Home » 2012 » August

ليبيا تسترد اصالتها.. المحافظة على الاستقلال اصعب من نيله

حَدَثٌ تاريخيٌّ معاصر بكل معنى الكلمة وَقَعَ في ليبيا في منتصف ليل الثامن من هذا الشهر، شهر آب/أغسطس سنة 2012، ودام فقط حوالي اربعين دقيقة من مطلع التاسع منه. كان حدثا فريدا من نوعه في التاريخ العربي، وربما في تاريخ الثورات، حيث تخلى مجلس قاد ثورة منتصرة عن سلطاته، وسلمها لهيئة منتخبة لم يٌزَوِّرْها واستبعد نفسَه من عضويتها. كان ذلك الحدث في مدينة طرابلس، العاصمة الليبية. بعد منتصف تلك الليلة التاريخية حقا عاد المستشار مصطفى عبد الجليل ورفاقه اعضاء المجلس الوطني الانتقالي الى بيوتهم ليدخلوا التاريخ من أوسع وأشرف ابوابه، بعد أن سلموا السلطة والامانة للمؤتمر الوطني العام الذي جرى انتخابه، وفاء بالعهود التي قطعوها وهم يقودون المعركة، ودون مساومات على مراكز أو ادوار أو مزايا. بل إن رئيس الجلس الانتقالي أعلن استقالته من الوظائف التي كان يشغلها، وكرر استعداده للمحاسبة عن ماضيه وهو مسؤول في النظام المنهزم، كما أنه أعلن، خلافا لما أشيع، ان المجلس الوطني الانتقالي لم يلتزم بشيء لأية دولة أجنبية أو يدفع اي شيء لأية دولة في مقابل ما قد تكون قدمته من مساعدة أثناء الثورة. أي أن ليبيا خاضت ثورتها وجاءها الدعم وانتصرت دون أن تثقل الوطن بثمنٍٍ لذلك. وبهذا تأكدت حرية التصرف للشعب ومؤسساته، وفي مقدمتها المؤتمرٌ الوطني العام، في التعامل مع الجميع دون ان تكون هناك قيود أو شروط مسبقة، ولا امتيازات بترولية أو قواعد عسكرية او تحالفات.
في تلك الليلة ذكَّرَ رئيسُ السن، السيد محمد علي سليم، الحضورَ بحكمةٍٍ أطلقها مؤسس الدولة الليبية، المرحوم الملك ادريس السنوسي وما زالت تتردد على السنة الليبيين، وهي ‘المحافظةُ على الاستقلال أصعبُ من نيله’. وهو تذكيرٌ في محله دون شك في مرحلة اعادة البناء في جميع مناحي الحياة، وليس فقط في الجانب الدستوري والقانوني.
لقد عاد الشغب ليسترد دوره وحقوقه ويفرر التطبيق السليم لقاعدة الشعب مصدر السلطات، فكانت الثورةُ الخطوةَ الاولى حيث حمل الشعبُ السلاحَ حقيقةًً لا ادعاءًاً، لحمايةِ نفسه وسيادةِ قراره، وكانت الخطوةُ الثانيةُ التعبيرََ عن ارادته السياسية بممارسة حقه في انتخاب ممثليه، فكان انتخابُ المؤتمر الوطني العام، ثم كانت الخطوةُ الثالثة في تسليم واستلام السلطة باسلوب حضاري سلس استيفاءاً لخطوةٍ ضروريةٍ للبداية السليمة في مرحلة اعادة البناء.
وللحقيقة والتاريخ فإن عملية اعادة البناء قد بدأت مع اشتعال الثورة بقيام المجلس الوطني الانتقالي في الجزء الذي تحرر من أرض الوطن ليضم من البداية ممثلين عن مختلف ارجائه ليكون الناطق باسم الشعب كله في ثورته. وقيام هذا المجلس كان مكسبا كبيرا للثورة إذ وجدت فيه من البداية ناطقا رسميا اعترف به الجميع فاكتسب بذلك شرعية شعبية ثورية مهدت له الطريق لاكتساب اعتراف دولي مبكر بالثورة وممثيلها. واكتسب المجلس هذا مصداقية كبيرة داخل الوطن وخارجه عندما اعلن برنامجا لانتخاب مؤتمر وطني عام، وأن الذي سيشرف على الانتخابات هذه هي لجنة مستقلة، وليس المجلس الانتقالي، وأن رئيس المجلس الانتقالي واعضاءه لن يرشحوا انفسهم لها، فكان هذا الموقف موقفا رائدا في تاريخ الثورات حين يتخلى الرجال الذين قادوا الثورة عن مواقعهم ساعة النصر ويسلمون القيادة والسلطة لمجلس يختاره الشعب ولا يشاركون هم فيه ولا يشرفون على انتخابه. ووفى هؤلاء الرجال بما وعدوا به. ليس هذا فحسب، بل إن رئيس المجلس اعلن في مناسبات عدة أنه يجب محاسبة رجال النظام السابق محاسبة قانونية نزيهة ويضع هو نفسَه ليكون أول من يُحاسَبون بصفته كان وزير عدل سابق. سلموا السلطة ولم يفروا من البلاد لأداء عمرة أو حج، وعادوا الى بيوتهم مواطنين عاديين.
وأسس المجلس الانتفالي سابقة أخرى والثورة ما زالت مشتعلة، وهذه السابقة هي تفعيل المشاركة الشعبية في عملية التشريع، وهي المشاركة التي غُيِّبَ عنها الشعب العربي لعدة عقود. التشريعات في الاقطار العربية تنزل من فوق، وقد تمر شكليا بمجلس نيابي أو مجلس شورى، ولكن القرار يبقى في يد شخص واحد في القمة، ويبقى علم الشعب بالقانون في معظم الاحوال عندما يصطدم به دون أن يدري. مساهمةُ الشعب المطلوبة في التشريعات يجب الا تقف عند مشاركة ممثيله في المجالس النيابية في النظر فيها، بل يجب أن يرافق ذلك بل أن يسبقه حوارٌ مفتوحٌ أولاً حول مبدأ التشريع في حد ذاته، ثم تأتي مرحلة الصياغة، اذا أقر مبدأ التشريع، ثم نشر مشروع القانون ليطلعَ عليه كلُّ من يهمه الامر، وخاصة منظمات المجتمع المدني من نقابات واتحادات ومنظمات حقوق انسان، ويٌسمِعَ صوتَهٌ أولا للنائب الذي انتخبه وثانيا للحكومة، ثم يكون النقاشُ والدراسةُ للمشروع في المجالس النيابية ومتابعةُ الاعلام لما يجري لمراقبة العملية التشريعية. وما قام به المجلس الانتقالي في سن قانون انتخابات المؤتمر الوطني كان قريبا من هذا في ظل ظروف الثورة. فقد نشر مشروع القا نون، وتصدى له المواطنون في الداخل والخارج يدرسونه ويعلقون عليه ويبدون اقتراحاتهم ويدونون ذلك على صفحات التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية أو يرسلون مذكراتهم المفصلة مباشرة الى المجلس الانتقالي أو لمن يستطيع ايصالها للمسؤولين عن التشريع. ثم صدر القانون، واذا به يدل دلالة واضحة على أن عملية النشر وطلب التعليقات لم تكن مناورة للاستهلاك المحلي، وإنما كانت خطوة جادة لوضع قاعدة المشاركة الشعبية موضع التطبيق الايجابي. ومقارنةٌ بسيطةٌ بين النص الاول لمشروع القانون والنص الهائي له تكشف بسهولة عن استجابة واعية لما أُبدِيَ من ملاحظات واقتراحات. وهذا ليس كلاما مرسلا وإنما هو مبني على وقائع. فقد اطلعتٌ على بعض المذكرات قبل ارسالها ووجدت أثرها واضحا في النص النهائي للقانون. وأهمية هذا الموضوع مرتبطة بالمصداقية التي يمكن للمواطن أن ينسبها للاجراءات التي يتخذها المسؤول، وهل هي جادة أم مناورات عبثية، مثل اللجان التي يشكلها بعض القادة العرب للتحقيق في قضية شغلت الراي العام ثم لا يسمع عنها شيء بعد ذلك، أو مثل أولئك الين يستفتون حين يروق لهم وينكفون عن الاستفتاء في نفس الامور خوفا من النتيجة.
مسألةٌ أخرى في السابقة الليبية جديرة بالذكر، وهي أن المجلس الانتقالي لم يتكون بعد سقوط النظام، أو انه كان للنظام يد في اختيار اعضائه، وانما اعلن عن نفسه وعن اسماء معظم اعضائه (باستثناء المقيمين في مناطق طرابلسية حماية لهم) في بدايات الثورة، ولم يكن وجوده سرا من الاسرار، كما لم يكن أعضاؤه يحملون أسماء حركية أو منزوين عن الانظار أو منقطعين عن الاتصال بالداخل والخارج. كانوا بقودون ويعملون في العلن. وكانت معرفة أسمائهم مصدرَ ثقة واطئنان، فكانوا بذلك أداة فاعلة في اكتساب الشرعية للثورة ومؤسساتها وتوحيد المعارضة، والإعداد للعهد الجديد، والمعركة لم تٌحْسَم بعد.
بهذه الخطوات المدروسة الواعية التي كانت تؤدي الى الثقة والاطمئنان، تجنبت الثورة الليبية الوقوع في المطبات التي يولدها سقوط نظام دون أن تكون الاستعدادات للانتقال الى العهد الجديد قد نضجت وقابلة للتنفيذ لحظة سقوط ذلك النظام. وبهذه الخطوات حصلت القطيعة مع تراث القذافي ونظامه، وتأكدت بداية العودة الى الأصول. وهي بداية فقط، هي ‘نيل الاستقلال’،وما زالت أمام الشعب الليبي المهمة الاصعب وهي ‘المخافظة عليه’ وحمايته من انقلابات الادعياء والمغامرين، وهذه مسؤولية يتحملها جيل الثورة للاجيال القادمة. وهذا الجيل هو الذي سيضع الدستور الجديد للدولة الليبية العصرية، ويجب أن يكون من أول أهداف هذا الدستور أن يؤمن في احكامه، بالقدر الذي يمكن تأمينه، عدم امكانية قيام نظام يمكن أن يتيح الفرصة لانفراد أي فرد أو سلطة بالحكم. وهذه نسبيا مهمة سهلة عندما يؤمن الدستور فصلا بين السلطات ومحاسبةً دقيقةً لكل سلطة عن ممارستها لما يقع في اختصاصها وعدم تجاوزه.
غير أن الدساتير الديموقراطية هذه لم تمنع قيام دكتاتوريات ونظم فاشية شمولية. وهذا يؤدي بنا للعودة الى الأصل وهو أن الشعب مصدر السلطات. وليس معنى هذا تنازلا من الشعب لسلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإنما يعني أولا وقبل كل شيء إعدادَ الشعب ليكون قادرا على ممارسة رقابة فاعلة على التصرف بما يوكله من سلطات لمختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها. ويعتي ثانيا بداية ايجاد أدوات المجتمع المدني من احزاب واتحادات ونقابات وجمعيات مستقلة تمارس هي الديموقراطية المسؤولة من انتخابات حرة ومراقبة ومساءلة فاعلتين في داخلها وفي علاقتها مع السلطات المختلفة، ويجب أن يكون الحق في انشائها مطلقا، لا يخضع لترخيص من هذه الجهة أو تلك، ويكفي فيها الاخطار.
ونظرا للدور المهم التي تقوم به تنظيمات المجتمع المدني فإنها تكون دائما هدفا للنظم الدكتاتورية للسيطرة عليها لتصبح ادوات في يد النظام يكون دورها الترويج له والدفاع عنه. وعند مراجعة التجربة الليبية في هذا الشان نجد أن النظام القذافي سعى جاهدا للسيطرة على النقابات والاتحادات، ونح مع البعض وفشل مع البعض. وكمحامٍ عضوٍ في نقابة المحامين الليبيين فقد عاصرت الضغوط التي مورست على المحامين، وعلى نفيبهم الاستاذ عبد الله شرف الدين، أمد الله في عمره، وزملائه أعضاء مجلس الادارة ليخرجوا عن خطهم المتمسك بسيادة القانون واستقلال القضاء وحق كل انسان في محاكمة عادلة وفي اللجوء الى القضاء واختيار محاميه، ولم يفلح. ويعرف المحامون ما تعرض له زملاؤهم، وخاصة النقيب، من تهديدات وضغوط ومناورات. وصمد المحامون. المحامون لم يخرجوا مرة واحدة في مظاهرات التأييد التي كان ينظمها النظام، ولم يرفعوا في النقابة لافتة واحدة تحمل مقولة من مقولات الكتاب الأخضر. واجتمع العقيد نفسه بالمحامين في جمعياتهم العمومية أكثر من مرة، وفي كل مرة كان المحامون يثيرون موضوع الدستور وموضوع المعتقلين بدون وجه حق وموضوع فرض تطبيق مقولات الكتاب الأخضر دون موافقة مسبقة عليها من الشعب، وكان هو من جانبه يحاول التاثير على الانتخابات، دون جدوى.
إن التربية على تحمل المسؤولية وممارستها ممارسة سليمة لا تتحقق بنصوص دستورية فقط، وانما اساسا بنظام تعليمي سليم يدرب فيه الطفل منذ الصغر على التفكير لا مجرد الحفظ، على العمل الجماعي والنقاش الموضوعي والقدرة على المحاسبة وتحمل المسؤولية في اطار جمعيات ونشاطات ومسؤوليات مدرسية. التربية على الديموقراطية وتحمل نتائجها من اختلافات في الرأي والموقف ومن مضايقات في ممارسة التفكير المستقل ومسؤولية الرقابة والمحاسبة والعمل الجماعي أهداف يجب العمل لتحقيقها بجدية منذ الصغر في البيت والمدرسة لتأمين بناء شامخ من الحرية والكرامة والنهضة للوطن والمواطن، وهذا الجيل الثائر من أبناء ليبيا قادر على وضع الاسس لهذا كله بعون الله.

من أجلك ياقدس

حَلَّ يومُ القدس العالمي كعادته يوَمَ الجمعة، آخرَ يوم ِ جمعة في رمضان كل سنة، وبقيت القدس منسية تماما على الصعيد الرسمي الفلسطيني والعربي والاسلامي الا من عبارات انشائية تقليدية لا تحمل أملا للمدينة أو مقدساتها أو مؤسساتها أو شعبها، مهما صغر هذا الامل. لقد تركوا القدس تموت موتا بطيئا، هي ومقدساتها وشعبها، تحت وطأة احتلال كاد أن يكمل تهويدها سكانا وتاريخا وحضارة وعقيدة، والمدينة تنادي ولا من مجيب. حتى لدى السلطة ‘الوطنية’ الفلسطينية ورئيسها ورئيس دولة فلسطين أصبحت عبارةُ ‘وعاصمتها القدس الشريف’ لازمةً تتكرر مع انها فقدت معناها ومضمونها منذ زمن، نتيحةً للتفاهمات التي جرت واعتبرنها اسرائيل مؤشرا على الاقل لما سيأتي. وليس أدل على ذلك من اعتراف رئيس وزراء السلطة علنا بأنه لا توجد لديه ميزانية للقدس، وجاء هذا التصريح عندما استقال مسؤول القدس السيد عبد القادر حاتم من منصبه احتجاجا على ما تعاني منه المدينة من إهمال واستسلام لما يجري من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
لقد وصلت معاناة ما بقي من المدينة قي أيدٍ فلسطينية حَدَّاً يهدد محرد بقائها، ناهيك عن رمزيتها وقيمتها الوطنية وما نقدمه من خدمات حياتية، من بينها أكبر مستشفى خيري في القدس، هو الآن مهدد بالاغلاق بسبب ما يعانيه من أزمة مالية. المستشفى هو مستشفى المقاصد الخيري، أكبر مستشفى فلسطيني يضم جميع التخصصات على أعلى مستوى ويقدم خدماته لكل محتاج الى رعاية طبية دون تمييز بين فقير وغني، فلسطيني أواسرائيلي، مسلم أو مسيحي، علما بأن مالكه هو جمعية المقاصد الخيرية الفلسطينية. وقد قامت القدس العربي مشكورة بنشر تقرير عن أوضاع المستشفى في عددها الصادر يوم 20 أغسطس الجاري، وهو التقرير الذي اعتمد عليه في هذا المقال والسبب المباشر لكتابته. إنني أعرف المستشفى وأعرف ما يقدمه من خدمات طبية متميزة. وأعرف موقعه الرائع على جبل الزيتون حيث يطل من هناك على القدس والمسجد الاقصى وقبة الصخرة المشرفة اطلالة المحب الحارس اليقظ. ولكنني لم أكن أتصور أن مؤسسة كهذه يمكن أن يشملها هذا المستوى من الاهمال أو التخاذل من جانب السلطات الفلسطيتية كلها، بحيث اصبحت توشك على الاغلاق فيضطر الأطباء والعاملون في المسنشفى الى الاضراب عن العمل للفت الانظار الى مدى خطورة الوضع. هذه السلطات الفلسطيتية كلها أصبحت مستهلكة، وتَستَهْلِكُ في طريقها ما تبقى للفلسيطينيين من وجود وحقوق في القدس وغير القدس.
تقرير القدس العربي أشار الى أن العجز المالي الذي يعاني منه المستشفى مرده الديون التي تراكمت في ذمة المستفيدن من المستشفى ولا يسددون المقابل، أو يكونون اصلا عاجزين عن الدفع ولكن المستشفى يقدم لهم الخدمات دون تردد، ومعظمهم من ابناء القدس والضفة الغربية. فالديون التي تراكمت على هؤلاء فقط بلغت حوالي عشرين مليون دولار، ومن غير المتوقع تحصيلها أو تحصيل الجزء الأكبر منها، كما يستبعد امتناع المستشفى، وهو مستشفى خيري، عن تقديم الخدمات للمدينين هؤلاء بسبنب تخلفهم لفقرهم عن سداد ديونهم، وهم الذين يجب أن ترعاهم السلطة الوطنية الفلسطينية، بتوفير الخدمات الطبية لهم في الظروف التي تعيشها القدس بوجه خاص والضغة الغربية بوجه عام.
واذا كان من الواجب مراعاة الظروف الخاصة بهؤلاء المواطنين العاجزين عن سداد فواتيرهم، فإنه لا يغتفر للسلطة الفلسطينية ألا تسدد فواتيرها البالغة سبعة ملايين دولار، وهذه فواتير مقابل خدمات قدمها المستشفى لمن تحيلهم السلطة نفسها الى المستشفى للعلاج ويجب سدادها في الحال، وليس منحة منها للمستشفى، وتسديد هذه الفواتير يجب أن تكون له أولوية على الكثير من أوجه الصرف التي تتولاها السلطة. يجب على السلطة أن تتمسك بميزانية قادرة على الوفاء بالخدمات الصحية بما في ذلك سداد الديون التي تتراكم للمستشقيات وفي مقدمتها مستشفى المقاصد.
السلطة أذن مقصرة كسلطة وكمدين بالخدمات الصحية من جانب المستشفى، السلطة مدينة بسبعة ملايين دولار مقدابل خدمات قدمها المستشفى، وعليها ان تبادر الى سداد هذا الدين، ولو استدانت، أو استقطعت المبلغ من مخصصات قوات الامن، فلا اسرائيل ولا أمريكا تحتمل استقطاع أي مبلغ من هذه المخصصات. يكفي ما ارتكبته هي والقيادات الفلسطينية من تقصير في حق القدس والمقدسيين، ويكفي ما تفعله اسرائيل للتضييق عليهم وعلى المدينة.
والمستشفى دائن كذلك لصناديق المرضى الاسرائيلية بنحو مليوني دولار. هذه تسعة ملايين دولار يجب أن تسدد في الحال دون تأخير، وأدعو منظمات حقوق الانسان الفلسطينية والاسرائيلية كذلك ونقابة المحامين الفلسطينيين الى الالتفات لهذا الموضوع، تبرعا من الجميع، لانقاذ مستشفى بهذه الاهمية.، ولمساعدته في سداد ما تراكمت عليه من ذيون بلغت خمسة ملايين دولار للمصارف وعشرة ملايين للموردين والشركات، وخمسة ملايين دولار ضريبة عقارية للبلدية الاسرائيلية و120 الف دولار لشركة الكهرباء.إنني أخاف على المستشفى ان تقفله البلدية الاسرائيلية أو تبيعه بالمزاد العلتي لتحصيل مبلغ الضريبة بحجة عدم دفع الضريبة المستحقة. فهل تتحمل القيادات الفلسطينية نتيجةَ الاستيلاء على هذه المؤسسة وقفل ابوابها نتيجة إهمالها؟ الا يكفي ما أقفلته السلطة نفسها من مؤسسات وجمعيات خيرية استجابة للطلبات الامريكية والاسرائيلية في أعقاب فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي، بحجة تجفيف الموارد المالية لحماس، مع أن الذي عانى من ذلك هم المحتاجون للمعونات أو الخدمات التي كانت تقدمها لهم هذه المؤسسات والجمعيات، ولم توفر السلطة أو أمريكا أو اسرائيل البديل لها. وهل سيسمح الشعب الفلسطيني بإغلاق هذا المعقل الأخير للخدمات الطبية المتميزة الخيرية للمحتاجين اليها من ابنائه؟.
المستشفى يعالج نحو 240 الف حالة خارجية، ويستقبل نحو 12 ألف حالة ادخال في المستشفى، ويُجري نحو 500 عملية شهريا. فاذا أقفل أبوابه فإن أهل القدس بشكل خاص وبقية الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة سيفقدون ملاذا صحيا عالميا في مستواه وخيريا في خدماته. وفضلا عن ذلك فإن المستشفى ليس مستشفى للعلاج فقط وإنما يضم كلية تمريض ايضا، فضلا عن كونه مستشفى تعليمي تخصصي، وتتبع له سبعة مستوصفات في قرى وبلدات القدس، ويعتمد في تمويله على التبرعات الخيرية وعلى سداد نفقات تحويلات المرضى اليه من السلطة الفلسطينية، والمستشفيات الخاصة في الضفة الغربية، عندما تسدد السلطة وهذه المستشفيات الفواتير.
ويقول التقرير الذي نشرته القدس العربي إن العاملين في المستشفى وعددهم 750 لم يتقاضوا مرتباتهم عن الشهرين الماضيين، والمعدات في تناقص، ولذا فإن العاملين أعلنوا اضرابا مفتوحا عن العمل، دون المساس بالخدمات المستعجلة، وذلك للفت النظر الى الخطورة التي وصل اليها الحال.
المستشفى تأسس عام 1968 وهو تابع لجمعية المقاصد الخيرية.في القدس. وبطبيعة الحال فإن الاوضاع الاقتصادية في القدس خاصة وفي الضفة الغربية عامة لا تسمح للمواطنين، علاوة على الضرائب المرهقة التي تفرضها اسرائيل عليهم، أن يتكفلوا بالتبرع بانتظام بما يكفي لسد احتياجات المستشفى، وللحفاظ عليه في المستوى الطبي الذي يستفيد منه المجتمع كله دون استغلال أو حتى مقابل، في حالات عدم القدرة علىالدفع.
انقاذ المستشفى مسؤولية تقع على الفلسطينيين جميعا في الداخل والشتات، وهي مسؤولية العرب والمسلمين أينما كانوا لأن الحفاظ على مؤسسة من هذا النوع من مؤسسات القدس هو خدمة انسانية ووطنية من الدرجة الاولى، ونتقدم بالاقتراحات التالية في هذا الشأن:
أولا- على السلطة الفلسطينية أن تبادر في الحال لسداد الدين الذي في ذمتها، ولو استدانت، ويجب عليها أن تسدد فواتيرها بانتظام ولو من أبواب أخرى من الميزانية.
ثانيا- ندعو نقابة المحامين الفلسطينيين للمبادرة باجراءات لتحصيل الديون المستحقة للمستشفى من القادرين على الوفاء ولكنهم يماطلون، وفي مقدمتها الدين المستحق على صناديق الصحة الاسرائيلية.
ثالثا- ندعو الحركات الاسلامية على اختلاف مشاربها السياسية الى التبرع اذا كانت تؤمن بأن رعاية صحة الانسان هي من بين الاعمال الصالحة ومقاصد الشريعة التي يُكافَؤ عليها الانسان عند لقاء ربه.
رابعا- ندعو اتحادي الاطباء والصيادلة العرب والاطباء الفلسطينيين والعرب في الشتات الى فرض اشتراك سنوي غير مرهق ضمانا لاستمراره لصالح المستشفى يحصل ويحول بالطريقة التي يتفق عليها.
خامسا- إنني أدعو كل فلسطيني، اينما كان، أن يُلزِمَ نفسه بدفع أي تبرع يناسبه شهريا أو سنويا، ويستطيع الاستمرار في التبرع به دون ارهاق، بتعليمات يصدرها لمصرفه بحيث لا تتعرض للنسيان، وانما تصبح دخلا يستطيع المستشفى الركون اليه. مقدار المبلغ مهم بطبيعة الحال، ولكننا لسنا من أنصار الدفعة الكبيرة الواحدة التي لا تتكرر، وأنما ندع الى مساهمات لا تنقطع من دائرة واسعة من المتبرعين، تدفع بانتظام بحيث يشعر كل فلسطيني بأنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن بقاء هذا المستشفى وتطويره، والمساهمة في ذلك، كمؤسسة فلسطينية مقدسية. ويتم هذا باجراء تحويلات مباشرة منتظمة الى حساب المستشفى كلما حان الموعد بحيث يصبح هذا التزاما مستمرا ينفذ تلقائيا ويستطيع المستشفى الاعتماد عليه في ميزانيته. إن المبالغ الصغيرة من أعداد كبيرة فيها الخير كل الخير. ولا أنسى تجربة مررت بها وهي أن جمعية خيرية بريطانية قررت تزويد مياه الشرب لمجتمعات افريقية محرومة منها. فأجرت اتصالاتها لجمع التبرعات واشترطت أن يكون التبرع جنيهين فقط سنويا. انهالت عليها التبرعات، واستطاعت من هذه المبالغ البسيطة في مفردها والكثيرة في مجموعها أن تحفر آبارا لتوفير مياه الشرب في مجتمعات كبيرة وما زالت تباشر نشاطها. إنني أؤمن بجدوى هذه المساهمات الفردية التي تبدو متواضعة ولكن فيها الخير الكثير نتيجة للمشاركة الواسعة. وتمشيا مع هذه النظرية فانني أقترح أن يكون الالتزام في حدود عشرة دولارات شهريا. طبعا لا اعتراض على من يرغب في التبرع بمبلغ أكبر ويقدر عليهن ولكن بشرط مراعاة الاستمرارية.
سادسا- اذا اراد أهل الخير في أمتنا أن يتبرعوا لانقاذ المستشفى من وضعه الحالي فلا أظن أن المستشفى سيعترض
سابعا- إنني لم أتوجه الى الحكومات العربية، فهذه لا يعتمد عليها ولا على وعودها والتزاماتها، فما أسرع تظاهرها بالالتزام وأسهل تهربها منه.
وختاما فإنني لم أتصل بالمستشفى لاستئذانه في كتابة هذا المقال، ولم أطلعه عليه قبل نشره، ولست وكيلا عنه لجمع تبرعات أو قبولها وعلى من يرغب في الاستجابة أن يتصل بالمستشفى مباشرة، حيث أن له موقعا على الشبكة العنكبوتية هو:
ويمكن لمن يشاء زيارته والحصول على مايريد من بيانات. www.almakassed.org