Home » Arabic Articles » العنصرية المطلقة – نفي وجود الآخر

العنصرية المطلقة – نفي وجود الآخر

مقدمة مجلة الآداب (العدد 53 – 8-9-10 – 2005)

أنيس مصطفى القاسم هو الأمين العام للمنظمة الدولية للقضاء على التمييز العنصري (إيفورد). يجمع إلى المعرفة الحقوقية ذلك الاشتعال الوطني الذي لم يخب مع الأيام. في الصفحات التالية دراسة مهمة عن عنصرية الدولية الصهيونية، واقتراحات واضخة أمام الدول والشعوب لكيفية التصدي.

الآداب

العنصرية المطلقة – نفي وجود الآخر

بقلم د.أنيس مصطفى القاسم

الأمين العام للمنظمة الدولية للقضاء على التمييز العنصري (ايفورد)

1- مقدمة:

في نوفمبر 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وفي ديسمبر 1991 ألغت ذلك القرار، فهل يصح أن نتحدث اليوم عن الصهيونية كحركة عنصرية، وعن وليدتها اسرائيل كدولة عنصرية؟ هل تغيرت طبيعة الصهيونية فكرا وعملا ما بين 1975 و1991 واليوم، بحيث أصبحت لا تدخل في اطار تعريف العنصرية والتمييز العنصري كما أقرته المواثيق الدولية والقانون الدولي؟

لقد برزت بوضوح محاولات خلط الأوراق والافتئات على الحقيقة ومحاولات الافلات من المساءلة والمحاسبة في المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية الذي عقدته الأمم المتحدة في (ديربان) بجنوب افريقيا في سبتمبر 2001 ، حيث فُسَّرَ التحرك ضد الصهيونية واسرائيل خاصة من منظمات المجتمع المدني على أنه تحرك ضد اليهود واليهودية، وأنه يُشَجَّع على معاداة السامية. وفشلت محاولة الخلط هذه وانسحبت أمريكا واسرائيل من المؤتمر. وهذا دليل على خطأ قرار الالغاء.

2 – الأساس القانوني لتصنيف الحركات العنصرية

لم يأت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 من فراغ قانوني أوفكري أوواقعي، بل كان نتيجة طبيعية لتطبيق المعايير التي استقرت لدى المجتمع الدولي، عن طريق الأمم المتحدة، لانهاء الاستعمار والاحتلال، وتثبيت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق الانسان، كل انسان، في الكرامة الانسانية، والمساواة في الحقوق والحريات الاساسية دون تمييز بسبب العرق أو اللون او الدين أو اللغة.

وقد عبر عن هذا كله، بشكل عام، ميثاق الأمم المتحدة عندما حدد في المادة الأولى أهداف المنظمة الدولية، مؤكدا على أن العلاقات بين الأمم تقوم على اساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير المصير” وأن من واجب الامم المتحدة “اشاعة وتشجيع احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.” وأن على الامم المتحدة “أن تُرَوِّجَ احتراما عالميا والتزاما بحقوق الانسان والحريات الأساسية بالنسبة للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين” وذلك من أجل ضمان السلم العالمي والتعاون بين الشعوب. (مادة 55 من الميثاق)

وتنفيذا لهذا الالتزام فقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة:

أولا: الاعلان العالمي لحقوق الانسان في العاشر من ديسمبر 1948. وقد نصت المادة الثانية منه على حق الشعوب والأفراد في التمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة فيه دون تمييز من أي نوع كان، وبغض النظر عن الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلاد أو الأراضي التي ينتمي اليها هؤلاء الأفراد. أي المساواة الكاملة في الحقوق بين الشعوب والأفراد.

ثانيا: الاعلان الخاص بمنح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمََرَة الصادرفي 14 ديسمبر 1960. وقد أعلن أن إخضاع الشعوب للحكم أو الاستغلال الاجنبي هو انتهاك لحقوق الانسان الاساسية، وأن أية محاولة هدفها تفتيت الوحدة الوطنية أو السلامة الترابية لأي بلد، سواء كان ذلك كليا أو جزئيا، إنما يتعارض مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

ثالثا: : الاعلان بشأن انهاء جميع اشكال التمييز العنصري الصادر في 20 نوفمبر 1963. وقد نص على أن التمييز بين البشر على أساس العرق أو اللون أو الأصل الإثني هو جريمة ضد الكرامة الانسانية، ومُدان باعتباره انكارا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأنه عقبة في طريق اقامة علاقات سلام بين الأمم ويعكر السلام والأمن بين الشعوب.

رابعا: الميثاق الدولي بشأن ازالة جميع أشكال التمييز العنصري الصادر في 21 ديسمبر 1965. ونص على أن الدول الأطراف فيه تدين التمييز العنصري، وتتعهد، باتباع سياسة القضاء على التمييز العنصري، بجميع أشكاله، وباتخاذ اجراءات فعالة لمراجعة السياسات وتعديل القوانين واللوائح التي تؤدي الى ايجاد تمييز عنصري أو تُبقي عليه. وأنشأ الميثاق لجنة دولية لمتابعة تنفيذ الدول الاطراف لالتزاماتها بأحكامه. وانضمت اسرائيل لهذا الميثاق.

خامسا: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16 ديسمبر 1966. وقد نصت المادة الأولى منه على أن تقرير المصير هو حق لجميع الشعوب، وأن من حق هذه الشعوب التصرف بحرية في مواردها الطبيعية دون المساس بالالتزامات المترتبة على التعاون الدولي. كما نص على حق كل انسان في الحياة، وعلى العديد من الحقوق المدنية والسياسية التي لا يجوز المساس بها. ويعتبر هذا العهد من أهم العهود الدولية الخاصة بالتزامات الدول في ميدان حقوق الانسان المدنية والسياسية. واسرائيل قد انضمت له وأصبحت ملزمة بأحكامه.

سادسا: ميثاق قمع ومعاقبة جريمة الابارثيد أو الفصل العنصري الصادر في 30 نوفمبر 1973. قرر هذا الميثاق أن الدول الاطراف تعلن أن الابارثيد جريمة ضد الانسانية وأن الافعال اللانسانية المترتبة على سياسات وممارسات الابارثيد وما يشابهها من السياسات والممارسات جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي. وتشمل جريمة الابارثيد فيما تشمل الفصل العنصري، وقتل افراد مجموعة أو مجموعات عرقية، وايقاع الاذى الجسدي أو العقلي الجسيم بهؤلاء، وانتهاك حريتهم وكرامتهم، واخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة. كما تشمل الاعتقال التعسفي والحبس غير المشروع لأفراد مجموعة أو مجموعات عرقية.

هذه اعلانات ومواثيق تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة واعتُمِدَت كجزء من القانون الدولي قبل عام 1975 ، وما زالت نافذة. وبالاضافة لهذه الاعلانات والمواثيق الدولية، هناك اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بمعاملة المدنيين الخاضعين للاحتلال لعام 1949، وتعتبر المخالفات الجسيمة لها جرائم ضد الانسانية. واسرائيل طرف في هذه الاتفاقية.

3- تطبيق هذه المعايير على الصهيونية

جميع هذه الاعلانات والاتفاقيات الدولية كانت جزءا من القانون الدولي والقانون الدولي الانساني قبل عام 1975، وهو العام الذي اتخذت فيه الجمعية العمومية للامم المتحدة قرارها باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، وجميعها اعلانات أو مواثيق استندت الى مرجعية أعلى هي ميثاق الأمم المتحدة. ومؤدى ذلك أنه حتى ولو لم تكن هذه الاعلانات والمواثيق قد أُُِقرت، فان ميثاق الامم المتحدة، الذي يعتبر مصدرا رئيسيا للقانون الدولي منذ دخوله حيز التنفيذ في 24 اكتوبر 1945، هو ذاته يحظر العنصرية والتمييز العنصري ويقرر حق الشعوب في تقرير مصيرها. وعلى هذا الأساس علقت الامم المتحدة عضوية جنوبي افريقيا في المنظمة أيام الابارثيد وفرضت عليها المقاطعة الدولية.

وتطبيقا لهذه المرجعيات القانونية الملزمة للامم المتحدة ولأعضائها، فإن قرار تقسيم فلسطين ذاته يعتبر غير قانوني لأنه يتعارض كلية مع مبادئ الامم المتحدة كما حددها الميثاق والتي كانت نافذة عام 1947 حين اتخذ قرار التقسيم. ولهذا السبب كانت هناك معارضة قوية قضت في حينه على كل محاولة للحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول شرعية القرار.

ووفقا للمرجعيات سالفة الذكر، فإن الحركة الصهيونية، التي كان شعارها للاستيلاء على فلسطين، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، تعتبر منذ قيامها حركة عنصرية، لأنها نفت حتى مجرد وجود الشعب الفلسطيني في أرضه، نافية بذلك أية حقوق له في تلك الأرض. واستمر هذا الشعار يوجه السياسة الاسرائيلية بعد قيام قيام اسرائيل، وعبر عنه السؤال الذي طرحته جولدا مايير أين هو الشعب الفلسطيني؟

واستمر الحال حتى اليوم، أي بعد الغاء قرار العنصرية عام 1991، برفض اسرائيل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وتفتيت الوحدة الترابية لأرضه بمواصلة الاستيطان الاحتلالي، بل وباعتبار الأراضي المتبقية من فلسطين ارضا متنازعا عليها، أي انها ليست خالصة للشعب الفلسطيني، وانما لاسرائيل حقوق فيها تطالب بها. وجميع الممارسات والسياسات الاسرائيلية هي تصرفات وسياسات عنصرية نابعة أساسا من النفي المطلق لوجود الشعب الفلسطيني كشعب له حقوق ثابتة في وطنه ولأبناء هذا الشعب الذين لهم هم حقوق في وطنهم وتاريخهم، وحقوق انسانية يجب احترامها جميعا. وجميع هذه المخالفات جرائم ضد الانسانية يعاقب عليها القانون الدولي الانساني، وهي جرائم لا يطالها التقادم بموجب الميثاق الدولي الخاص بعدم سريان التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية لعام 1968. وقد أكدت لجنة الخبراء التي تشكلت وفقا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1965، الطبيعة العنصرية لاسرائيل عندما درست أول تقرير تقدمت به عن تنفيذ التزاماتها بموجب ذلك الميثاق، ورفضت ذلك التقرير وطالبت اسرائيل بالتخلص من العنصرية التي هي الطابع الاساسي لها ولقوانينها وتصرفاتها..

وفي ممارستها للعنصرية ضد مواطنيها العرب، فان اسرائيل لا تنتهك أحكام هذه المواثيق وحسب، بل انها ايضا لا تحترم احكام قضائها عندما يتخلى هذا القضاء نفسه عن العنصرية ، وهذا نادرا ما يحدث، ويصدر حكما لصالح مواطن اسرائيلي عربي. ويكفي أن نشير الى مثال واحد في هذا الخصوص وقع قبل قرار 1975 وما زال مستمرا بعد قرار 1991.

في شمال اسرائيل قريتان فلسطينيتان اسمهما (اكريت) و (كفر برعم). هاتان القريتان نزح عنهما سكانهما بطلب من الجيش الاسرائيلي عام 1948 مع الوعد بالسماح لهم بالعودة بعد انتهاء المعارك. وانتهت المعارك، ولم يُسمح لهم بالعودة. فتقدم السكان بشكوى لمحكمة العدل العليا الاسرائيلية، فقضت بأنه لا يوجد مانع قانوني يمنعهم من العودة، كان ذلك عام 1951 ، غير أن ذلك الحكم لم ينفذ، فعاود السكان اللجوء للمحكمة العليا الاسرائيلية، وقبل الموعد المحدد للجلسة وفي ايام الاحتفال بعيد الميلاد عام 1952 قام الجيش الاسرائيلي بتدمير جميع المنازل، علما بأن السكان كانوا جميعا من المسيحيين، فكان تدمير القريتين هدية اسرائيل لهم في عيد الميلاد. وعلى اثر ذلك تدخلت الحكومة الاسرائيلية فصادرت أراضي القريتين، وبالتالي منعت السكان من العودة. هذه هي سيادة القانون في اسرائيل، العنصرية تتحكم حتى عند تنفيذ احكام القضاء.

نخلص من هذا كله أن القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1975 باعتبار الصهيونية حركة عنصرية كان قرارا صائبا، وحيث أن السياسات والممارسات الاسرائيلية لم تتغيرفإن الغاء ذلك القرار عام 1991 كان خطأًً كبيرا ساهمت الدول العربية والاسلامية في ارتكابه. والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في موضوع الجدار العنصري شاهد على ذلك، كما شهد به جون دوجارد John Dugard ، المقرر الخاص للامم المتحدة عن أوضاع حقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل عام 1967 ، في تقريره الذي قدمه للدورة التاسعة والخمسين للجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 28 اكتوبر 2004، حيث قال في مستهل تقريره:

“هناك تشابهات وفوارق بين الابارثيد في جنوب افريقيا والوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة. ومع ذلك فهناك تشابه واضح. ان سلوك اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة يثير نفس التحديات لمصداقية حقوق الانسان الدولية التي أثارتها الابارثيد في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. فهناك انتهاكات جسيمة (gross ) وفظيعة (egregious) ومنتظمة (systematic ) لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهي انتهاكات لا ترتكبها ميليشيات لا تخضع لنظام أو رقابة، وانما يرتكبها واحد من أكثر جيوش العالم الحديث انضباطا وتقدما، بتوجيه من حكومة مستقرة ومنضبطة”. وشهد بذلك الدكتور دَرِيك سَمَرفيلد Derek Summerfield في تقرير نشرته المجلة الطبية البريطانية في 16 أكتوبر 2004 ، تحدث فيه عن انتهاكات اسرائيل للحقوق الصحية والنفسية وغيرها من جرائم الحرب ضد الفلسطينيين. وانتقد في تقريره صمت الجمعية الطبية البريطانية عما يجري، واختتمه بالقول: “ان آخرين قد سكتوا عن الكلام خوفا من أن يتهموا بمعاداة السامية، وهو تعبير يستعمله مؤيدو اسرائيل استعمالا لا أخلاقيا لفرض الصمت. فكيف يمكن مواجهة هذا الوضع المشين ، وهو وضع يرى هذا الطبيب المولود في جنوبي افريقيا أنه قد تجاوز في تماديه حدود فترة الابارثيد (في جنوب افريقيا)”.

هذه تجربة رجل عاش نظام الابارثيد في جنوبي افريقيا ورأى بعد مشاهداته أن ما يجري في فلسطين يفوق ما كان يجري في عهد الابارثيد في جنوب افريقيا. هذا الرجل النبيل الذي رفض أن يسكت، انهال عليه الهجوم من اللوبي الاسرائيلي، بحيث ملأت قائمة اسماء من هاجموه ثمانية وثلاثين صفحة على موقع الانترنت، مع أن مقاله كان من صفحتين فقط، ولم يذكر سوى ما شاهد. غير أنهم لا يريدون أن تُعْرَفَ الحقيقة، ويستعملون الارهاب الفكري لاخراس من يتكلم بها.

لقد ازداد الوضع سوءاً بعد عام 1991 ،بالرغم من اتفاقيات أوسلو، اذ ازداد الاستيطان وتفتيت الاراضي الفلسطينية، وخاصة في الضفة الغربية، وازداد العنف الاسرائيلي في مواجهة المقاومة الفلسطينية الباسلة واصرار الشعب الفلسطيني على التمسك بالارض مهما كان الثمن، بحيث يمكن تصنيف مجموع ما ترتكبه اسرائيل من أفعال وممارسات بأنه شروع في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، حيث أصبح ستون في المائة من ابناء الشعب الفلسطيني يعيشون في مستوى دون الفقر، حسب تقارير البنك الدولي. ويعيش هؤلاء، وفقا لهذه التقارير، على ما قيمته دولاران في اليوم الواحد. هذه هي الابادة البطيئة المبرمجة التي تهدف الى حصول موجات من هجرة الفلسطينيين الى خارج وطنهم فيتحقق ما تسميه الدوائر الاسرائيلية بالترانسفير أو الرضوخ للأمر الواقع التي تفرضه اسرائيل. كل هذا بعد قرار الالغاء.

5- الانسحاب من غزة:

أعلنت اسرائيل في الحادي عشر من سبتمبر2005 انتهاء “انسحاب” قواتها من قطاع غزة وحل الادارة العسكرية للقطاع. وبغض النظر عن أسباب هذا الانسحاب، فإنه قد تم بقرار أحادي من جانب اسرائيل لكي لا تكون ملزمة بأي شروط تجعل منه عملا قانونيا ملزما. كما أنها أعلنت عن استعدادها للعودة للقطاع اذا رأت أن أمنها مهدد منه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الاحتلال لا يزال قائما عن طريق السيطرة على حدود القطاع وأجوائه ومياهه الاقليمية وثرواته المائية، والاحتلال الكامل للضفة، حيث ضاعفت اسرائيل من جهودها الاستيطانية وتفتيت وحدة التراب الفلسطيني ومواصلة بناء الجدار غير الشرعي وعزل القدس عن مجالها الفلسطيني. واذا كنا نرحب بخروج اسرائيل من أي شبر من الاراضي العربية، فإن من الواجب ألا تتسرع السلطة الوطنية الفلسطينية والدول العربية والاسلامية، كعادتها، في التعامل مع هذه الخطوة وكأن الاحتلال قد انتهى. إن معركة تحرير الضفة والقدس ستكون أشد مرارة وتحتاج الى تضامن حقيقي فعال من الجميع.

5- ما العمل

لقد فشلت الأمة العربية حتى الآن في التصدي للأخطار التي تمثلها الحركة الصهيونية لأنها أولا وأساسا لم تعتمد على قوتها الذاتية فتحشد هذه القوة حشدا يرقى الى مستوى الخطر، ولأنها ثانيا لجمت الدور الطبيعي للشعب العربي نفسه في مواجهة هذا الخطر، وفشل الشعب نفسه في فرض ارادته على الأنظمة. وهاهي المحاولات جارية لإطفاء الشعلة الوحيدة المضيئة وهي المقاومة الفلسطينية، وكأنما دورها قد انتهى بعد “الانسحاب” من غزة. المطلوب:

أولاً: التوقف عن استجداء المجتمع الدولي وأمريكا واسرائيل، والتوقف عن تقديم التنازلات والهرولة وراء كل سراب. بل يجب التمسك بالحقوق العربية تمسكا تعبر عنه ارادة فاعلة ملتزمة يشعر الاخرون بجديتها وقوتها. ان العالم يهزأ بنا عندما نطالب اوروبا بفرض عقوبات اقتصادية على اسرائيل أو الغاء أو تجميد اتفاقية المشاركة بينهما، في حين أن انظمتنا تُطَبِّع ويقيم بعضها مشاريع مشتركة معها، ويتخلى كثير منها حتى عن المقاطعة الاقتصادية، ويعمل على فتح السفارات أو ما أصبح يسمى بمكاتب الاتصال. ليست هذه بالمواقف التي تغري الغير بالتضحية بمصالحه تأييدا لحقوقنا. جميع المبادرات الفاعلة يجب أن تأتي من الجانب العربي، ويكون الفعل العربي هو القائد لفرض الحقوق لا للاستسلام للمخططات الاسرائيلية أو الضغوط الامريكية. فكيف نتوقع من الغير أن يقاوم هذه الضغوط إذا استسلم لها صاحب الحق؟

ثانيا: لقد تبنت الأنظمة العربية ما اسمته باستراتيجية السلام، ولم تأخذ في الحسبان احتمال عدم استجابة الطرف الآخر لها، كما وقع بالفعل. فالطرف الآخر يعرف تماما أنها استراتيجية عجز لا أنياب لها. فلماذا يستجيب قبل أن يحقق ما يريد؟ ولهذا اتخذ قراراته الأحادية وهو واثق أن الأنظمة العربية ستلهث وراءها. إن المفهوم في عالم السياسة والفعل بشكل عام أن الاستراتيجية، مهما كان نوعها، يجب أن توفر لها عناصر تضمن تنفيذها من جانب من يعتمدها، كما يجب اعداد البدائل لمواجهة احتمالات فشل هذه الاستراتيجية. والأنظمة العربية، على ما يبدو، لم تُعد البدائل. وهذا ما يجب عليها أن تفعله دليلا على جدية تمسكها بالحقوق العربية والشرعية الدولية..

ثالثا: لا يمكن لقضية قومية أن تنجح ما لم يكن الشعب طرفا اصيلا في حمايتها والدفاع عنها. وفي القضية الفلسطينية نرى تراجعاً في المشاركة الشعبية على مستوى الوطن العربي بوجه عام، ليس لأن الشعب لا يريد أن يشارك، ولكن لأن معظم الأنظمة العربية تبذل جهودا كبيرة لمنع هذه المشاركة، حتى لو كانت باظهار المشاعر، بالمظاهرات، أو برفض التطبيع، أو بالمقاطعة. أما جمع التبرعات، أو ايصال بعض أموال الزكاة لمستحقيها من الأيتام والأرامل في فلسطين، فقد اصبحت من المحرمات شرعا. هذا وضع يجب أن يتغير، ويجب أن تتم المصالحة بين الأنظمة والشعوب ويجب رفض الانصياع للضغوط ما دامت تتعارض مع المصلحة والقيم العربية.

رابعا: الأنظمة العربية تحذر العالم كله من أن ما يسمى بالارهاب العالمي هو أحد نتائج الظلم الواقع في فلسطين، وان القضاء على هذا الظلم يساعد كثيرا في التخفيف من الارهاب، ولكن هذه الانظمة تشارك في محاربة نتيحة ذلك الظلم، وهي الارهاب، ولا تبذل جهدا مماثلا وموازيا في القضاء على السبب وهو الظلم الواقع في فلسطين، بل وتساهم في ابقاء ذلك الظلم بما تمارسه من ضغوط على الفلسطينيين، وتطبيعٍٍ مع الظالم اسرائيل. فهي تجند قواها وتبرم الاتفاقيات فيما بينها، وتلتزم بها على غير عادتها، وتنسق أعظم تنسيق في محاربة الارهاب، وهذا حقها وواجبها، بينما لا نجد شيئا من ذلك في محاربة السبب، وهو الارهاب الاسرائيلي والظلم الاسرائيلي. هذا يجب أن يتغير ويجب على الأنظمة العربية أن تقرن مقاومتها للارهاب بأفعال جدية تلتزم بها جميعا بقدر التزامها بمقاومة الارهاب للقضاء على ما تعتبره هي نفسها سببا أساسيا من أسبابه، وهو الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.

خامسا: كثير من المسئولين الاسرائيليين يعتبرون قانونا متهمين بجرائم ضد الانسانية وتجب محاكمتهم. ومع ذلك فهم يذهبون ويجيئون، بحرية كاملة واطمئنان الى عدد من الأقطار العربية، بل ويدعون رسميا لزيارتها، في حين يتجنب هؤلاء زيارة كثير من الاقطار الاجنبية خوفا من الملاحقة القضائية الجنائية التي تنتظرهم. . لقد اتخذ أحد مؤتمرات القمة (ولا يهمني أي مؤتمر) بملاحقة الاسرائيليين المتهمين، غير أن هذا القرار تبخر ولم يعد أحد يسمع عنه أو يهتم بتذكره. فلماذا لا يضغط العرب ويواصلون الضغط داخل الأمم المتحدة لإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة المتهمين الاسرائيليين، خاصة بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية واستنادا على ذلك الرأي على الأقل؟ وفي جميع الأحوال فإن من واجب النائب العام في كل قطر عربي يطؤه مسئول اسرائيلي، سابق أو حالي، أن يحرك الدعوى الجنائية ضده، كما حركت ضد موفاز ودورون الموج في لندن، وضد شارون في بلجيكا، وضد بوش في الشيلي، وضد هنري كيسنجر في روما، وضد بانوشيه في لندن. وعلى مؤسسات المجتمع المدني في الاقطار العربية ونقابات المحامين تحريك الدعوى الجنائية ضدهم، اذا لم يقم النائب العام بذلك. يجب أن يعرفوا أن جرائمهم لن تذهب دون عقاب. غريب مثلا أن تكون الشرطة البريطانية والقضاء البريطاني والمدعي العام البريطاني أحرص على حماية حقوق الفلسطينيين.

سادسا: يجب على السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية أن ترفض اعادة كتابة تاريخ فلسطين ليصبح منسجما مع المنظور الصهيوني العنصري الاسرائيلي، ومُشَوِّهاً لتاريخها الحقيقي، وقد بدأت بوادر هذا المخطط في الظهور في الاصرار على تغيير مناهج التاريخ في الاقطار العربية. والى جانب التمسك بكتابة التاريخ على حقيقته، يجب القيام بحملة دولية على المستوى الثقافي لاطلاع العالم على مدى تزوير التاريخ من جانب اسرائيل والحركات الصهيونية، وخاصة ما تقدمه معاهد اللاهوت الغربية والامريكية عن الوجود اليهودي في فلسطين وطبيعة ذلك الوجود. انها مسئولية كبيرة على وزارات التربية والتعليم في الاقطار العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية والمثقفين العرب. فليس أخطر على شعب من طمس تاريخه في وطنه أو تزويره.

سابعا: وكذلك يجب ألا نقع في فخ مشروعات تهدف الى طمس هويتنا القومية وهوية منطقتنا، كمشروع الشرق أوسطية، أو الشرق الأوسط الكبير. فهذا مشروع صهيوني كان شمعون بيريز من أوائل من طرحوه، وهدفه واضح. فاذا اريد القياس على تجمعات جغرافية، كالاتحاد الاوروبي، فان وطننا العربي، بمختلف أقطاره، له حدوده الجغرافية وتواصله الجغرافي، ولا يعيبه أن تكون الغالبية الساحقة فيه هم من أبناء قومية واحدة، ويدين معظمهم بدين واحد وينتمون جميعا لحضارة واحدة وتراث يجمعهم، على اختلاف أصولهم العرقية او انتماءاتهم الدينية. انها مجموعة بشرية متجانسة ومن حقها أن يكون لها كيانها الخاص بها. وما هو الداعي لتوسيع هذه المنطقة الجغرافية لتضم اقطارا اخرى وشعوبا تزعزع الانسجام القائم بين شعوبها؟

ثامنا: يجب على الشعب العربي ومنظمات المجتمع المدني فيه أن يتحرك بفاعلية أكبر ومثابرة أوسع للقيام بدوره، وأن لا يركن للأنظمة، فهو الضحية في نهاية المطاف. وأبسط ما يمكن القيام به هو رفض التطبيع والاصرار على المقاطعة. فلا يوجد سلطة تستطيع أن تفرض التطبيع على أحد أو شراء سلعة من مصدر من المصادر. ومن يستطيع أن يرغم العمال العرب مثلا على تقديم الخدمات لطائرات أو سفن الدولة المقاطعة اذا اتخذت اتحادات العمال العرب قرار المقاطعة؟ وهنا لابد من توضيح مسألة في غاية الأهمية.يقول دعاة التطبيع لماذا لا نطبع، والفلسطينيون، اصحاب القضية المباشرون، قد طبعوا؟ ان هذه المقولة تتجاهل تماما ما يجري في فلسطين. الفلسطينيون لم يطبعوا ولكنهم يخوضون معارك متعددة الجبهات للتخلص من الاوضاع التي فرضها الاحتلال ولاسترداد حريتهم في وطنهم. فهل هذا هو حال الاقطار التي تتراكض للتطبيع؟ ثم ماذا كانت نتيجة التطبيع عند من طبعوا؟

هذا بعض ما يجب القيام به، والعنصر المهم في هذا كله هو وجود ارادة فاعلة لمناهضة العنصرية الصهيونية، وعندما تتوفر الارادة فانها قادرة على ايجاد سبل المقاومة لحماية الحقوق.

(ايفورد) منظمة غير حكومية لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري وتتمتع بالصفة الاستشارية لدى الأمم المتحدة. ومقرها جنيف.

كأن آخرها هرب الجنرال الاسرائيلي دورون الموج في سبمتمبر 2005 من لندن فرارا من مذكرة اعقتال أصدرتها ضده محكمة أنكليزية لمواجهة تهم بارتكاب جرائم ضد الانسانية في فلسطين. وقبله فر موفاز من لندن لنفس السبب. وفي الحالتين تم تحريك الدعوى الجنائية بمبادرة من منظمات حقوق الانسان فلسطينية وبريطانية، وليس من أي حكومة عربية أو من السلطة الوطنية الفلسطينية.

من أجل هذا تأسس في بيروت صندوق العون القانوني للفلسطينيين من بين نخبة من السياسيين والمثقفين العرب برئاسة دولة الدكتور سليم الحص رئيسا لمجلس الأمناء وكاتب هذا المقال رئيسا لمجلس الادارة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *