مصدر من هذه المصادر خوفا من ردود الفعل الاسرائيلية.

في الفقرة الثالثة يكشف البيان طبيعة الاحتلال الاسرائيلي ويركد مرة أخرى ما تضعه اسرائيل من عراقيل في طريق السلام. تقول هذه الفقرة ‘إنه لمما يسر أن الادارة الامريكية وحكومات دول أخرى كثيرة قد عبرت عن تصميمها على ازالة العقبات التي تقف في طريق السلام وأن تسوي الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بمفاوضات موضوعية ونهائية. وهذا سيكون بداية لعلاقات جديدة في شرق أوسط أوسع. ولكن مما لايشجع على ذلك أن الأحداث في الاراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية تكشف مرة أخرى طبيعة الاحتلال الاسرائيلي التي لا تهاون فيها والاسلوب المستمر لخلق عوائق جديدة في وجه السلام’. بهذا يؤكد مجلس الكنائس العالمي أن اسرائيل لا تريد السلام وأنها تصطنع العقبات المتوالية لمحاولة اجهاض المفاوضات الجادة التي تريدها الولايات المتحدة والعديد من دول العالم. وتؤكد هذه السنوات العديدة التي مرت على أوسلو وشهدت تضاعف عمليات الاستيطان والعراقيل التي وضعت في طريق مفاوضات جادة في انتظار استكمال المشروع الصهيوني وهو السيطرة الكاملة على فلسطين بموافقة تفرض على الشعب الفلسطيني في مفاوضات لا مجال فيها الا لقبول الامر الواقع الذي تكون اسرائيل قد فرضته سواء في الضفة أو في القدس. وهذا ما تسعى اسرائيل الآن الى تحقيقه بمناوراتها وتصرفاتها وادعائها في الوقت ذاته بأنها تريد السلام اما الفلسطينيون فهم الذين يماطلون أو لا يوجد بينهم من تتفاوض معه.

في الفقرة الرابعة يستعرض البيان التوسع في الاستيطان بدلا من وقفه وأثر ذلك على الشعب الفلسطيني، ويشير الى الوحدات السكنية التي ستبنى في القدس وبقية الضفة الغربية، والى تدمير المنازل الفلسطينية وطرد سكانها منها والى الخطر الذي تتعرض له الاملاك وذلك تمهيدا للفقرة الخامسة من البيان. في هذه الفقرة يقول البيان ‘إن وجود هذه المستوطنات غير الشرعية والبنى التحتية المرافقة لها بما في ذلك جدار الفصل، وما يسمى ‘بمناطق الأمن’ وشبكة الانفاق الواسعة الانتشار، وطرق التحوي ونقاط التفتيش، كل هذا يحول بين الفلسطينيين وبين أجزاء كبيرة من أراضيهم ومصادر مياههم. إنها تقيد حرية حركتهم وتنتقص من كرامتهم الانسانية الاساسية ويمس بحقهم في الحياة في الكثير من الحالات. كما لها تأثير خطير على حق الفلسطينيين في التعليم والوصول الى مراكز الرعاية الطبية. انها تدمر الاقتصاد الفلسطيني باعاقة حركة انتقال المنتجات، الأمر الذي يجعل وجود دولة فلسطينية قابلة للحياة شبه مستحيل التحقيق. وهذا يضاعف الشعور بالحرمان من الأرض واليأس في أوساط الشعب الفلسطيني ويساهم في اشعال التوترات في المنطقة ويشكل تهديدا لأمن اسرائيل’.

في الفقرة السادسة يتعرض البيان للقدس فيقول ‘إن المستوطنات غير الشرعية في القدس وحولها يهدد مستقبل المدينة المقدسة، هذا المستقبل الذي يجب التفاوض بشأنه كجزء من اتفاقية سلام شامل. إن المستوطنات تعزل القدس عن باقي الضفة الغربية الفلسطينية، فتفرق بين الاسر وتقطع العلاقات الاقتصادية والدينية والثقافية الجوهرية. ان السياسات الاسرائيلية التي تقيد حقوق الاقامة للمقدسيين بمصادرة بطاقات الاقامة وتضييق أذونات البناء ورفض لم شمل العائلات الخ. تهدف الى تغيير طبيعة المدينة المقدسة التي يجب أن تكون مفتوحة للجميع ومشتركة بين الشعبين والديانات الثلاث. ‘

عدم شرعية الاستيطان

بعد هذه المقدمات ، يسترجع المجلس قراراته في دورات سابقة حول الموضوع. فيشير الى قراره المتخذ في دورة 2002 والذي طالب الدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة بتنفيذ بيان هذه الاطراف الذي أكد على عدم شرعية المستوطنات وعدم شرعية تنميتها ويطالب دولة الاحتلال بأن تحترم تلك الاتفاقية احتراما كاملا وفعالا . كما أشار الى الموقف الثابت للمجلس منذ زمن طويل من أن الافعال الاحادية الجانب قد أحدثت تغييرا جوهريا في جغرافية القدس وطبيعتها السكانية وأن قرارات الامم المتحدة رقم 181و 194و303 والقرارات اللاحقة قد نصت على وضع خاص للقدس تحت نظام دولي وأن اتفاقيات جنيف تحظر اجراء تغييرات بالنسبة لسكان وطبيعة الاراضي المحتلة، بما فيها القدس. وموقف المجلس في دورته عام 2001 وقناعة المجلس بالحاجة الى مقاطعة البضائع التي تنتج في المستوطنات الاسرائيلية غير الشرعية والى ضرورة انضمام الطوائف الاعضاء، كنائس ومؤمنين، في أعمال المقاومة غير العنيفة لتدمير الممتلكات الفلسطينية وطرد الفلسطينيين بالقوة من بيوتهم واراضيهم. وقرار المجلس عام 2005 بأن الكنائس يجب ألا تكون متواطئة في النشاطات غير الشرعية في الاراضي المحتلة بما في ذلك تدمير بيوت واراضي الفلسطينيين واقامة المستوطنات والبنى التحتية المتعلقة بذلك والجدار الفاصل- وتكون لديها فرص اتخاذ اجراءات اقتصادية عادلة وشفافة وسلمية في مواجهة هذه النشاطات غير المشروعة وتأييدا لحلول سلمية للصراع. وقرار المجلس في دورة 2004 عن استهجانه لفرض حدود توسعية من جانب وتضييق متواصل على الجانب الآخرمما يوسع الحضور الاسرائيلي المدني والعسكري داخل الاراضي الفلسطينية، الامر الذي يقوض جميع جهود صنع السلام وكامل مفهوم دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة. ثم أشار البيان الى موقفه عام 1975 من أن الاماكن المقدسة المسيحية يجب أن تتوحد وتستجيب للمجتمعات المسيحية التي تتهدد حياتها وجذورها بشكل متزايد في القدس بسبب سياسات الاستيطان في المدينة. ثم أشار البيان الى النداء الذي وجهه المجلس للطوائف الاعضاء بخصوص مرافقة وتشجيع الانخراط الفاعل والسلمي في مفاوضات سلمية تؤدي الى سلام شامل وعادل يستطيع بموجبه أن تعيش أمتان في تجاور وأمن وداخل حدود معترف بها دوليا. وفي ختام البيان يعود المجلس للتأكيد على مواقفه السابقة بالتفصيل والدعوة الى احترامها.
هذا التذكير بالمواقف السابقة للمجلس والتاكيد على أنها ما زالت مواقفه، وهي مواقف مفصلة تشمل التزاما بعدم شرعية المستوطنات كلها وما طرأ عليها من توسعات، وكذلك ما أحدثته اسرائيل من تغييرات في القدس، ومناشدة الكنائس بدعم المقاومة السلمية للاستيطان ومطالبة الكنائس بمقاطعة البضائع التي يكون منشؤها المستوطنات وسحب جميع استثماراتها منها، وهذا التأكيد على أن ما تجريه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة من توسيع احادي الجانب لحدودها والتضييق على الفلسطينيين من جانب آخر، كل هذا يصعب أن نجده بهذه الدقة والتفصيل في أي بيان رسمي عربي، بل وفي أي بيان لمعظم الفصائل الفلسطينية. إنه يشرح اساس الصراع لاتباع هذه الكنائس ويدعوهم للانضمام لمقاومة ما يجري من غير عنف.

دور الحركات الاسلامية

والسؤال الذي لا بد من إثارته هو لماذا لا يكون هناك استجابة فعالة من جانب المؤسسات والحركات الاسلامية لهذه المواقف؟ لماذا لا يقوم تعاون مشترك منظم ومدروس بين هذه المؤسسات والحركات والمجلس لدعم هذه المواقف وتحريكها في المجتمع الدولي والأوساط الشعبية، اسلامية ومسيحية، في جميع ارجاء العالم حيث توجد هذه الطوائف على الأقل، أي في حوالي 110 بلدا؟ إن عكس ذلك هو ما يحدث في أحيان كثيرة. اننا في حاجة ماسة للتعلم مما يفعله العدو. وكمثال على ذلك نشير الى التعاون الكامل القائم بين العدو والمسيحيين الجدد في الولايات المتحدة. من المعروف أن هؤلاء يدعمون اسرائيل لأنهم يرون في ذلك طريقا لتحقيق إحدى النبوءات التي تقول بأن السيد المسيح سيعود وأن هذه العودة مرتبطة بقيام اسرائيل، وأنه عندما يعود سيصبح اليهود جميعا مسيحيين. أي أن هؤلاء يعملون من أجل انهاء الوجود اليهودي عند عودة المسيح. وفي حفل اقامته هذه الجماعة في امريكا لجمع التبرعات كان السفير الاسرائيلي من بين الموجودين. وعندما سأله أحد الحاضرين كيف يحضر احتفالا كهذا من منظمة هذه أهدافها، كان جوابه: ‘لا ضير في ذلك. عندما يعود المسيح سنرى.’ هذا هم. أما نحن؟

تغييب المجلس الوطني الفاسطيني

تغييب المجلس الوطني الفاسطيني

انعقاد المجلس بيد الأعضاء وليس فقط بيد الرئيس أو اللجنة التنفيذية

مقدمة

1- انتشرت في الوطن العربي ظاهرة استفتاء الشعوب من قبل الحكام، خاصة فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية، وكان معظم هذه الاستفتاءات محل نقد لعدم استيفائها للشروط الموضوعية التي تحكم ممارسة حق الاستفتاء. ويجري الحديث هذه الأيام عن استفتاء الشعب الفلسطيني بشأن ما قد يتم التوصل اليه من اتفاق مع اسرائيل. إن الاستفتاء في حد ذاته أمر مرغوب فيه وتمارسه حكومات، بل وشعوب كثيرة، وفقا للأنظمة المتبعة فيها، ذلك أن الانظمة التي تهتم بأن تتتمشى مع تطلعات ومواقف شعوبها لا تكتفي بالاستفتاءات الرسمية التي تجريها بين الحين والآخر، وانما تتيح للشعب أن يكون هو المبادر الى ممارسة هذا الشأن ليتولى هو ابلاغ الجهات المختصة بما يراه في أي شأن من الشئون العامة. فتقوم المجموعات المختلفة بتنظيم الاستفتاء بمساعدة هذه الجهات، كما أن ما يجري من استطلاعات للرأي هو نوع من الاستفتاء، وإن كان الذي يقوم به مؤسسات تخصصت في الموضوع. ولذا فان الفقهاء يقسمون الاستفتاءات الى نوعين: نوع ملزم يجب اجراؤه والالتزام بنتائجه، ونوع غير ملزم لا باجرائه ولا بنتائجه. والنوع الملزم هو ما نصت القوانين أو الدساتير على وجوب اجرائه والالتزام بنتائجه، وتنص الدساتير والقوانين على الامور التي تخضع لهذا النوع من الاستفتاء. أما النوع غير الملزم فهو ما يجري من استفتاء في غير هذه الاحوال. ولا نريد التوسع في هذه المقدمة ، وسنقصر الحديث عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الاستفتاء ليكون صحيحا وسليما من الناحية القانونية، سواء كان ملزما أو غير ملزم، خاصة في اطار الأوضاع الفلسطينية.

شروط صحة الاستفتاء

2- ليكون الاستفتاء صحيحا يجب أن يستوفي الشروط التالية على الأقل، ما لم تنص الدساتير أو القوانين على شروط اضافية أو شروط أخرى:

(أولا) أن يكون صادرا من الجهة المختصة قانونا باصداره. وهذا شرط له أهميته الخاصة في الاستفاءات الملزمة، لأنه لو جرى من قبل جهة غير مختصة فإنه يفقد صفة الالزام لصدوره من غير ذي صفة. فاذا كان الدستور مثلا يعطي حق الاستفتاء على تعديل الدستور لرئيس الدولة، فان صدوره مثلا من جانب الحكومة فقط أو السلطة التشريعية دون موافقة رئيس الدولة، فان الاستفتاء في هذه الحالة يكون باطلا وعديم الأثر.

(ثانيا) أن يسبق طرح الموضوع على الاستفتاء مراعاة ما تنص عليه القوانين أو الدساتير من اجراءات. فاذا كانت هناك نصوص تشترط مثلا موافقة السلطة التشريعية على اجراء الاستفتاء أو على موضوعه، فيجب الحصول على هذه الموافقة قبل طرح الموضوع للاستفتاء.

(ثالثا) أن يكون موضوع الاستفتاء محددا ودقيقا محصورا في نقطة واحدة معينة بحيث لا يجتمل سوى واحد من رأيين اما “نعم” واما “لا”. مثلا اذا كان الموضوع متعلقا بالمشروبات الروحية، يكون الاستفتاء بالصيغة التالية: ” هل توافق على السماح ببيع المشروبات الروحية؟” هذا سؤال لا يمكن الاجابة عليه الا بلا أو نعم. ولكن السؤال “هل توافق على بيع المشروبات الروحية وتقديمها للسياح فقط؟” لا يحتمل جوابا واحدا فقط بلا أو نعم لأنه ينطوي على موضوعين مختلفين: الاول البيع على اطلاقه والثاني حصر تقديم المشروبات بالسياح. ولذا يجب أن يكون هناك سؤالان منفصلين، الاول خاص بالبيع والثاني خاص بالتقديم للسيح فقط، وكل سؤال لا يحتمل سوى اجابة واحدة بلا أو نعم. ومعنى هذا أنه لا يجوز دمج موضوعين أو أكثر في رزمة استفتاء واحد يُطلب فيه جواب بنعم أو لا عن الرزمة مجتمعة. وهذه المسألة بالذات هي التي تقع فيها المناورات من قبل بعض الانظمة العربية وما جرى من بعض الاستفتاءات. فمثلا عندما يكون الاستفتاء مطلوبا في رزمة واحدة تضم تعديلات دستورية وقانونا خاصا بالاحزاب واتفاقية سلام مع اسرائيل، كيف يمكن الرد عليها مجتمعة بجواب واحد هو لا أو نعم؟ المواطن قد يكون موافقا على الواحد دون الآخر، وفي هذه الحالة لا تستقيم الاجابة على الرزمة بلا أو بنعم. ولذا يجب طرح هذه الموضوعات مستقلة عن بعضها البعض لابداء الرأي في كل منها على حدة. وحتى في التعديلات الدستورية عندما يتعرض التعديل لعدد من المواد. المفروض أن كل مادة تعالج موضوعا مستقلا، ولذا يجب الاستفتاء عنها مادة مادة، لا جمعها في رزمة واحدة يمتنع الرد عليها مجتمعة بلا أو نعم. فمثلا “هل توافق على تعديل المادة كذا من الدستور بحيث يأتي الرئيس بالانتخاب العام المباشر، وتعديل المادة مذا بحيث يشترط أن يكون المرشح للرئاسة رئيسا لحزب ممثل في مجلس الشعب؟” هذا لا يجوز لأن المواطن قد يؤيد الانتخاب المباشر ولا يؤيد القيد المفروض على المرشح، وقد يعترض على الاول ويوافق على الثاني. ولذا يجب طرح كل مادة يراد تعديلها على حدة ليقول المواطن رأيه فيها مادة مادة. أما دس السم في الدسم فير جائز.

(رابعا) أن تكون الفترة الزمنية بين الاعلان عن القرار باجراء الاستفتاء وموعد الاستفتاء الفعلي فترة معقولة تسمح للمؤيدين والمعارضين بعرض مواقفهم على الشعب ليأتي القرار عن وعي وادراك لمفهوم وأهمية ما هو مطروح للاستفتاء، فلا تسلق الامور سلقا سريعا، خاصة في قضايا جوهرية قد يصعب التخلص منها مستقبلا. وفي هذه الفترة الزمنية لا يجوز تقييد حرية الرأي أو ممارسة الضغوط أو الاعتقالات على المعارضين أو المخالفين، والا فقد الاستفتاء معناه.

وسنبحث الآن الوضع الفلسطيني ومدى توفر هذه الشروط فيه.

الاستفتاء الفلسطيني

الجهة المختصة بتقرير اجراء الاستفتاء

3 – موضوع الاستفتاء بشكل عام يتعلق باتفاقية تمس الشعب الفلسطيني كله وتؤثر في حاضره ومستقبله، وهو الى حد ما شكل من أشكال تقرير المصير. ولذا يجب الا يصدر الا عن الجهة التي تمثل الشعب الفلسطيني كله، وهذه الجهة هي منظمة التخرير الفلسطينية ممثلة بالمجلس الوطني الفلسطيني. اللجنة التنفيذية لجنة تنفيذية، أي أنها تنفذ السياسات التي يضعها المجلس الوطني، وليس لها الحق في تقرير هذه السياسات. فالمادة 15 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير تنص على ما يأتي: ” اللجنة التنفيذية هي أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة وتكون دائمة الانعقاد وأعضاؤها متفرغون للعمل، وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية تضامنية وفردية”. كما تنص الفقرة (د) من المادة 16 على أن تباشر ،على وجه العموم ” جميع مسؤوليات منظمة التحرير وفق الخطط العامة والقرارات التي يصدرها المجلس الوطني”. ومؤدى هذه النصوص أن اللجنة التنفيذية ليس لها الحق في أن تبدأ أوتباشر سياسات من جانبها الا في داخل الحدود التي رسمها المجلس الوطني، وأن المجلس هو صاحب القرار النهائي في هذه السياسات. صحيح أن المادة 16 (أ) من النظام الاساسي تنص على أن اللجنة التنفيذية تتولى “تمثيل الشعب الفلسطيني”. غير أن هذا التمثيل يمارس في حدود ما خولته الأداة المانحة له، وهو النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وورد النص عليه في المادتين 15 و16(د)، وليس للجنة التنفيذية صفة تمثيلية خارج هاتين المادتين، لاسيما في رسم السياسات واتخاذ القرارات أو ابرام الاتفاقيات. لها أن تتفاوض في حدود ما قرره المجلس الوطني، والمجلس الوطني، الذي هي مسئولة أمامه، هو صاحب القرار في مدى التزام اللجنة التنفيذية بما حدده المجلس وقرره من سياسات. وفي ضوء هذا فانه لا يحق للجنة التنفيذية أن تتخطى المجلس الوطني وتطرح للاستفتاء على اتفاقيات أبرمتها قبل أن يقول المجلس الوطني رأيه فيها، وعندئذ هو الذي يقرر الذهاب للاستفتاء من عدمه. ويصبح الموضوع ذا أهمية خاصة نظرا لأن المجلس الوطني لم ينعقد بجدية خلال العشرين سنة الماضية، وغيب تماما عما يجري، فضلا عن أن بعض أعضاء اللجنة التنقيذية لهم مواقف مسجلة عليهم تتعارض مع قرارات المجلس وما اصطلح على تسميته بالثوابت الفلسطينية.

3- قد يقال إن رئيس السلطة له الحق في ذلك بمفرده أو مع السلطة. وهذا قول لا سند له في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا في القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية. ومع احترامنا لرئيس السلطة، فانه من الخطأ تسميته بالرئيس الفلسطيني، حيث أن هذه التسمية قد تضلل البعض عن حقيقة الوضع القانوني، وبالتالي عما يملكه من صلاحيات. الأخ محمود عباس هو رئيس السلطة من جهة ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير،من جهة أخرى (وكان الأفضل الفلصل بين المنصبين) ولم ينتخب رئيسا لفلسطين. وانتخابه كرئيس للسلطة لم يشارك فيه سوى المواطنين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، واختصاصاته، بهذه الصفة، هي ما أجازته اتفاقية أوسلو والقانون الاساسي للسلطة. أما اختصاصه كرئيس للجنة التنفيذية فقد حدده أيضا النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، على الوجه الذي بيناه فيما تقدم. وداخل اللجنة التنفيذية فانه لا يتمتع باختصاص ينفرد به، خاصة في تقرير السياسات، وتستطيع اللجنة التنفيذية التي انتخبته رئيسا لها أن تعدل عن قرارها وتختار غيره من اعضائها لرئاستها. ولا يغيب عن البال أن المجلس الوطني ينتخب جميع أعضاء اللجنة التنفيذية، وأن اللجنة، لا المجلس الوطني، هي التي تنتخب رئيسا لها (المادة 13 من القانون الاساسي لمنظمة التحرير). وكانت هذه المادة تنص على أن يتولى المجلس الوطني نفسه انتخاب الرئيس، ثم عُدِّلَت بعد دخول المنظمات في المجلس الوطني للتأكيد على العمل الجماعي للجنة وعدم التمييز بين أعضائها، وتقرر أن تقوم اللجنة نفسها بانتخاب رئيسها، بدلا من أن ينتخبه المجلس الوطني، لأنه في هذه الحالة لا تستطيع اللجنة تنحيته، مما قد يؤدي الى احساسه بأنه في وضع متميز، ويستطيع التفرد في قرارات ومواقف، دون أن تستطيع اللجنة محاسبته عليها وتعاقبه بتنحيته عند الاقتضاء.

4- وليس في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا في القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية أي نص عن الاستفتاء. غير أن هذه الوثائق التأسيسية جاءت محددة بوضوح لصلاحيات كل من اللجنة التنفيذية للمنظمة ورئيس السلطة، ولا يجوز لهما تجاوز هذه الاختصاصات، بادعاء اختصاص لم تمنحه لهما هذه الوثائق التأسيسية التي هي مرجعيتهما. ويبقى الاختصاص في المجلس الوطني وحده بصفته المرجعية العليا فيما يتعلق بالقضية وصاحب الاختصاص الضمني في كل ما يتعلق بها وإن لم يرد نص صريح بذلك. ومما تجدر الاشارة اليه أن في المجلس الوطني لجان متخصصة تستطيع أن تنكب على دراسة الجوانب المختلفة للاتفاق بحيث ينكشف ما فيه من مزايا وعيوب تكون موضع حوار داخل المجلس، ومن بين هذه اللجان اللجنة السياسية واللجنة القانونية. وبناء عليه تستطيع اللجنة التنفيذية أن تتفاوض في حدود ما رسمه المجلس الوطني من سياسات، ولكن نتيجة هذه المفاوضات تخضع لموافقة المجلس قبل اجراء أي استفتاء، والمجلس نفسه هو الذي يقرر ذلك.

مشكلة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني

5- المشكلة التي يواجهها الشعب الفلسطيني هو هذا التغييب الكامل للمجلس الوطني. لقد تفاوضت المنظمات بشأن هذا المجلس، واتفقت، ولكن اتفاقها لم ينفذ حتى الآن، ولا يصح أن يترك مصير المجلس الوطني بيد المنظمات. فالفصائل والمنظمات ليست هي كل الشعب الفلسطيني، في حين أن المجلس الوطني هو للشعب الفلسطيني كله، وليس للمنظمات. المنظمات لها أعضاؤها الذين يمثلونها داخل المجلس، ولكن وجود المجلس وانعقاده وقيامه بواجباته ليس مرهونا باتفاق الفصائل. وقد أفتت اللجنة القانونية في المجلس أيام أن تشرفت برئاستها بأن أية اتفاقيات تتم بين الفصائل لا تكون ملزمة للمجلس. من حقها أن تعرض على المجلس هذه الاتقاقيات، وللمجلس أن يرى رأيه فيها، حيث أن المجلس يضم مستقلين أيضا، وكنوا هم في معظم الاوقات الاغلبية. إن المسئولية عن تعطيل المجلس وتغييبه تقع على رئيس المجلس وعلى اللجنة التنفيذية وعلى الاعضاء أنفسهم الذين لم يطالبوا بشكل منظم بانعقاد المجلس. فالمادة 18 من اللائحة الداخلية للمجلس الوطني تنص على ما يلي: ” ينعقد المجلس دوريا بدعوة من رئيسه مرة كل سنة أو في دورات غير عادية بدعوة من رئيسه بناء على طلب من اللجنة التنفيذية أو من ربع أعضاء المجلس. فاذا لم يدع رئيس المجلس الى مثل هذا الاجتماع يعتبر الاجتماع منعقدا جكما بالمكان والزمان المحددين في طلب أعضائه أو طلب اللجنة التنفيذية”. الرئيس موجود، وكذلك اللجنة التنفيذية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون قد مد في عمر ربع أعضاء المجلس بعد هذه المدة الطويلة على عدم انعقاده. والمجلس القائم لم يجر حله. أما الفصائل فلا دور لها في دعوة المجلس للانعقاد الا من خلال عضويتها في اللجنة التنفيذية أو الا اذا كان لها من عدد الاعضاء ما هو ربع أعضاء المجلس، أو تحالفت مع عدد كافٍ من أعضاء المجلس للوصول الى هذه النسبة. وقد تعمدت لجنة الميثاق والانظمة في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية على ادراج هذا النص في النظام الاساسي للمنظمة لتقطع الطريق على امكانية تحكم رئيس المجلس الوطني أو اللجنة التنفيذية في دعوة المجلس الوطني للانعقاد، فأتاحت الفرصة للأعضاء أنفسهم لتوجيه هذه الدعوة، اذا توفرت النسبة المطلوبة واستطاعت توفير مكان للانعقاد. فاذا توفرت هذه النسبة عقد الاجتماع في المكان والزمان المحددين في الدعوة، سواء رضي رئيس المجلس أو اللجنة التنفيذية أم لم يرضيا. واذن فامكانية الدعوة للانعقاد موجودة، بعد اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك، وعلى الاعضاء والفصائل أن تنشط في هذا الاتجاه. المشكلة العملية هي في ايجاد الدولة التي تقبل أن تستضيف المجلس الذي بلغ عدد أعضائه في آخر اجتماع له حوالي أربعمائة. إن العدد الحالي لا شك أنه أقل من هذا بكثير، فقد توفي من توفي وأصبح عاجزا من أصبح بعد مضي حوالي عشرين سنة على آخر اجتماع جدي منتظم للمجلس. وعلى أية حال فقد كان المجلس ينعقد باعضائه وضيوفه، وبالامكان الاستغناء عن الضيوف والمراقبين، كما أن كثيرا من أعضاء المجلس كانوا يتحملون نفقات سفرهم واقامتهم، وعلى الفصائل أن تتحمل ذلك بالنسبة لممثليها.

ضم أعضاء جدد للمجلس الوطني وقضية الانتخابات

6- قد يقال إن المجلس الحالي لا يضم فصائل ظهرت على الساحة الفلسطينية ولا يجوز تجاوزها. هذا ضحيح، حيث أن المجلس يجب أن يضم ممثلين عن جميع القوى الفاعلة في المجتمع الفلسطيني. ولكن من الصحيح أيضا أنه لا يجوز فرض شروط مسبقة على من يجوز له أن يكون عضوا، وعلى وجه الخصوص لا يجوز أن يشترط عليه قبول جميع ما سبق للمجلس أن اتخذه من قرارات أو رسمه من سياسات. المجلس الوطني هو برلمان الشعب الفلسطيني، والبرلمانات تضم أعضاء من جميع الاتجاهات. وفي المجلس الحالي ذاته تم الاعتراف بوجود معارضة. وقد جرى ذلك في دورة الجزائر عام 1988، وهي آخر دورة فاعلة للمجلس. في تلك الدورة أقر المجلس وثيقتان، الاولى وثيقة اعلان الاستقلال، وجرى اعتمادها بالاجماع. أما الثانية فكانت البيان السياسي الذي حدد سياسة المنظمة للمرحلة القادمة. وهذه الوثيقة تمت الموافقة عليها بالاغلبية فقط، حيث كان هناك معارضة. وكان يقود المعارضة في ذلك الوقت المرحوم فقيد فلسطين الدكتور جورج حبش. وأقر المجلس مبدأ المعارضة كمعارضة معترف بها. هذه هي طبيعة العمل البرلماني السليم. أما محاولات فرض منظور معين على الجميع فذلك يتعارض تماما مع الديموقراطية البرلمانية التي تبناها الشعب الفلسطيني. وفي مسيرة المجلس الوطني لم يكن هناك اجماع الا على وثيقة اعلان الاستقلال. وأعضاء المجلس يذكرون أنه في دورة الجزائر بالذات نجح قرار عارضه الرئيس الراحل معارضة صريحة بالتكلم ضده أثناء مناقشته ثم اثناء التصويت عليه، وهو مشروع القرار الذي تقدمت به بصفتي رئيس اللجنة القانونية يطالب بوضع قانون اساسي للدولة العتيدة التي أعلن عن استقلالها في تلك الدورة. المجلس الوطني كان دائما سيد نفسه، كانت فيه معارضة وكان فيه حوار مسئول. ولذا لا يصح فرض شروط على عضوية المجلس تتعلق بالرأي أو الموقف السياسي، وها هي اسرائيل مثال بارز على ذلك حيث يضم الكنيسيت أعضاء من أقصى اليمين المتطرف غاية الطرف الى ما دون ذلك، ومجلس الوزراء كذلك، أم إن الحلال لهم حرام علينا؟.

7- ولكن كيف يمكن ضم أعضاء جدد للمجلس في ضوء التغيرات التي وقعت داخل المجتمع الفلسطيني بعد تشكيل المجلس الحالي؟ تعرضت لذلك المادة 32 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير فنصت على ما يلي: “يحق للمجلس الوطني، وتعود له وحده صلاحية ضم أعضاء جدد اليه من حين لآخرن حسنما يرى ذلك ملائما، وبحسب ما تمليه متطلبات معركة التحرير، ومقتضيات تعميق الوحدة الوطنية، في ضوء أحكام الميثاق الوطني، وذلك وفق نظام تقدمه اللجنة التنفيذية في الدورة المقبلة”. ولا أذكر أن اللجنة التنفيذية تقدمت بهذا النظام، ومع ذلك يبقلى الأصل، وهو حق المجلس الوطني في ضم أعضاء جدد مراعاة للاعتبارات الواردة في المادة المذكورة. وبناء عليه يمكن للمجلس أن ينعقد بأعضائه الباقين الحاليين، وفي مقدوره في الجلسة الاولى أن يضم أعضاء جددا. وقد ضم المجلس أعضاء جدد، وهذا هو السبب في تضخم عدد الأعضاء. وهذا النص لا يترك ضم الاعضاء الجدد للمساومات بين الفصائل، وانما الذي يبت فيه نهائياً هو المجلس نفسه بقرار منه، بعد أن يستمع الى مبررات الضم. إن تطبيق هذه المادة يعين على عقد اجتماع للمجلس الوطني ليقوم بدوره من مراجعة السياسات السابقة التي اتخذها في ضوء تغير الظروف، ويكون مناسبة لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة، ومساءلة اللجنة التنفيذية الحالية ومحاسبتها بطريقة دستورية سليمة، ويتيح في الوقت ذاته ضم أعضاء جدد لمشاركة القوى التي جدت على الساحة الفلسطينية، في انتظار انتخاب مجلس جديد. أنه لا يجوز أن يظل المجلس معطلا في انتظار اتفاق الفصائل أو في انتظار انتخابات جديدة، قد تقع أو لاتقع. ونود أن نُذَكِّرَ الإخوة بأن موضوع الانتخابات ليس جديدا، فقد تعرضت له المادة 5 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ونصت على أن يكون انتخاب الاعضاء “عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية”. غير أن هذا النص قد تعذر تنفيذه تنفيذا كاملا، ذلك أنه، بعد اعلان قيام منظمة التحرير في القدس عام 1964 واقرار الميثاق الوطني والنظام الاساسي لمنظمة التحرير، تَقَدَّم المرحوم الاستاذ أحمد الشقيري (أبو مازن) بتقريره للقمة العربية وطلب أن يسمح له باجراء انتخابات للمجلس الوطني، فأحاله الرؤساء للتفاوض مع كل دولة عربية على حدة. وطاف أبو مازن بين هذه الدول، فلم توافق دولة واحدة على اجراء هذه الانتخابات من قبل الفلسطينيين المقيمين في أراضيها. ومن هنا جاء الاختيار بدلا من الانتخاب. فهل تغيرت الأوضاع؟ وهل سيسمح للفلسطينيين في الافطار العربية أن يجروا انتخابات حرة نزيهة، تحت مراقبة دولية كتلك التي أجروها عام 2006؟ وهل من مصلحة القضية أن يظل المجلس الوطني معطلا الى أن تتاح فرص الانتخاب؟ المجلس الحالي لا يزال قائما بالرغم من مضي المدة، ذلك لأن المادة 6(أ) من النظام الاساسي لمنظمة التحرير تنص على أنه “اذا تعذر اجراء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني استمر المجلس الوطني قائما الى أن تتهيا ظروف الانتخابات.” كما أن الفقرة (ب) من نفس المادة تنص على أنه ” اذا شغر مقعد أو أكثر في المجلس الوطني لأي سبب من الاسباب، يعين المجلس العضو أو الأعضاء لملء المقاعد الشاغرة”.

8- نخلص من هذا الى أن المجلس الوطني هو صاحب القرار في اجراء الاستفتاء، وأنه بالامكان تفعيل هذا المجلس بحيث يضم كل القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية، وأن المماطلة في عقده لا مبرر لها، وانما تضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.

مراعاة مسبقة لما تنص عليه الدساتير والقوانين

9- سبق أن ذكرنا أنه لم يرد بشأن الاستفتاء نصوص لا في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا في القانون الاساسي للسلطة الوطنية. وفي هذه الحالة يراعى ما جرى عليه عرف الدول التي يشابه نظامها الدستوري النظام الفلسطيني، أي الدول ذات النظام البرلماني الديموقراطي وتعترف بالتعددية كأساس لهذا النظام.

موضوع الاستفتاء

10 – إن الإساءة الكبرى التي يتعرض لها الاستفتاء تكمن في نوعية طرح الاسئلة التي يراد الرد عليها إما بنعم وإما بلا. وقد سبق أن بَيَّنا أن موضوع الاستفتاء يجب أن يكون محددا في مسألة واحدة لا تحتمل سوى الرد بلا أو نعم، وقدمنا أمثلة على ذلك. وفي موضوع بخطورة استفتاء الشعب الفلسطيني على مصيره لا يجوز اطلاقاً التلاعب أو المناورة أو التعمية بالاستفتاء على رزمة واحدة هي الاتفاقية برمتها بحيث يطلب الموافقة عليها أو رفضها بالجملة. ومن المؤسف أصلا أن يصل الأمر الى الاستفتاء. الموضوع في الوقت الحاضر منحصر في انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 ، وما ترتب عليه من آثار. وهذا سؤال لا يحتاج الى استفتاء، واذا أُريد طرحه، فالسؤال في غاية البساطة: “هل توافق على انهاء الاجتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب عام 1967 وما ترتب عليه ما آثار؟” وهو سؤال يمكن الاجابة عليه بلا أو نعم. ولكن يبدو من مجريات الأمور أن المفاوضات تسير في اتجاهات أخرى تحت تأثير المناورات الاسرائيلية الامريكية. فهناك حديث عن اتفاق مبادئ جديد أو اتفاق حول إطار عام للحل. وهذه كلها عبارات مبهمة خالية من التفاصيل، والمشكة دائما في التفاصيل، في كل نص على حدة وفي كل مسألة على انفراد. ولذا فاننا لا نرى جدوى من استفتاء من هذا القبيل.

11 – لقد جربنا اتفاق مبادئ أوسلو، ولن يختلف عنه، من حيث المبدأ، اتفاق أصبح يسمى باتفاق اطار للحل. وكما مضى على اتفاق اوسلو خمس عشرة سنة حتى الآن للوصول الى اتفاق اطار ضاعفت اسرائيل خلالها المستوطنات اضعافا وهودت القدس أو كادت، فاننا لا ندري ما الذي سيكون عليه الحال بعد خمس عشرة سنة اخرى تنقضي في مفاوضات عبثية أخرى لتفسير معنى “الاطار” وتعيين حدود اضلاعه الأربعة أو الاربعين. لقد سمى المحلل الاسرائيلي هذه الاتفاقية ب”اتفاق الرف” ووصف الجهود الميذولة للوصول اليها بأنها جهود دبلوماسية شكلية فقط، وأنها لعبة مسرحية تثير الانطباع بأن هناك حوارا يجري، وأن هدفها من جانب أولمرت هو ابعاد الميل الآخذ في التعزز في الاسرة الدولية باقامة دولة ثنائية القومية فوق “ارض اسرائيل كلها”. هل سيجري استفتاء على “اطار” خالٍ من مضمون محدد المعالم بدقة بحيث يمكن معرفة ما فيه؟ قد تجري محاولات، وقد يصور الاطار على أنه حقيقة ثابتة، ولكننا نعلم ان الاتفاقيات مع اسرائيل هي كالرمال المتحركة تجرف الحقوق الفلسطينية بسبب ما تنطوي عليه هذه الاتفاقيات المبدئية من غموض واختمالات متناقضة.

12 – لا نريد أن نخوض في التكهنات والاحتمالات فيما ستنتهي اليه هذه المفاوضات اذا استمرت، وأغلب الظن أنها ستستمر ولو لإرضاء الرئيس الامريكي. ولكن لنتصور في حدود ما يتوقعه الفلسطينيون من نصوص تتعرض للثوابت الفلسطينية. قد ينص الاطار على “انسحاب اسرائيلي لحدود هدنة عام 1949 مع تعديلات طفيفة”. هذا اطار مطروح من جانب أحد وزراء الخارجية العرب. وقد يكون اطار بالنسبة الى القدس ينص على أن “تكون المدينة موحدة وعاصمة للدولتين وتمارس كل دولة السيادة على الاجزاء منها التي يقطنها مواطنوها”. أو أن “فلسطين من النهر الى البحر هي الوطن التاريخي والقومي للشعبين الفلسطيني واليهودي”. هذه الامثلة ليست فرضيات، وانما جرى طرحها من جانب اسرائيل وقيل إن الرئيس أبو مازن قد وافق عليها عام 2005 وأن الاتفاق كان جاهزا، ولكنه وضع على الرف لأن انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 جاءت على خلاف التوقعات. غير أنها، من الجانب الاسرائيلي على الأقل، تصلح أن تكون جزءأً ما اتفاق الاطار للحل. فهل تصلح هذه، حتى ولو أستفي عنها واحدة واحدة، أن تكون موضوع استفتاء؟ المغريات للمفاوض الفلسطيني واضحة، والصياغة الاسرائيلية تعمدت هذا، وقد يقع المقاوض الفلسطيني في حبال الاغراء هذه، ويوافق على طرحها للاستفتاء، وقد وقع فعلا في هذه الحبال، ونشرنا في القدس العربي مقالين بشأنها، أوضحنا فيهما المخاطر والمزالق، وطالبنا بنفي الاتفاق الذي زعمته الصحافة الاسرائيلية. ولم يصدر هذا النفي.

13 – من الناحية الشكلية فقط لا يجوز الاستفتاء على اتفاق كهذا بحيث يكون المطلوب هو الجواب بلا أو بنعم على الاتفاق في مجمله لأن كل بند من هذه البنود غامض وغير محدد. ففي موضوع الحدود، ما معنى “التعديلات الطفيفة” التي يراد ادخالها على حدود الهدنة؟ ثم في ضوء المتغيرات الديموغرافية التي تجريها اسرائيل يوميا في القدس وما ستجريه فيما بعد هذا الاتفاق، حتى ولو نص على التزامها بالامتناع عن اجرائه، ما الذي تبقى من القدس فلسطينيا في أرض الواقع؟ وهل بقي منها ما تمارس الدولة الفلسطينية السيادة عليه، باستثناء سيادة رمزية في أحسن الأحوال؟ وكذلك الأمر بالنسبة لكون فلسطين وطنا تاريخيا وقوميا للشعبين الفلسطيني واليهودي. القصد من وراء هذه الصياغة واضح. لا أحد يطعن في أن فلسطين وطن تاريخي وقومي للشعب الفلسطيني، ولكن موضع التساؤل هو الفرصية الثانية. عندما يكون اطار الاتفاق بهذا الشكل ويطرح للاستفتاء فان المُستَفتَى من ابناء الشعب الفلسطيني يقع في حيرة من أمره بسبب الغموض من جهة وظاهر الاغراء من جهة ثانية والتسليم بما لايمكن التسليم به من جهة ثالثة. ولذا لا يمكن الجواب عليه بلا أو نعم.

14 – ولذا يجب أن يتحول كل موضوع منها الى عدد من الاسئلة تطرح موضوعا محددا. فمثلا في موضوع الحدود تكون الاسئلة كالاتي: (1) هل توافق على الانسحاب الاسرائيلي الى حدود هدنة 1949؟” (2) هل توافق على ادخال تعديلات طفيفة غير محددة الآن على تلك الحدود؟” (3) ” اذا أجبت بنعم على السؤال الثاني، هل يجب أن تكون التعديلات محددة ومعروفة لكي توافق عليها؟” كل سؤال من هذه الاسئلة يحتمل الجواب بلا أو نعم دون أن يكون في الموقف غموض. ويمكن صياغة الاسئلة بالنسبة للموضوعات الأخرى استنادا الى هذه القاعدة. وهذا ينصرف الى كل نص من نصوص الاتفاق. فما ينال الموافقة يكون مقبولا وغيره يكون مرفوضا. وهناك جهات متخصصة في اجراء الاستفتاءات يمكن الاستعانة بها.

15 – إن الامثلة السابقة تبين الأهمية القصوى لوجوب دراسة جميع الاقتراحات والطروحات الاسرائيلية والفلسطينية على حد سواء دراسة تحليلية واعية متأنية، واعادة دراستها وتحليلها، من جهات غير تلك التي تفاوضت بشأنها والتي لا تكون متأثرة بأجواء قد لا تكون ملائمة، كمثل وجود العائلات والاطفال من الجانبين معا والمعايشة، كما حصل عند التفاوض على اعلان مبادئ أوسلو. المفاوضات الجادة ليست مناسبة للتفسح أو لإنشاء علاقات اجتماعية وأسرية. والجهة التي تستطيع أن تدرس وتزن يجب أن تكون غير الجهة التي تفاوضت، وفي الحالة الفلسطينية هي المجلس الوطني الفلسطيني ومستشارون مستقلون أكفاء كأولئك المحامين الذين مثلوا فلسطين أمام محكمة العدل الدولية في قضية الجدار.

من الذي يُسْتَفتَى؟

16 – سُئِل أحد مستشاري رئيس اللجنة التنفيذية، وما أكثر من يتبرعون بالردود والحديث للفضائيات، عن الفلسطينيين الذين سيجري استفتاؤهم، فأجاب فلسطينيو الضفة والقطاع، ومن هم في الشتات قدر الامكان. وغاب عن السيد المستشار أن غالبية أبناء الشعب الفلسطيني هم في الشتات، ولا يكفي ابدا في قضية مصيرية أن تكون دورهم “بقدر الامكان” بما تتضمه هذه الكلمات من استخفاف متعمد أو غير متعمد. وفلسطينيو الشتات لا يهمهم فقط موضوع حق العودة، وانما يهمهم أيضا كل ما يهم الأهل في الداخل. والتات الفلسطيني يشمل اللاجئين المقيمين في المخيمات وغيرهم من ابناء فلسطين من يعيشون خارج أرض الوطن، وهم ممثلون في المجلس الوطني الفلسطيني، وهم القادرون على ترتيب الاستفتاء وتنظيم الاشراف عليه، ومعظمهم ينتمي للجالية الفلسطينية في البلد الذي يقيم فيه. ومن المؤسف أن اللجنة التنفيذية حاربت كل تجمع فلسطيني في الشتات واعتبرته اعتداء على سلطاتها وأن هدفه الاطاحة بمنظمة التحرير. ونسيت اللجنة أن سلطتها مستمدة من هذا الشعب، في الوطن والشتات، وأنه هو صاحب القضية ومن حقه أن يتلاقى وأن ينظم نفسه لحماية حقوقه في وطنه والدفاع عنها، خاصة عندما يرى ما يراه من اللجنة وأعضائها. الاستفتاء يجب أن يشملهم جميعا، والمجلس الوطني وحده هو الذي يضع القواعد ويحدد اسلوب ووسيلة الاستفتاء بصفته جامعا لممثلي الشعب في الارض وفي الشتات.

مصير الاستفتاء

17 – والسؤال الأخير هو متى يعتبر الاستفتاء ملزما؟ تختلف الأعراف في هذا الشأن. فهناك من يشترط نسبة معينة يجب توفرها في المشاركين فيه من بين مجموع من لهم الحق في المشاركة ثم أن ينال الاستفتاء أغلبية معينة من بين هؤلاء، كالاغلبية البسيطة أو أغلبية الثلثين. ويشترط هذا كله عادة عندما يكون موضوع الاستفتاء ذا اهمية خاصة. وثمة اعراف تكتفي بالاغلبية البسيطة للمشاركين بغض النظر عن نسبة المشاركين من بين من لهم الحق في المشاركة. وحيث أنه لم يرد نص خاص بالاستفتاء في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فلعله من المفيد الاستهداء بالأغلبيات المطلوبة لصحة قرارات المجلس الوطني، حيث أن المجلس مخول باتخاذ اخطر القرارات بالنسبة للقضية. وقد نصت المادة 12 من النظام على:” يتكون النصاب القانوني للمجلس بحضور ثلثي أعضائه، وتتخذ القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين.” والنسبة الثانية الواردة في النظام تتعلق بتعديله وهي المادة 55 والتي تشترط أن يفوز التعديل بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وليس ثلثي الخاضرين. ونظرا لخطورة موضوع الاستفتاء وما ينطوي عليه من آثار فاننا نرجح أن ينال الاستفتاء في كل بند من بنوده التفصيلية موافقة ثلثي المشاركين فيه من المقيمين ومن هم في الشتات، أي ثلثي كل فئة على حدة بسبب اختلاف الظروف التي تحيط بكل فئة. وفي جميع الاحوال فان هذا الموضوع متروك ليرى المجليس الوطني رأيه فيه كعنصر من عناصر ترتيبات الاستفتاء.

حق العودة

حق العودة

مقدمة

1 – إن حق الانسان في العودة الى بلده اذا غادره لأي سبب من الأسباب هو من الحقوق الطبيعية البديهية التي لم تكن في حاجة الى تقنين أو نصوص دستورية أو اتفاقيات دولية. هو حق مستمد من انتماء الانسان الى ذلك البلد دون غيره من أقطار الكرة الأرضية، هذا الانتماء الذي يعبر عنه بالاقامة المستقرة المعتادة فيه نتيجة للانتماء له، ومشاركته في ارثه التاريخي وفي وتراثه عبر أجيال متعاقبة، وهو حق تتوارثه الاجيال جيلا بعد جيل بطريقة تلقائية لا تتطلب اجراءات أو معاملات. الانتماء هذا هو العلاقة العميقة في كيان الانسان ووجدانه التي تستقر ولا تنفصم بين الانسان ووطنه. وهذا الانتماء والارتباط بالوطن أعمق من أن تنتفصه أو تؤثر في وجوده واستمراره ظروف طارئة قد لا يكون للانسان يد في حدوثها أو في القدرة على منعها، كالاحتلال الاجنبي، كما لا يفصمها غياب اختياري كالانتقال لبلد أجنبي للعمل أو الدراسة. قالأصل يبقى: وهو هذا الأصل هو الحق في العودة بناء على ذلك الانتماء. وتفريعا على هذا فاننا نجد أن عددا من الدول لا تعترف باكتساب ابنائها لجنسيات أخرى. هي لا تعاقبه على ذلك وقد لا تحظره عليه، وانما تعتبر أن ارتباطه بها لا ينقطع وأنه في اللحظة الاولى التي يعود فيها يعتبر مواطنا كامل المواطنة. كما أن دولا أخرى تجيز العودة للوطن لكل من يثبت أن أصوله كانت فيه ويرغب هو في العودة الى أصوله. أي أن الانتماء لا ينقطع بمضي المدة. وهكذا نرى عودة المهاجرين الى وطن الآباء والأجداد، مهما تقادم العهد، اذا حنوا للعودة اليه، وزالت العقبات التي كانت تحول دون تحقيق هذه الرغبة، كالاحتلال الاجنبي. إن حق الانسان في العودة الى وطنه، حق ثابت له فيه، دون غيره من الاوطان، ولذلك فإن هذا الحق لاتقيده قيود، ويمارسه الانسان بصورة تلقائية، في حين أنه في حاجة الى موافقات وتأشيرات اذا اراد الدخول أو العودة الى أي قطر آخر أو الاقامة فيه. ان الانسان يستطيع العودة الى وطنه حتى لوكان جواز سفره قد انتهت مدته، دون أن يكون هناك نص قانوني يتعلق بالموضوع.

2 – وقد نشأت الحاجة لبحث هذا الحق والتأكيد عليه كحق من الحقوق الثابتة للانسان نتيجة للحروب، وخاصة الحربين العالميتين الاولى والثانية، والنزاعات التي ترتب عليها مغادرة المواطنين لأوطانهم باعداد كبيرة، الأمر الذي استوجب تثبيت حقهم في العودة لاوطانهم. كما ظهرت حركات التحرر من الاستعمار الاجنبي الذي يتنافى مع أبسط مشاعر الانسان في الحرية قي وطنه والسيادة عليه. أي أن الظروف قد تكاتفت للتأكيد على خقوق الانسان من جهة أنه انسان، والتأكيد على حقوقه من جهة أنه كائن في مجتمع ينتمي اليه في جزء من هذا العالم قد استقر فيه وأقام وجوده وتراثه وتاريخه. فكانت القفزة الهائلة في ظهور منظمة الامم المتحدة تعبيرا عن موقف الشعوب من جميع هذه الحقوق. ولهذا فقد صدر ميثاق المنظمة الجديدة باسم الشعوب، لا الحكومات، وكان ذلك في 26 يونيو 1945 ودخل الميثاق حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945. ونصت ديباجته ، فيما نصت عليه، على أن شعوب الامم المتحدة قد عقدت العزم على اعادة التأكيد على ايمانها بالحقوق الاساسية للانسان، وجعلت من بين أهدافها اشاعة حقوق الانسان والتشجيع على احترامها بالنسبة للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين. وبدأت تتهاوى قلاع الاستعمار أمام حركات التحرير الوطني التي بدأت تسترد للشعوب حريتها واستقلالها وحقوقها، فتغير وجه الامم المتحدة تغيرا جذريا، وأصبحت السيطرة في جمعيتها العمومية لدول تحرص على الحفاظ على حقوق الانسان والشعوب في مواجهة نزعة التسلط التي لم تتخلص منها دول كبرى ما زالت تحلم باقامة الامبراطوريات والسيطرة على الشعوب الأحرى، مما يتناقض كل التناقض مع الدوافع التي حركت قيام الامم المتحدة وأهدافها المدونة في ميثاقها.

3 – وبالرغم من هذه النزعة التسلطية لدى البعض، فقد استطاعت الجمعية العمومية للامم المتحدة أن تخرج الى الوجود العديد من الاعلانات والمواثيق الدولية والقرارت التي تُثَبِّتُ للانسان وللشعوب حقوقهما، بحيث أصبحت هذه الاعلانات والمواثيق والقرارات مرجعية يحتكم اليها. ويهمنا فيما نحن بصدده أن نشير الى عدد من القرارات والاعلانات والمواثيق التي تعرضت لحق العودة وحماية حقوق اللاجئين بشكل عام قبل أن ننتقل لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وذلك للتأكيد على عمومية هذا الحق، وأن تمسك الفلسطينيين بحق العودة هو الأصل، حتى في النظام القانوني الدولي المعاصر، فضلا عن كونه حقا طبيعيا لا مجال للمماحكة فيه.

4 – ومن بين هذه الفرارات والاعلانات والمواثيق الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادرفي 10 ديسمبر 1948 ، واتفاقيات جنيف الاربعة التي تمت الموافقة عليها قي 12 أغسطس 1949 ، واتفاقية اللاجئين لعام 1951 ، والقرار بانشاء المفوضية العامة للاجئين لعام 1951 ، والاتفاقية الخاصة بعديمي الجنسية لعام 1954، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ، والاتفاقية الدولية لمعاقبة مرتكبي جريمة الابارثيد لعام 1973 ، ثم جاءت الاتفاقية الدولية بعدم تطبيق التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية لعام 1968. هذه أمثلة فقط لم نتعمد فيها التقصي لما يدخل في هذا الباب، وهي وحدها تكفي للتدليل على ما ذهبنا اليه من أن حق العودة حق ثابت ومستقر ومعترف به ولا مجال لانكاره أو التهرب منه. وسنشير في هذا البحث الى بعض ما ورد في هذه في القرارات والمواثيق والاعلانات حسب الحاجة. ويهمنا في هذه المقدمة أن نؤكد على المادة الثانية من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وهي تنص على حكم عام ينسحب على جميع الحقوق التي أكد عليها ذلك الاعلان، ومن بينها حق الانسان في مغادرة بلده والعودة اليه. تنص تلك المادة على ما يلي:

“لكل انسان الحق في كافة الخقوق والحريات الواردة في هذا الاعلان دون تمييز من أي نوع كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو القومية أو الاصل الاجتماعي أو الملكية أو الولادة أو أي وضع آخر.

وفضلا عن ذلك، لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو الولائي أو الدولي للبلد أو الأرض التي ينتمي اليها الانسان، سواء كانت مستقلة أو تحت الوصاية أو لا تتمتع بالحكم الذاتي أو تخضع لأي انتقاص آخر لسيادتها”.

وبموجب هذه المادة فان حق العودة حق مطلق لا يجوز أن يعيقه أو يعطله أي اعتبار يقوم على التمييز، مهما كان سببه ونوعه، كما أنه لا يتأثر بالوضع القانوني لبلد العائد أو الأرض التي ينتمي اليها. هو يعود اليه سواء كان محتلا أو مستقلا أو ناقص السيادة. حقه في العودة الى بلده، لا لغيره من البلدان، خق ثابت، ولا علاقة بينه وبين الوضع القانوني أو الدولي لبلده أو أرض انتمائه . العنصر الثابت الذي لا يتغير هو الانتماء للارض، للوطن، أما العناصر الاخرى التي قد تطرأ على هذه الارض فهي متغيرة ومتقلبة. ولأن هذه هي طبيعة حق العودة فقد اتصف بأنه من الحقوق غير القابلة للتصرف.

5 – ويترتب على هذه العلاقة بين الانسان وبلده أنه لا يجوز أن يطرد منه، لا في ظروف الحرب ولا ظروف الاحتلال، وهذا ما حظرته المادة 49(1) من اتفاقية جنيف الرابعة التي نصت على ما يلي:

” يحظر نقل الافراد أو الجماعات بالقوة وكذلك ابعاد الاشخاص المشمولين بالحماية (وفقا لهذه الاتفاقية) من الارض المحتلة الى أرض دولة الاحتلال أو الى أية أرض أخرى، محتلة أو غير محتلة، مهما كان الدافع وراء ذلك. “

ففي هذه الاحوال فان حق العودة يعتبر نصحيحا للوضع غير القانوني، الذي هو الطرد، بحيث لا تستمر المخالفة وما يرافقها من ضرر. هذا فضلا عن أن عملية النقل أو الابعاد تعتبر في خد ذاتها جريمة ضد الانسانية يعاقب عليها القانون الدولي الانساني.

وقد ذهبت اتفاقيات جنيف الاربعة الى أبعد من ذلك. ففي الوقت الذي أجازت فيه للدول الاطراف الانسحاب من الاتفاقية الا انها اعتبرت أن هذا الانسحاب لا يحدث أثره الا بعد أن يبرم السلام و”الا الى أن تنتهي العمليات المتعلقة بالافراج عن الاشخاص المحميين بالاتفاقية وعودتهم (الى بلدهم)”. (المادة 63(3) من الاتفاقية الاولى، والمادة 62(3) الاتفاقية الثانية، والمادة 142(3) من الاتفاقية الثالثة والمادة 158(3) من الاتفاقية الرابعة).

6 – نخلص من هذا العرض السريع الى أن جميع المواثيق الدولية والقرارات ذات العلاقة تؤكد على حق العودة ، عودة الانسان الى بلده. وهذا البلد قد يكون بلد جنسيته أيضا، ولكن لا يشترط أن يكون كذلك. وهذا التكرار المتعمد في جميع الاعلانات والمواثيق لعبارة “بلده” الذي يكون فيه مقر اقامته العادية قبل الخروج منه يؤكد الرابطة العضوية التلقائية بين الانسان ووطنه التي سبق أن أشرنا اليها. كما يؤكد أن هذا الحق لا يتأثر بالتغيرات التي قد تكون قد طرأت في الفترة التي يكون فيها المرء خارج وطنه. فقد يقع احتلال، وقد يقع تغير في النظام، وقد ينشأ كيان قانوني جديد، ولكن الحق في العودة يبقى ثابتا لأنه عودة الى البلد، الى الوطن، وهذا كيان يظل قائما. ومن باب أولى، فان هذا الحق لا يتأثر بأي تغير قد يطرأ على بيته أو قريته. هو يعود ليسترد ما يستطيع استرداده من حياته في وطنه، أو ليبدأ فيه من جديد، مع جبر الضرر الذي يكون قد أصابه.

النظام القانوني للاجئين الفلسطينيين

7 – وفي موضوع اللاجئين الفلسطينيين، فقد نشأت القضية مباشرة بعيد صدور قرار التقسيم، وهذا ما كشفت عنه دراسات حديثة لباحثين اسرائيليين أمثال (ايلان باب) في كتابه “التطهير العرقي لفلسطين”. هذه الدراسات التي جاءت مؤكدة لشهادات اللاجئين من أن الغالبية العظمى منهم لم يغادروا بيوتهم أو قراهم أو مدنهم مختارين، وانما طردوا بالقوة وفق خطط موضوعة نفذتها عصابات الارهاب الصهيونية بتوجيه مباشر من دافيد بن غوريون وزمرة من أعوانه. وكانت التعليمات صريحة في هذا الأمر: دمروا القرى وأماكن السكن، اقتلوا من هم في السن العسكرية وهي ما بين العاشرة والخمسين وفق التعليمات، واطردوا الباقين. هذه الحقائق التي كشفت عنها دراسة الوثائق الاسرائيلية تنفي عن الفلسطينيين تهمة ظالمة وجهت اليهم، وهي أنهم غادروا وطنهم مختارين في انتظار أن تعيدهم الجيوش العربية الى مدنهم وقراهم. لقد ارتكبت اسرائيل جريمة التطهير العرقي والقتل المتعمد وتدمير القرى والبيوت لهدف أساسي من أهداف الحركة الصهيونية وهو افراغ فلسطين من أبنائها ومحو كل أثر لوجودهم فيها بحيث يبدو وكأن فلسطين لم يقم فيها طوال تاريخها الطويل الا اسرائيليون.

8 – وقد اهتمت الجمعية العامة للامم المتحدة بقضية اللاجئين كموضوع مستقل منذ بداية بروز هذه الظاهرة. وانصب اهتمامها بادئ ذي بدء على محاولة الوساطة لمعالجة القضية الفلسطينية من أساسها بعد الاضطرابات التي تلت اقرار مشروع التقسيم، ولما يكن قد حان موعد تنفيذه بعد، وكان الانتداب البريطاني ما زال ساريا. فعقدت الجمعية العامة دورة خاصة، بناء على طلبمن مجلس الأمن، في الفترة ما بين 16 ابريل و14 مايو 1948، للنظر في الأمر، وقررت في 14 مايو انشاء منصب وسيط لها واختارت له في العشرين من مايو 1948 الكاونت برنادوت الذي كان رئيسا للصليب الأحمر السويدي. واهتم الوسيط الدولي بشكل خاص بموضوع اللاجئين فأنشأ مشروع الامم المتحدة للاغاثة من الكارثة UN Disaster Relief Project في يوليو 1948 للتنسيق بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية التي كانت تقدم المساعدات الانسانية للاجئين. وهو المشروع الذي تولته فيما بعد لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين، ثم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وانه لمن المهم أن نتذكر هذه التواريخ التي يتضح منها أن مشكلة اللاجئين قد نشأت قبل قيام اسرائيل، وقبل دخول الجيوش العربية لفلسطين، وأن الامم المتحدة اهتمت بالموضوع وسعت لمعالجته منذ البداية. وأهمية هذه التواريخ تظهر عند معالجة تعريف من هو اللاجئ.

9 – ولحل مشكلة اللاجئين حلا جذريا يتفق مع مبادئ القانون، فقد سعى الوسيط الدولي لدى النظام الاسرائيلي لاعادتهم الى بيوتهم التي أخرجوا منها. ورفضت السلطات الاسرائيلية طلبه. فقدم في أغسطس 1948 تقريره الاول عن مساعيه، ثم قدم تقريره الثاني في 16 سبتمبر 1948 . وفي هذا التقرير الثاني تعرض لمحاولاته الفاشلة لاقناع السلطات الاسرائيلية بالسماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم، وازاء هذا الفشل، حدد الوسيط ما يتوجب على الامم المتحدة من التأكيد عليه. فكانت التوصية التالية:

” إن حق اللاجئين العرب في العودة الى بيوتهم في الاراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية في أقرب وقت ممكن، يجب التأكيد عليه من قبل الامم المتحدة، كما أن عودتهم واعادة توطينهم وتأهيلهم اقتصاديا واجتماعيا، ودفع التعويض الملائم عن أموال أولئك الذين لا يرغبون في العودة، يجب أن الاشراف عليه والمساعدة فيه من قبل لجنة التوفيق التابعة للامم المتحدة ” .

في اليوم التالي لتقديم هذا التقرير وفيه هذه التوصية، أي في 17 سبتمبر 1948، قامت عصابة شتيرن الصهيونية باغتيال الوسيط الدولي ، الكاونت برنادوت، هذا الرجل ألذي انقذ حياة عشرات الالوف من اليهود من المحرقة النازية اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان رئيسا للصليب الاحمر الدولي.

10 – من المهم أن نلاحظ في هذه التوصية أن الوسيط الدولي قد طلب من الامم المتحدة أن تؤكد حق العودة، باعتبار أن هذا الحق حق ثابت ومستقر، لا يحتاج الى انشاء. ونلاحظ أن هذه التوصية جاءت سابقة للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر في 10 ديسمبر 1948 والذي أكد على حق الانسان قي العودة الى بلده. ونلاحظ ثانية أن الوسيط الدولي يرى أن عودة اللاجئ هذه تكون الى بيته في الاراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية، وليس الى غيرها. وهذا تأكيد منه بأن اللاجئين ينتمون الى هذه المناطق التي أصبحت تحت السيطرة اليهودية، وأن هذه السيطرة لا تمس بهذا الحق وهذا ينسجم تماما مع ما سبق أن اشرنا اليه من أن حق العودة لا يتأثر بالوضع السياسي أو القانوني الذي يطرأ على البلد الذي يتعلق به هذا الحق.

القرار رقم 194 (3)

11 – وانسجاما مع هذه التوصية واستجابة لها اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارها رقم 194 (3) بتاريخ 11 ديسمبر 1948. وجاء فيه فيما يتعلق باللاجئين :

“اللاجئون الذين يرغبون في العودة الى بيوتهم والعيش قي سلام مع جيرانهم يجب أن يسمح لهم بذلك في أقرب وقت عملي ، كما يجب أن يدفع تعويض عن أموال أولئك الذين لا يرغبون في العودة وعن الخسارة أو الضرر للاموال التي يجب اجراؤها وفقا للقانون الدولي والعدالة من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة. ”

12 – ويلاحظ بالنسبة لهذا القرار:

(أولا) أنه لم ينشئ حق العودة، وانما اعتبره حقا قائما وثابتا ولا يحتاج الا الى التنفيذ. ولذا قال “يجب أن يسمح لهم بالعودة في أقرب وقت عملي”. فالمسألة مسألة توقيت التنفيذ فقط، بدون أية مفاوضات بشأن أصل الحق.

(ثانيا) لم يُعَرِّفْ القرار من هو اللاجئ بشكل مباشر، ولكن النص على أن عودة اللاجئ تكون الى بيته، فان اللاجئ يكون من هو خارج بيته، قيكون له الحق في العودة اليه. وعلى هذا فقد يكون الفلسطيني خارج فلسطين أو داخلها، ويعتبر لاجئا، ما دام ليس في بيته.

(ثالثا) ميز القرار بين فئتين من اللاجئين : فئة “نرغب في العودة” وفئة “تختار الا تعود”. وممارسة حق العودة من عدمها خيار فردي.

(رابعا) تكون عودة اللاجئين الذين يرغبون في العودة “الى بيوتهم”، وهذه البيوت لها مواقعها الجغرافية المحددة في مدن أو قرى أو بوادٍ. وهذه المواقع قد تكون خاضعة للاحتلال أو لا تكون، في المناطق التي تخضع للسيطرة اليهودية، كما قال برنادوت في توصيته، وقد لا تكون، من الناحية النظرية. المهم هو العودة الى المكان نفسه.

(خامسا) اللاجئ العائد يجب أن يكون على استعداد لأن “يعيش في سلام مع جيرانه”. ويستشم من هذا النص أن العودة المقصودة بالقرار هي عودة الى الاراضي التي تخضع للسيطرة اليهودية، حسب توصية بيرنادوت. اذ لا معنى لهذا الشرط لوكانت العودة من لاجئ فلسطيني الى محيطه الفلسطيني. ولم يتعرض القرار بطبيعة الحال الى كيفية التأكد من تحقق هذا الشرط، اذ أن حقيقته لا تتضح الا بعد التنفيذ. ولهذا يكفي في بداية الأمر تعهد بذلك من فبل العائد. واذا أخل بذلك التعهد فيما بعد بأن أخل بالنظام العام فانه يكون من حق السلطات ذات العلاقة التعامل معه على هذا الاساس، فتحاسبه على اخلاله. انما لا يجوز طرده، لأن هذا الشرط ليس من شروط اقامة أي انسان في وطنه. هو يعاقب اذا أخل بالنظام العام، ولكنه لا يطرد ليصبح لاجئا من جديد.

(سادسا) إن القرار لم يحدد مدة زمنية لممارسة هذا الحق، واكتفى بالقول بأن يكون ذلك في أقرب وقت من الناحية العملية. وهذا ينسجم مع طبيعة هذا الحق، اذ لا يجوز تحديد مدة يجبر المرء على الالتزام بها والا فقد حقه الطبيعي والتلقائي في العودة الى دياره. ولهذا فانه لا يسقط بمضي المدة، وللاجئ ممارسته في أي وقت تسنح فيه فرصة العودة .

الحق في التعويض

13 – نص القرار على التعويض، وقامت لجنة التوفيق التي شكلتها الجمعية العمومية للامم المتحدة من كل من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، باعطاء التفسير التالي للحق في التعويض. قالت اللجنة:

” وضعت الجمعية العامة مبدا حق اللاجئين في ممارسة خيارهم بجرية بين العودة الى بيوتهم والتعويض عن الخسارة أو الضرر الذي لحق بممتلكاتهم من جهة وبين عدم العودة الى بيوتهم مع تعيضهم تعويضا ملائما عن قيمة الممتلكات التي تركوها”.

هذا هو تفسير اللجنة، وهو تفسير سليم من ناحية استحقاق اللاجئين للتعويض، سواء منهم من اختار العودة أو لم يخترها. كل منهم له الحق في التعويض. أما عناصر هذا التعويض فيقررها القانون، لا لجنة التوفيق هذه. والتعويض في القانون لا يقتصر على خسارة أو ضرر مادي فقط، وانما هناك اضرر الذي ترتب على حالة اللجوء في حد ذاتها والحرمان الطويل من ممارسة حق العودة والمعاناة التي ترتبت على ذلك. وهذه مسألة لم يحن الوقت بعد لعرضها بالتفصيل، ونكتفي بالاشارة اليها فقط هذه الاشارة المقتضبة.

خصائص حق العودة

14 – سبق أن ذكرنا أن حق العودة حق طبيعي تلقائي يتمتع به الانسان بحكم انتمائه لوطن معين. والحقوق الطبيعية التلقائية من هذا النوع هي ما أصبخ يعرف بالحقوق غير القابلة للتصرف. وقد اهتمت الجمعية العامة للامم المتحدة بتحديد هذه الحقوق بالنسبة للشعب الفلسطيني وذلك في القرار الصادر منها في 22 نوفمبر 1974 برقم 3236. والحقوق التي أشار اليها ذلك القرار هي “حق تقرير المصير وحق الاستقلال والسيادة وحق الفلسطينيين في العودة الى بيوتهم التي أخرجوا واقتلعوا منها” . فحق العودة اذن من بين الحقوق غير القابلة للتصرف ويقف على نفس مستوى حق تقرير المصير. ويحاول البعض دمج حق العودة في حق تقرير المصير، غير أن الجمعية العامة تعاملت معهما كحقين، الواحد منهما مستقل عن الآخر. وهذا موقف سليم حيث أن حق العودة يدخل فيه عنصر شخصي مباشر يقرره الفرد، ولكنه في تصرفه هذا لا يمس الارض والوطن، ولذا جاء حقه في التعويض عن الضرر الشخصي الذي لحق به. غير أنه بقراره في العودة من عدمها لا يقرر التخلي عن سيادة الشعب على الجزء من الوطن الذي هو محل اقامته المعتادة، اذ لا يملك أي فرد حق التخلي عن أي جزء من أرض الوطن. ولهذا فان حق العودة هو من بين الحقوق التي يتلازم فيها الحق الشخصي مع الحق العام دون أن يلغي أحدهما الآخر أو يندمج فيه بالضرورة. ثم إن الرابطة القائمة بين الانسان ووطنه هي علاقة متوارثة بين الاجيال ولا يملك جيل أن يفصم هذه العلاقة ويحرم الاجيال القادمة منها بتصرفه الشخصي. ولهذا فان التصرف الشخصي ينصرف الى شخصه فقط، فيعود أو لا يعود، ويتقاضى التعويض في الحالتين. واذا انقضى جيل دون ممارسة هذا الحق فان الحق يبقى قائما للاجيال التالية، حتى ولو مارس جيل حقه في تقرير المصير إن حق العودة يبقى قائما الى أن يتحقق بشقيه الشخصي والعام.

15 – والحقوق غير القابلة للتصرف لا تخضع بطبيعتها للاستفتاء. فهذه الحقوق لا يفصل فيها جيل بالاضرار بحق الاجيال القادمة. وقد عالجنا موضوع الاستفتاء، خاصة ما يستفتى عليه، في مقالين نشرناهما في القدس العربي .

من هو اللاجئ

16 – لممارسة حق العودة لا بد من تعريف من هو صاحب هذا الحق. وقد أصبح هذا التعريف مهما بشكل خاص نظرا لتطوره على مدى السنوات الماضية من وجود وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم، ونظرا كذلك لأن حالات اللجوء لم تتوقف. فهناك أولا حالتان من اللجوء الجماعي ، الاولى عاما 1947-1948، والثانية عام 1967. ثم هناك ظاهرة ابعاد الفلسطينيين من القدس بهدم بيوتهم أو بطردهم لسبب أو لآخر. ثم هنالك من يتلقى العون من وكالة الغوث ومن لا يتلقاها، وهناك من هم في سجلاتها ومن هم غير ذلك أصلا أو شطبوا من السجلات. وهناك من كانوا خارج فلسطين في الاعوام المذكورة وبالتالي فانهم لم يطردوا ولكنهم لا يستطيعون العودة. ثم لقد ظهرت أجيال خارج فلسطين في أماكن اللجوء ولم تطأ أقدامهم أرض فلسطين، ناهيك أن تكون لهم بيوت فيها باسمائهم يعودون اليها. وفضلا عن هذا فقد حرصت اسرائيل منذ البداية على تدمير القرى والبيوت الفلسطينية، وغيرت الاسماء، وأقامت المستوطنات والمنتزهات والحدائق العامة فيها، أي أن اسرائيل تعمدت محو التاريخ الفلسطيني كله والوجود الفلسطيني كله في المواقع التي استولت عليها.

17 – يضاف الى هذا كله أن القرار رقم 242 الصادر من مجلس الأمن لم يتبن الصيغة التي اعتمدتها الجمعية العامة للامم المتحدة عندما أشار الى موضوع اللاجئين، حيث تحدث القرار المذكور عن “ضرورة ايجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين”. وجاء اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير واسرائيل ليشير فقط الى القرارين رقم 242 و 338 كأساس للحل، ولم يشر الى قرار الجمعية العامة رقم 194 ، يضاف الى ذلك الشعار الذي تبنته الدول العربية للحل العادل والدائم وهو “الأرض مقابل السلام”. والارض تتمثل في العودة الى حدود عام 1967. وبان التآكل الذي بدأ يشق طريقه في تفسيرات لحق العودة ومن يملكونه تتعارض تماما مع هذا الحق. فهناك اتفاقيات أبرمها مسئولون فلسطينيون مع غير مسئولين اسرائيليين جرى فيها التنازل الكامل عن هذا الحق، وهناك اتفاقيات أخرى حصرت هذا الحق في العودة الى الضفة والقطاع، واستبعدت بالتالي حق العودة الى الى ما وراء الخط الأخضر. ثم جاءت تصريحات بأن تنفيذ هذا الحق يتم بالاتفاق ، بمعنى أن يكون لاشرائيل حق الفيتو على من يعود ومن لا يعود. وجاءت مبادرة الدول العربية فكانت في صيغتها الاولى خالية من الاشارة الى حق العودة، ثم عدلت في قمة بيروت باضافة هذا الحق. ومؤدى هذا كله أن المحاولات لم تتوقف للانتقاص من هذا الحق أو للتخلي عنه كلية. وهذا كله تستنتج منه اسرائيل ما تستنتجه.

18 – لم يعرف القرار رقم 194 من هو اللاجئ، ولكن نص القرار ينبئ عن هذا التعريف ومن هم المقصودون بالقرار حينما طالب بالسماح لهم بالعودة الى بيوتهم وأشار الى أن يكون العائدون على استعداد للعيش بسلام مع جيرانهم. وبالتالي فان هذا الحق يشمل كل من ليس في بيته ويرغب في العودة اليه، أينما كان. وعندما قررت الجمعية العامة للامم المتحدة انشاء وكالة الغوث في 8 ديسمبر 1949 بالقرار رقم 302 (4)، حصرت اختصاص هذه الوكالة اقليميا في منطقة “الشرق الادنى”. أما الاختصاص الميداني للوكالة فقد تحدد في أمرين اثنين: (الاول) القيام ببرامج اغاثة وتشغيل بشكل مباشر وفقا لما توصي به بعثة المسح الاقتصادي، وذلك بالتعاون مع الحكومات المحلية. و (الثاني) التشاور مع حكومات الشرق الادنى المعنية حول الاجراءات التي يجري اتخاذها من جانب هذه الحكومات استعادا للوقت الذي تصبح فيه المساعدة الدولية لمشروعات الاغاثة والتشغيل غير متوفرة. وبناء على هذا القرار فإنه يخرج عن اختصاص الوكالة اللاجئون الفلسطينيون الذين لجأوا الى اقطار خارج الشرق الادنى. وكذلك فان دور الوكالة انحصر في الاغاثة والتشغيل، وبالتالي فان أولئك الذين كانوا أو أصبحوا فيما بعد في غنى عن الاغاثة أو التشغيل لا يدرجون في سجلات الوكالة. واذن فانه لا يصح الاعتماد على سجلات الوكالة لتحديد من هم اللاجئون الذين يحق لهم ممارسة حق العودة، خاصة وأن الوكالة تراجع سجلاتها بشكل متواصل تحت ضغط الول المانحة لانقاص عدد المستحقين للاغاثة أو التشغيل. ولكن المدرجين في سجلاتها يعتبرون من أصحاب هذا الحق.

19 – في ضوء ما تقدم فان تعريف اللاجئ الفلسطيني الذي له حق العودة هو الذي تنطبق عليه المواصفات الواردة في القرار رقم 194 حيث أنه لا يقيد المكان الموجود فيه بعد خروجه من بيته، ولكنه يحدد المكان الذي له خق العودة اليه. الشرط الوحيد هو أن يكون خارج محل اقامته المعتاد وأن البلد الذي يرغب أو لا يرغب في العودة اليه هو البلد الذي كان فيه محل اقامته المعتاد.

20 – ومما يجب التذكير به خوفا من احتمال الخطأ في المرجعية القانونية لتعريف اللاجئ الفلسطيني أو لمن له حق العودة، أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951، كما عدلت ببروتوكول 1967 الخاص بوضع اللاجئين، وهي اتفاقية عامة، وكذلك قرار الجمعية العامة الخاص بالمفوض العام للاجئين التابع للامم المتحدة لعام 1951.، وكذلك الاتفاقية الدولية الخاصة بالاشخاص عديمي الجنسية لعام 1954 – جميع هذه الاتفاقيات والقرارات لا تطبق بالنسبة لفئات معينة من اللاجئين الفلسطينيين، وهذه هي الفئات هي تلك الداخلة في النطاق الاقليمي لوكالة الغوث. فمثلا تنص المادة 7 من نظام مفوض الامم المتحدة العام للاجئين على ما يلي :

“لا يشمل اختصاص المفوض العام أي شخص …..(ج) يستمر في تلقي الحماية أو المساعدة من أجهزة أو وكالات أخرى تابعة للامم التحدة”

وتنص المادة 1 (د) من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 على ما يلي:


” لا تطبق هذه الاتفاقية على من يتلقى في الوقت الحاضر حماية أو مساعدة من أجهزة أو وكالات الامم التمحدة، باستثناء المفوض العام للاجئين التابع للامم التحدة. واذا توقفت تلك الحماية أو المساعدة لأي سبب كان دون أن يكون وضع هؤلاء الاشخاص قد سوي تسوية نهائية وفقا لقرارات الجمعية العامة للامم المتحدة فان هؤلاء الاشخاص يستحقون حكما ما في هذه الاتفاقية من منافع”

لقد ورد الاستثناء في هذه الاتفاقيات والقرارات بشكل عام دون الاشارة للاجئين الفلسطينيين. غير أنهم هم المقصودون به، حيث أن الدول العربية هي التي طالبت به وتمسكت بالنص عليه. ولكن يجب أن نلاحظ أنه استثناء قاصر فقط على من يتلقون اغاثة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين. أما الذين لم يتلقوا أصلا اغاثة أو تشغيلا أو توفقوا عن تلقيهما فان الاستثناء قد لا يطبق عليهم.

حماية حق العودة

21 – سبق أن أشرنا الى مناورات أو محاولات للمساس بهذا الحق. وكذلك فان اسرائيل ترفض الاعتراف به، وفي أحسن مواقفها فانها ابدت استعدادا لقبول عدد بسيط بناء على الرغبة في لَمِّ الشمل، وليس تطبيقا لخق العودة. وتأكيدا لهذا الموقف الرافض فان اسرائيل لا تسمح حتى للاجئين داخل الخط الأخضر بالعودة الى بيوتهم وقراهم ، مع أن بعض هذه القرى والبيوت ما زالت قائمة. وسبب الرفض هو الخوف من أن يكون ذلك سابقة يحتج بها عليها.

22- وكذلك لا يمكن الاعتماد على وكالة الغوث لحماية هذا الحق أو لتنفيذه. فالوكالة هي وكالة غوث وتشغيل، أي المساعدة في تسيير أمور الحياة اليومية، ولا يدخل في اختصاصها حماية حقوق اللاجئين. هي وكالة مساعدة لا وكالة حماية. الحماية، ويدخل فيها حماية حق العودة وتنفيذه، يختص بها المفوض العام للاجئين التابع للامم المتحدة، والاتفاقية الخاصة باللاجئين. وقد سبق أن ذكرنا أن اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون الاغاثة أو المساعدة من وكالة الغوث، وهم معظم اللاجئين الفلسطينيين، قد جرى اساثناؤهم من اختصاص هاتين الجهتين. أي أنه لا توجد جهة دولية مختصة أو اتفاقية دولية خاصة باللاجئين يدخل في ضمن اختصاصها حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي حماية حق العودة.