Home » Arabic Articles » اليهود العرب في اسرائيل: نضال من أجل الهوية

اليهود العرب في اسرائيل: نضال من أجل الهوية

اليهود العرب في اسرائيل: نضال من أجل الهوية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية([1]) *

مدخل

“عندما اسمع فيروز تغني

لن أنساك فلسطينا

أقسم بيدي اليمنى

أنني في الحال أكون فلسطينيا

فجأة أعرف أنني ذاك،

أنني لاجئ عربي، وأني

إن لم أكن ذاكَ

فليلصق لساني بسقف فمي”

قصيدة كانت على الشبكة العنكبوتية في شهر يوليو/حزيران عام 2004 ، وعنوانها (I am an Arab refugee). “أنا لاجئ عربي”. مؤلفها لم يكن لاجئا فلسطينيا وإنما يهودي عربي هُجِّرَ الى اسرائيل من العراق واسمه سامي شلوم شتريتSami Shalom Chetrit . وقد عثرت عليها أثناء إعدادي لهذا البحث في مقالٍ ([2]) نُشِرَ في ربيع 2005 ، باللغة الانكليزية، وكانت هذه القصيدة مقدمة لذلك المقال ، وترجمتها الى اللغة العربية واخترتها لتكون أيضا مدخلا لبحثي هذا، مع تحياتي لصاحب الفضل في السبق لهذا الاختيار.

سامي هذا ، اليهودي الديانة، والمهاجر باختياره ، أو المُهَجَّر، من بلده العربي، العراق، بسبب ما افتعلته المنظمات الصهيونية لحمل اليهود على الرحيل الى دولة تدعي أنها دولتهم جميعا ، والاستاذ ُ في جامعة تعتبر من أعرق الجامعات اليهودية في العالم، هي الجامعةُ العبرية في القدس، هذا الانسان يستمع وهو في القدس لفيروز وهي تغني لفلسطين، فإذا بذلك الصوت وكأنه يخاطبه عن المصير الذي آل اليه، وغربة الروح والجسد والحضارة والتاريخ، فاذا به فلسطيني لا ينسى وطنه، فلسطيني لاجئ، وليس فلسطينيا لاجئا فقط، وانما هو عربي لاجئ، لاجئ عربي في الدولة التي هَجَّرَتْه اليها بدعوى أنها هي، لا غيرها، دولتُه ووطنُه اللذان يعود اليهما، والى موروثه التاريخي والديني والحضاري فيها. في هذا كله ، لا يرى نفسه سوى لاجئ عربي .

يهوديته معه يعايشها وتعايشه، ولكن أين الركن الآخر في كينونته، فهو يهودي عربي أو عربي يهودي، لا فرق؟ لقد اسموه مزراحيم أي “شرقي”، دون أن يحددوا له انتماءاً في هذا الشرق الواسع، ولكنهم قرروا اسقاطه في فضاء أخر، هو في الغرب ليصبح يهوديا أوروبيا، رضي أم أبى.

هو لاجئ، ومع أنه يهودي مثلهم، الا أن المهجرين من “الشرق” أمثاله، يرمى بهم في الخيام وفي مواقع ابتكروا لها اسم “مدن تطوير” وهي لا ترى من التطوير سوى اسمها. أنها مواقع في الخلاء عند الحدود بعيدا عن العمران، حيث لا يتوفر من العمالةسوى العمالة اليدوية في الغالب، وحيث فرص التعليم محكومة بمناهج لا تهيء الطالب الا للاعمال اليدوية، وليس للارتقاء بعلمه. وبهذا فُرِضَ على من فيها “تمييزٌ” لم يفرض على غيرهم من المهاجرين، هو التخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، أي التحجر حيث هم منذ البداية، الا من ندر أمثاله.

فلسطين التاريخية قَدَرٌها ، وهي تمر بمرحلة جديدة في حياتها، أن يتلاقي فيها نتاجُ “الشرق” ممثلا بالفلسطينيين العرب، سكانها الاصليين في الداخل وفي الشتات، مسلمين ومسيحيين ويهود (السمرة في نابلس) ومهاجرين أو مهجرين يهود عرب من غير سكانها الاصليين ، ونتاجُ “الغرب” المتمثل بيهود أوروبيين هم الآن المسيطرون على مصيرها ومسيرتها. هل ستكون النتيجةُ صدامَ حضارات وثقافات من أجل سيطرة الأقوى واستئصال الأضعف كما هو حاصل الآن وكما توحي به قصيدة االيهودي العراقي العربي، أم ستكون تعايشا وتفاعلا وقبولا في تعددية وتنوعية تقبل الآخر ألذي هو الجميع؟

ومن هنا كانت المشكلةُ القضيةُ ذات الجناحين: مشكلة الهوية ومشكلة التمييز.

المشكلة

في أعماق المشكلة عنصريةٌ أوروبيةٌ مردها في الاساس أن الحركة الصهيونية قامت كحركة أوروبية في خلفياتها الثقافية والسياسية الكولونيالية، لمواجهة أوضاع اليهود المأزومة في أوروبا والغرب، بوجه خاص، من منطلقات أوروبية استشراقية وتلقت القبولَ والدعمَ الغربي، في سياسات التزمت بما تثمره تلك الخلفيات من محاولات استئصال للغير وتمييز ضده وانتهاك لحقوقه وتنكر لثقافته وقيمه الحضارية والعمل على طمسها.

يقول ايهود اين ـ جيل Ehud Ein – Gil وموشي ماشوفر Moshe Machover، تعريفا بأساس جانب من المشكلة، إنه في السنوات الاخيرة تم عرض العلاقة بين المزراحيم والصهيونية بطريقة مبسطة جدا من جانب المزراحيين الاسرائيليين المناهضين للصهيونية وأصحاب النظريات ، بما في ذلك وبشكل خاص من بعض اكاديميي علم الاجتماع وبعض اليساريين العرب. فقد إدعي بأن الصهيونية هي في الاساس حركة اشكنازية ، وبالتالي فإن المزراحيم في اسرائيل ليسوا فقط ممن يحملون نصيبا من الظلم الذي أوقعته الصهيونية بالفلسطينيين العرب، بل إنهم في الواقع ضحاياها مع الفلسطينيين العرب. وعلى هذا الاساس فإن الخط الرئيسي الفاصل في اسرائيل/فلسطين هو بين الصهيونيين الاشكنازيين المُضْطَهِدين للشرقيين وبين الشرقيين المضطَهَدين ، وهؤلاء يشملون اليهود المزراحيين والفلسطينيين العرب ([3]).

ويقولان غير أن هناك من يعترض على هذا التصنيف ويعتبره قائما على أسس طبقية لا نوعية، حيث أن الصهيونية تستبعد الفلسطينيين العرب على اساس أنهم “الآخرون” على الاطلاق، بعضهم قد يُحْتَمَل كمواطن من الدرجة الثانية ما داموا أقلية وديعة، ولكن كلهم مهددون بصورة دائمة بالتطهير العرقي في الوقت الذي تسنح فيه الفرصة، في حين أن المزراحيين في اسرائيل ، حتى المحرومين منهم، هم محظيون لكونهم أعضاء في الامة المضطَهِدة المسيطرة بالمقارنة مع الفلسطيني. وهذا هو منظق الاستعمار والاحتلال، كما يقولان .

ويعلق المؤلفان بالقول صحيح، من منظور ما، أن الصهيونية اشكنازية (اوروبية). فالمشروع الصهيوني ابتدأه الاشكنازيون ، وكانت قيادة الحركة الصهيونية في غالبيتها من الاشكنازيينن، بل ولمدة طويلة محصورة فيهم تقريبا.

وصحيح أيضا أن نظرة القادة الاشكنازيين للمزراحيين (اليهود الشرقيين) كانت تميل بوضوح الى كونها عنصرية واستغلالية ، وأنهم عوملوا على أساس انهم مجرد “مادة بشرية” او “غبار بشري” أو “عًلَفٌ استعماري” استعمل لملأ المناطق المحتلة حديثا بعد طرد [4] الفلسطينيين منها وخاصة بالقرب من خطوط هدنة عام 1949 في مدن صغيرة في زوايا بعيدة من البلاد ، سميت بأنها مدن تطوير، ليس فيها سوى قاعدة اقتصادية ضعيفة وموارد قليلة للنمو الحقيقي. وأحيانا تكون هذه “المدن” قريبة من تجمع تعاوني زراعي صناعي ، وحينئذ يُستخدم اليهود الشرقيون جنبا الى جنب مع العمال الفلسطينيين، ولكنهم لا يلتقون بأعضاء التجمع التعاوني . والنتيجة هي أن أعضاء التجمعات هذه يستغلون الظروف المعيشية الصعبة لليهود الشرقيين وضعفهم سياسيا، ويجد نساء هؤلاء أن عليهن أن يعملن خدما في منازل أعضاء هذه التجمعات.

ويقول ايمانيول فارجون اليهود الشرقيون، عربا أو غير عرب، عندما يحاولون الاندماج في الحياة الاقتصادية، فانهم يواجهون دائما يهوديا اشكنازيا يحتقرهم ويتآمر عليهم ، ولكنهم مضطرون للاعتماد عليه في معيشتهم. وفي معظم الحالات يكون عدوُهم الطبقيُّ المباشر ، رئيسُهم، بيروقراطيا من حزب العمل أو الهستدروت (اتحاد العمال). وعلى هؤلاء الاشكنازيين يعتمدون في معيشتهم وسكنهم ومصالحهم الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم. وبسبب سيطرة الاشكنازيين فإن الفرص تكون ضيقة، إن لم تكن مستحيلة، أمام اليهودي الشرقي، بمن فيهم العربي، للتحرك الى الاعلى في السلم الاقتصادي والاجتماعي، في الوطائف الحكومية، بما في ذلك الجيش، وميدان العمل في التعليم. عدداليهود الشرقيين في الجامعات قليل، وعلى أية حال فإن التعليم الابتدائي والثانوي المتاح لهم مبرمج في مناهجه للعمل الحرفي وليس تمهيدا للدراسة الجامعية. والنقص في الدراسة الجامعية يستعمل حائلا دون الوظائف الادارية. ولذا فإن الاغلبية الساحقة من اليد العاملة اليهودية، لا سيما في الاعمال اليدوية غير الادارية هي من اليهود الشرقيين، وهم في هذا المجال اليد العاملة الوحيدة في مؤسسات الدولة ومشاريعها، باستثناء العمالة في البناء. صحيح أن المرتبات والأجور منخفضة، ولكن العمل مضمون الى حد كبير، وظروف العمل جيدة، ويترتب عليها بعض الفوائد الجانبية. ومع أن وضعهم أحسن من وضع العمال العرب، الا انه أدنى من وضع الاشكنازيين الذين يحتلون معظم المراكزالادارية والمهنية.

صحيح أن قلائل وصلوا الى مراكز عالية في الجيش وواحد منهم كا ن رئيسا للكنست. ولكن هذه نسبة ضئيلة لايعتد بها ولم يصبح أحد منهم مرشحا أو رئيسا للحكومة.

وتقول أيلا حبيبة شحوط “اليهود السفارديم جيء بهم بداية الى اسرائيل لأسباب أوروبية صهيونية محضة، وبعد وجودهم هناك جرى التمييز ضدهم بشكل منتظم من جانب صهيونية استعملت كل طاقاتها ومصادرها المادية على وجه مختلف لفائدة اليهود الاوروبيين بشكل دائم وبشكل دائم للاضرار باليهود الشرقيين”.[5]

ردود الفعل

أولا: الاحتجاجات

بدأت الاحتجاجات على الاوضاع السيئة في وقت مبكر. فكانت الاولى في مخيم عين شمر لللاجئين اليمنيين في 14 فبراير/ شباط 1950 ثم انتشر التمرد الى مخيمات أخرى واستمرت الانتفاضات بشكل متقطع حتى نهاية مايو ووصلت الى درجة الثورة الى أن قمعتها قوات كبيرة من الشرطة . وفي 18 ابريل قتل أحد حراس المخيمات مهاجرا يمنيا وفي 25 اكتوبر 1952 وقغ تمرد كبير في مخيم وادي الحوارث، وفتشت الشرطة البيوت بيتا بيتا واعتقلت 150 واحتجزت 39 منهم أغلبهم من اليمنيين والباقون عراقيون وايرانيون ([6]) ثم كانت حركة الفهود السود عام 1971 ، وبعد ذلك يبدو أن التحركات الجماهيرية قد توقفت.

ويرى الاستاذان يهودا شنهافا و هنان هيفير بأن الاحتجاجات السابقة للتسعينات من القرن الماضي وما جرى من حوار كانت محصورة تقريبا في قضايا عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية وبقيت ملتزمة بالقضية الصهيونية، ولم يظهر الى العلن حوار مزراحي أوسع حتى حلول التسعينات، وهذا الحوار ضم مشاركة أكبر من جانب الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين اليهود العرب الذين شرعوا في تهديد نموذج الهوية الاسرائيلية السائدة. فأسسوا منظمات وحركات سياسية ومجلات دورية وكلها طالبت بتغييرات رئيسية في ميادين عمل ثلاثة متكاملة: الثقافة والسياسة والعدالة الاجتماعية، وبهذا فقد زرعت هذه النشاطات بذور تطور أوسع .

ثانيا. الاكاديميون يتحركون [7]

مع بدايات التسعينات من القرن الماضي بدأ تحرك نشط من جانب الاكاديميين اليهود العرب في اسرائيل في مواجهة الأوضاع المؤسسية التي تتنكر للهوية العربية لليهود العرب والتي كانت بداياتها في تصنيفهم بأنهم مزراحيون أي مجرد شرقيين، وبهذا يقتلعونهم من حيث جذورهم وأصولهم وقيمهم وثقافتهم وحضارتهم ويرفضون الاعتراف بهويتهم المتداخلة المتكاملة ، اليهودية العربية.

وهي في هذا تتجاوب مع شباب جماعتها الذين بدأوا ينالون قسطا من التعليم ويشعرون بالظلم والتمييز الذي يَنصَبُّ عليهم لا لسبب الا لأنهم يهود عرب، متخلفون بالطبيعة.

ويرى بعض المعلقين بأن الطبقة الفقيرة ما زالت لم تتحرك لدعم هؤلاء الاكاديميين، فإننا نرى أن إن ذلك أمر طبيعي، والى حين، في الأجواء التي فرضت عليها.

.بعض هؤلاء الاكاديميين هاجروا الى الولايات المتحدة أو أوروبا حيث يحتلون مواقع اكاديمية في جامعاتها ويواصلون نضالهم من أجل الهوية العربية لمجموع اليهود العرب الذين هاجروا الى اسرائيل، وأصبحوا هم “الآخر”، كما وصفتهم اليهودية العربية العراقية المناضلة إيلا حبيبة شحوط ، تمثلا بمقولة المرحوم ادوارد سعيد، بأن الفلسطينيين هم “الآخر” في القاموس الصهيوني.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق الى أن هؤلاء الأكاديميين في مواقفهم يؤدون أمانة الشهادة عن أوطانهم الاصلية ، عن التعددية التي سادت سواء في التبعية الدينية أو الاصول القومية أو اللغات أو التراث الحضاري، هذه التعددية التي عاشت لقرون عديدة في أجواء تميزت في معظم الاوقات بالتعايش السلمي والتسامح والتكاتف وبناء تراث حضاري مشترك توارثته الاجيال في تعدديتها.

ومن بين هؤلاء الاكاديميين النشطين “أيلَّا حبيبة شحوط ” Ella Habiba Shohat المناهضة بقوة للصهيونية والتي تتمسك بأن تصنف نفسها على أنها عربية يهودية أو يهودية عربية[8]، وهي استاذة في جامعات امريكية، ودانيل شاشا Daniel Shasha مدير مركز التراث السفارديميDirector of The Centre for Sephardic Heritage و جوردان الغرابلي Jordan Elgrablyمدير مركز الثقافات المشرقية Director of the Levantine Cultural Centre إميل القلالي Ammiel Alcalayرائد الحركة والاستاذ الجامعي الذي ابتدأ عام 1990 التأكيد على أهمية هويته المزدوجة العربية واليهودية وتبعه في ذلك الآخرون وأندره أوكولاج Andre Acoulagاليهودي المغربي المستشار للملك محمد السادس الذي يصنف نفسه على أنه يهودي عربي.

ثالثا ـ الهوية : يهودي ـ عربي أو عربي ـ يهودي أو يهودي عربي

الشرطةُ هذه، بين الهويتين وبدونها، محلُّ بحثٍ وتحليل وتفكيك وتركيب عند الباحثين في اسرائيل مع عودة الاصطلاح نفسه للاستعمال في أوائل التسعينات بعد غيابه منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي، حاملا معه، في نظر البعض على المستوى السياسي، دلالات ونتائج، ليس أقلها فشل ما بذل من محاولات لفرض الهوية الاوروبية الصهيونية على مجتمع اليهود العرب او اليهود الشرقيين وطمس ما عداها من هويات. وقد كرس استاذان يهوديان عربيان جامعيان هما يهودا شانهافاYehuda Shanhava و هنان هيفر Hannan Hever، من بين آخرين، بحثا طويلا لموضوع التفكيك والتحليل هذا نظرا لما رافق الموضوع من اهتمام اكاديمي وسياسي. المؤلف الاول استاذ في قسم الدراسات السوسلوجية والانثروبولوجية بجامعة تل أبيب والثاني في قسم الادب العبري بالجامعة العبرية في القدس، ثم في جامعة ييل الامريكية ونشراه على الشبكة العنكبوتية وفي مجلة الهويات الاجتماعية بتاريخ يناير 2012 ([9]).

إن استعمال هذه االشرطة شائع في الولايات المتحدة واوروبا لابراز هويتين يحرص المرء على الاشعار بانتمائه لهما، فيعرف الانسان نفسه بأنه افريقي ـ أمريكي مثلا أو أمريكي ـ افريقي ،أو يهودي ـ أمريكي أو أمريكي ـ يهودي، أو الماني ـ يهودي، ولا أحد يستهجن ذلك، وعلى وجه التحديد لا أحد في اسرائيل يستهجنه أو يعترض عليه. أما أن يصف نفسه بأنه يهودي ـ عربي أو عربي ـ يهودي، فإن ذلك مستهجن ومرفوض، خاصة في أسرائيل والولايات المتحدة.

ويقول المؤلفان عندما تطرح صورة التضاد المنفصل للعربي واليهودي الشرقيين فإن صورة أخرى تظهر، وهي أن هذا التضاد الذي يحول دون الجمع بين الاثنين في هوية هي “يهودي ـ عربي” انما هو تضاد طارئ جاء من الفكر الغربي العنصري الاستعماري الاستشراقي، ولكن وراء هذه الصورة تبرز في الذاكرة أجيال وعصور كان يسودها الوئام والتعايش والاندماج في ثقافة هي نتاج المجتمع بكامل العناصر المكونة له، وتراث مشترك يغلب عليه التفاهم لا التناقض. ويعني المؤلفان أن العروبة تعترف بالتعدد الديني ، بل والعرقي كذلك، في اطار المجتمع الواحد، وأن العرب لا يعتبرون اليهود الشرقيين أعداءاً حيث أنهم لم يشاركوا في المشروع الصهيوني لا تفكيرا ولا تخطيطا ولا تنفيذا، بل كانوا في معظمهم من ضحاياه، حين اقتلعهم من وطن الاجداد، لغة وتراثا وتاريخا، الى مجتمع اوروبي يريد أن يفرض عليهم تراثه ولغته وتقاليده وأن يمسح الماضي كله من الذاكرة.

.ويقول المؤلفان إن عملية الفصل بين السكان العرب في فلسطين واليهود العرب في المدينة الواحدة كان هدفها منع التواصل بين الاثنين للحيلولة دون وجود تأثير عربي مباشر على المهاجرين ، ولكن ذلك يدل من ناحية أخرى على عمق وجودي تخشى المؤسسة الصهيونية ايقاظه ([10]). ويقول المؤلفان إن استبدال عبارة “يهودي عربي” بعبارة “مزراحيم ” التي تعني “الشرقي” هواستعمال أوروبي الهدف منه القضاء على الايحاء بعلاقة في الهوية بين اليهود والعرب، ولكنها تحمل في طياتها التساؤلات التي تعيد الانسان الى الأصل، حيث أن “الشرقي” لا تدل لا على يهودية ولا على عربية. وهذه الكلمة “مزراحيم” التي حذفت منها الشحطة تُذَكِّرُ، في الوقت الذي تلغي فيه أجيالا سابقة ( ممن عرفوا أنفسهم وعاشوا كيهود عرب) الا أنها في نفس اللحظة تُذكر بالخطاب الاوروبي الاستعماري وبالعبارات المعادية للسامية والعداء السياسي للعرب والمسلمين، واليقظة في المشروع الصهيوني لليقظة اليهودية. وكلما جرت محاولة استبعاد الشحطة هذه أو شطبها أو مسحها لأسباب سياسية فإن ذلك يوقظ الذاكرة. والذاكرة التي يوقظها هي ذاكرة ما كان عليه العيش المشترك في الوطن العربي من جهة وفي أوروبا من جهة أخرى. ومعظم المراجع عادت بالذاكرة الى تاريخ اليهود في الوطن العربي ، حيث أن هويتهم هم هي التي تحت المحك.

وفي هذا السياق عاد البعض الى التاريخ الحديث نسبيا المتمثل في القرن الماضي، بينما عاد البعض الآخر الىى ما هو أعمق. أما ما هو معاصر نسبيا فإنه يتمثل بأوضاع اليهود في الوطن العربي كما كشف عنها المبعوثون الصهيونيون الذين جاؤوا الى الاقطار العربية للتعرف على أحوالهم ومدى استعدادهم لتهجيرهم الى فلسطين تنفيذا للاديولوجية الصهيونية التي أشاعت أن اليهود في العالم هم شعب واحد له أثنية واحدة.

وبداية يعيد المؤلفان ما ذكره باحثون آخرون من أنه في الفترة ما بين 1920 و 1950 ، فإن الاصطلاح “العرب اليهود” قد تمتع بفترة من الانتشار والاستعمال من قبل اليهود وغير اليهود في الصحافة العربية، كما أن هذا الاصطلاح قد استعمل من قبل يهود مرموقين في بعض الاقطار العربية لاغراض سياسية للتعبير عن الدعم للقضية الفلسطينية في فلسطين، كما أن العديدين من المثقفين والكتاب والشعراء اليهود في االوطن العربي قد نشروا مؤلفاتهم بالعربية وساهموا في الثقافة العربية.، وبهذا فانهم تجاوزوا الحدود الفاصلة بين التصنيفين للهوية.

ومن أغنى الأجواء التي جرى فيها هذا الاختبار للهويتين كان العراق حيث لم يَرَ المفكرون اليهود تناقضا بين ديانتهم اليهودية وثقافتهم العربية، وكانوا دعاة للازدواجية الدينية والقومية على قاعدة “الدين لله والوطن للجميع”، وكما قال الكاتب اليهودي العراقي عزرا حداد “إننا عرب قبل أن نكون يهودا”. أو كما قال المؤلف الاسرائيلي سامي مشيل المولود في بغداد “لقد نظرنا الى أنفسنا على أننا عرب من سلالة يهودية ، كما أن هناك مسيحيين عربا، فقد كنا يهودا عربا”. يضاف الى ذلك أن المؤرخين العرب لم يشيروا في كثير من الاحيان الى يهودية أو ديانة من يؤرخون لهم كأمر مميز أو غير عادي وعاملوهم كعرب كأمر مفترض. وهذا ما أقلق المبعوثين الصهيونيين الذين زاروا العراق في أوائل الاربعينات من القرن الماضي ، حيث صنفوا اليهود الذين اجتمعوا بهم بأنهم “يهود عرب” ولكنهم مختلفون عن أولئك الذين يلتقون بهم في العادة في المجتمعات الاوروبية. “إنهم يحملون ثقافة عربية تتنافى مع بديهيات الاديولوجية الصهيونية بشكل كامل”، كما ورد في تقارير هؤلاء. ومع ذلك فقد حرصوا على تهجيرهم لحاجتهم ليد يهودية عاملة تحل محل الايدي الفلسطينية التي كان المخطط الصهيوني يقتضي التخلص منها.

وإذن فإن التاريخ الحديث نسبيا يشير الى أنه لا تعارض بين الهويتين بالنسبة لليهود العرب، الهوية الدينية اليهودية ، والهوية القومية العربية. غير أن هذا الموقف من جانب المثقفين والناشطين الذين يتبنونه يتحدى النظام القائم في اسرائيل، ويتحدى، على وجه الخصوص، الاديولوجية الصهيونية الاوروبية الاستعمارية والقيم التي يعمل الاشكنازيون المسيطرون فرضَها على المجتمع الاسرائيلي.، كما أن قبول الاشكنازيين لهذا الموقف قد يؤدي الى فرض حل للصراع العربي الاسرائيلي يقوم على أساس الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهو حل يرى اسرائيليون أنه كابوس أو انتحار قومي، في حين يراه آخرون بأنه هوالحل الذي يمكن أن يقود الى التعايش السلمي المثمر بين العرب واليهود .

وبناءًاً على ذلك فقد توصل هذان الباحثان الى أن عبارة “يهودي عربي” هي في الغالب خطاب متقابل يجب الحفاظ عليه، وقد جرى فعلا الحفاظ عليه لفترة زمنية واسعة جدا ، لذا وفي هذه الحدود، فإن أية محاولة لمحوه أو لرفض علاقته بسياسات الهوية تعيد إدراجه مجددا الى لغة الخطاب، ومع ذلك فإن عملية الرفض في حد ذاتها لها نفس الأثر. إنها تعيد التأكيد على وجوده وليس الغاءه.

وأخيرا لابد من القول بأن واقع الحال في اسرائيل هو أن مصطلح “يهود عرب” وما يحمله من احتمالات ما زال يجلب ردود فعل غاضبة، إن لم تكن عنيفة، من -جانب اليهود الآخرين في اسرائيل وخارجها، كما أن بعض الأكاديميين من اليهود العرب في اسرائيل يدعون بأنه، في الحقيقة، لا وجود لمصطلح كهذا.

وتقول إيلا حبيبة شوحط ” إنه من السهولة بمكان التأكيد على أن “ثمن قبول” المزراحي في المجتمع الاسرائيلي كان أن يتعلم أن يكره العرب وعلى العرب أن يبسطوا تواريخهم المعقدة في التراثات العربية”. وتشير شوحط الى أن كره العرب أصبح، يا للسخرية، جزءاً من العينة المزراحية السلبية كما يُعَرِّفها اليساريون الاسرائيليون “المتنورون” ، بما في ذلك أولئك الذين هم أعضاء في حركة السلام الآن, وتقول “يبدو السفارديم عندما لا يتجاهلهم اليسار، فقط على أنهم كبش الفداء لكل ما هو خطأ في اسرائيل . إنهم “هم ” الذين يحولون اسرائيل الى دولة يمينية وضد الديموقراطية. “هم” الذين يؤيدون الاحتلال ، “هم” العقبة في طريق السلام. ثم يشيع اليساريون الاسرائيليون هذا التحيز ضدهم في المؤتمرات الدولية والمحاضرات والمنشورات”[11]

هوية تُنْشئُ حَقَّاٍ وأخرى مغتصبة

أضافت الابحاث العلمية الحديثة تحديا للأساس الذي قامت عليه الاديولوجية الصهيونية في حد ذاتها وللسرد التاريخي الذي اصطنعته، ومؤداه أن اليهود الاوروبيين ليسوا من سلالة اليهود الذين زُعِمَ أن الرومان قد طردوهم من فلسطين، وكذلك الحال بالنسبة لمعظم يهود الاقطار العربية، وبالتالي فإنهم لا يستطيعون الاستناد الى حق مزعوم هو حق العودة، مهما كان مفهومه. ولكن هناك فرق بين اليهود الاوروبيين (الاشكناز) واليهود العرب (المزراحيين)، وهذا الفرق هو أن عروبة هؤلاء تعطيهم حقوقا في وطنهم الاكبر كما أن من بينهم من لا يستبعد أن يكون من سلالة اليهود الذين بقوا في العراق ولم يعودوا مع من عاد من السبي الى فلسطين. أما بالنسبة للاشكناز الاوروبيين فإنهم من سلالة أجداد تهودواعلى يد مبشرين يهود وليسوا من سلالة يهود فلسطين كما زعمت الدعاية الصهيونية والقراءة المزورة للتاريخ.

لقد أثبت المؤرخون الاسرائيليون أنفسهم وفي طليعتهم المؤرخ شلومو ساند في كتاب صدر له أولا باللغة العبرية في اسرائيل ولاقى رواجا عظيما هناك بعنوان “متى وكيف تم اختراع الشعب اليهودي”، ثم ترجم للغة الانكليزية عام 2009 بعنوان “اختراع الشعب اليهودي” The Invention of the Jewish People: وتقع الترجمة الانكليزية في 344 صفحة. والنتيجة التي توصل اليها هي أن ما يجري تداوله من طردٍ وتشريدً لليهود من فلسطين على أيدي الرومان لا صحة له من الناحية التاريخية، وأنه لم يقع إطلاقا، وأن غالبية يهود فلسطن بقوا فيها ولم يرحلوا، ومع الزمن اعتنق الكثيرون منهم المسيحية ثم الاسلام وبقي آخرون على اليهودية (ومنهم السمرة في مدينة نابلس).

هذا الجانب من الابحاث، ومؤداه أن الادعاء بأن يهود العالم هم من سلالة أولئك الذين زُعِموا بأنهم طردوا وأنهم يعودون الى أرض الاجداد لا سند له من التاريخ. ويبقى السؤال قائما إذن : من أين جاء هؤلاء ؟ والجواب، كما حققه المؤلف وآخرون، هو أن أجداد هؤلاء قد اعتنقوا اليهودية في بلدانهم على أيدي دعاة يهود، تماما كما اعتنق كثيرون المسيحية والاسلام على أيدي دعاة أو مبشرين. ومن قراءته للتاريخ وللنصوص اليهودية، توصل المؤلف الى الرأي القاطع الذي لم يتحداه فيه حتى رجال الدين اليهود، وهو أن اليهودية، على خلاف ما يشاع، كانت، كالمسيحية والاسلام، ديانة لها دعاتها والمبشرون بها في بقاع مختلفة من العالم، وعلى أيديهم تم اعتناق اليهودية من جانب أناس خارج فلسطين ولا علاقة لهم بها أو بمن كان فيها. ومن بين من اعتنق اليهودية على ايدي مبشرين قبائل في شمال افريقيا والبلاد العربية ألاخرى. وحدث نفس الشيء في أوروبا وافريقيا وأسيا.

وهؤلاء الذين اعتنقوا اليهودية هم السكان الاصليون في بلادهم وليس لهم أي ارتباط باسرائيليي العهد القديم، أو بفلسطين، ولم يتسلسلوا منهم، وبالتالي فإنهم كمن يعتنقون أية ديانة فإن ذلك لا يرتب لهم حقوقا سياسية أو أية حقوق أخرى في البلد الذي انطلقت منه الديانة التي اعتنقوها.

ويؤيد المؤلف موقفه هذا بالاشارة الى قبائل عربية في الجزيرة وقبائل في شمال افريقيا اعتنقت اليهودية ، وكذا الحال بالنسبة لاوربا، وخاصة في مملكة الخزر في اوروبا الشرقية التي انطلقت منها الحركة الصهيونية، التي خصص لها شخصية صهيونية مرموقة هو أرثر كويستلر Arthur Koestler في كتابه “القبيلة الثالثة عشرة” The Thirteenth Tribe، مع أنه حذر من امكانية “أن يساء فهم كتابه بأن يعتبر رفضا لحق اسرائيل في الوجود”. ويقول ساند انه منذ أن ظهرت أول اشارة لمملكة الخزر في أوائل الخمسينات وحتى اليوم فان الاشارة اليها في اسرائيل من قبل الاكاديميين أورجال الدين أوالساسة أصبحت من المحرمات المسكوت عنها ولم تظهر باللغة العبرية أية دراسات جادة حول الموضوع. ويقول المؤلف إن بن غوريون كان يعلم هذه الوقائع ومع ذلك فقد واصل تنفيذ مخططاته.

ومما يذكر أن المرحوم أحمد الشقيري (أبو مازن) المؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية كان يشير في خطاباته في الامم المتحدة الى الاصل الخزري لليهود المؤسسين للصهيونية ولاسرائيل ، داحضا بذلك الادعاء بحق العودة ،ومدركا لخطورة هذه المعلومات على الشرعية المزعومة لاسرائيل وللمناورات المتعمدة لطمس التاريخ وتضليل حتى اليهود أنفسهم عن تاريخهم.

هذا الوضع يفسر مواصلة اسرائيل في المطالبة باعتراف من الشعب الفلسطيني والانظمة العربية بحقها في الوجود، ومؤسسوها يعلمون أن ما يدعونه من حق تاريخي لا سند له. ولكن هذه هي الصهيونية.

رابعا: التفاعل مع فلسطينيي الداخل

يقول إيهود اين جل وموشي ماشوفر في مقالهما سالف الذكر إنه في جميع الاحتجاجات الاجتماعية من جانب المزراحيين (اليهود العرب) لم يكن هناك أية محاولة ، أو القليل منها فقط، للارتباط مع نضال مواطني اسرائيل العرب الفلسطينيين من أجل المساواة الاجتماعية، والاستثناء الجزئي الوحيد كان في حركة الفهود السود في اسرائيل عام 1971 التي رفعت شعار الاحتجاج “من أجل جميع المستضعفين” ، وهو شعار يشمل الفئتين. ويقول المؤلفان إنه يغلب على الظن أن يكون هذا الشعار قد رفع تحت تأثير حركة الاشتراكيين في اسرائيل التي تتبنى موقفا مناهضا للصهيونية، ويبدو لي أنهما ينتميان اليها ([12]).

والغريب في الامر، في رأيهما، أن اليمين الاسرائيلي والحركات الدينية قد حظيا بتأييد الكثيرين من المهاجرين اليهود العرب ، بدلا من أن يتوجه الدعم لاحزاب اليسار. ووجه آخر للغرابة في نظرنا يبدو من أن اليمين الاسرائيلي والاحزاب الدينية هما أشد الاحزاب والحركات عداوة وكرها للشعب العربي الفلسطيني وهضما لحقوقه، وكان من المتوقع أن يحجم اليهود العرب عن تأييدهما أو على الأقل أن يطالبوا بتغيير موقفهما. ولكن دواعي الغرابة هذه تتضاءل في قيمتها لسببين على الأقل. أولهما أن اليسار الاسرائيلي، كما كان ممثلا في حزب العمل الذي كان مسيطرا على المؤسسة الصهيونية ومؤسسات الدولة، كان عنصريا في سياساته وممارساته حيال هؤلاء منذ لحظة وصولهم الى”أرض الميعاد”. والسبب الثاني هو ما يعانون منه من فقر يدفعهم للبحث عن مخرج من دون اصطدام مع الاشكنازيين الذين يسيطرون على مرافق الدولة كلها وعلى مصادر رزقهم. ونحن في هذا نؤيد ما ذهب اليه عزمي بشارة من أن قرار دعم الاحزاب الدينية واليمين الاسرائيلي لم يكن قرارا طبقيا.

يقول عزمي بشارة: “بعد الانبهار باديولوجيا الليكود ، لم يأت التعبير طبقيا، بل من خلال أحزاب دينية يمينية. وهذه لا تبغي ولا تطرح عدالة اجتماعية، بقدر ما ترغب في هبات من الدولة بواسطة هذه الحركات عبر الوزارات التي سوف تسيطر عليها أو بواسطة مؤسساتها لتقوية نفوذها السياسي في أوساط اليهود الشرقيين” ([13]) .

ويقول اYochanan Peres يوشنان بيريز من جامعة تل ابيب إن الدراسات التي تمت في اسرائيل في الفترة ما بين 1966 الى 1968 قد دلت على أنه في الوقت الذي فيه تحيز كبير من جانب اليهود الاوروبيين ضد اليهود غير الاوروبيين، فإن اليهود غير الاوروبيين نظرتهم في الغالب ايجابية تجاه اليهود الاوروبيين. ويقول إن تحيز اليهود الشرقيين وعداوتهم للعرب (والتي قد وجدت على أنها أشد من تلك التي ضد اليهود الاوروبيين ) تبدو وكأنها تعبير عن رغبتهم في أن يُقبلوا قبولا كاملا في المجتمع الاسرائيلي” ([14]) .

هذه دراسة قديمة، جاء بعدها حركة الفهود السود عام 1971، ثم تحرك الاكاديميين اليهود العرب في المياه التي كانت تبدو راكدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تخالف الواقع المشاهد من تمييز يعانون منه منذ وصولهم الى “أرض الميعاد”. وما أسهل على دراسات اسرائيلية أن تقول ما تتمناه وليس الواقع.

و”التحيز” الذي أشار اليه، هل يعقل أن ينحاز المضطَهَد الى مضطهِدِه ضد مضطَهَدٍ آخر من مضطَهِديه أنفسهم؟ التحيز،إن وجد، في هذه الحالة فهو ظاهرة من ظواهر التبعية التي يعاني منها اليهود غير الاوروبيين، هذه التبعية التي أشار اليها عزمي بشارة في مقاله سالف الذكر، حيث نقل رأيا للمفكر الاسرائياي سفيرسكي تعقيبا على السياسة الاشكنازية “التي طبقت تطبيقا يكاد يكون ميكانيكيا لمفهوم التبعية على العلاقة بين الطبقة الاشكنازية المالكة لوسائل الانتاج كمركز وبين هامش تابع له هو فقراء اليهود الشرقيين كأجراء، كما نجد هنا رؤية لتطور اليهود الشرقيين كتطور تابع لأنه هامش لنواة اشكنازية أو كمحيط لمركز رأسمالي اشكنازي متطور على حساب اليهود الشرقيين كأنهم هم ألمستعمَر.”

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التمردات التي وقعت بعد التاريخ الذي اعتمده الاستاذ بيريز للوصول الى استنتاجاته وعودة الروح في الجيلين الثاني والثالث لليهود العرب، تشير كلها الى عدم الرضا عن الاوضاع الحالية داخل اسرائيل والتي تتميز بالسيطرة الاشكنازية على مؤسسات وسياسات الدولة، وهي أوضاع مرفوضة من جانب اليهود العرب والعرب الفلسطينيين على حد سواء. وفي هذا يلتقي الفلسطينيون العرب واليهود العرب، كلاهما مضطهَد من المؤسسة الاشكنازية الاوروبية المسيطرة.

والظاهر أن تردد البعض في إعلان الانتماء العربي كجزء من الهوية ما زال قائما، حيث يبدو أن “معظم اليهود المزراحيين الذين يعيشون الآن في اسرائيل لا يُعَرِّفون أنفسهم بأنهم “عرب يهود” ويرفضون أن يُدمغوا بذلك، ومع هذا فقد لوحظ أنه، في أوساط جماعات هي محط النظر، هناك موقف واضح من أنه اذا تثبتت له الجنسية الاسرائيلية فإنه يعتبر هويته العربية ميزة. ووفقا لنظريات بعض الباحثين فإنه يجب أن ينظر الى هذا الموقف على أنه احتمال ايجابي يفتح خيارا للتعايش المشترك سياسيا في المنطقة. ([15]) هذا الموقف من اعلان الهوية يؤكد التخوف المضمر من التهديد المعروف من أن ذلك الاعلان سيؤدي الى الطرد من البلاد، وأن الخطر يكون أقل بعد اكتساب الجنسية.

وقد سبقت الاشارة الى الاكاديمي يهودا شنهافا ، ونقدمه كمثال لنشاط يهودي عربي لفتح مجالات تقارب بين فلسطينيي الداخل واليهود العرب. هذا الاكاديمي من مواليد بئر السبع عام 1952 وهو من أصل عراقي. قام هو ومجموعة من اللاجئين اليهود من الاقطار العربية عام 1996 بتأسيس حركة عرفت نفسها بأنها حركة من خارج البرلمان تعمل على تحدي البنية الاثنية للمجتمع الاسرائيلي، وترجمة اسمها الى العربية هو “تحالف قوس قزح المزراحي الديموقراطي” Mizrahi Democratic Rainbow Coalition . وهو من رواد حركة الاعتراف بثنائية الهوية اليهودية العربية بالنسبة لمن هم كذلك ومن دعاة رفع الظلم الواقع على الفلسطينيين في اسرائيل. ومن أول نشاطاته في هذا الخصوص مقال نشره عام 1996 في صحيفة هاآرتس بعنوان “رابطة الصمت” The Bond of Silence وعنى به موقف الاجيال المتعاقبة من اليسار الاسرائبلي “ملح الارض” الذي توارث الظلم الواقع على الفلسطينيين في اسرائيل والصمت حيال “المشكلة المزراحية”.

ومما قال فيه إن استنكار الظلم الواقع على الفلسطينيين لا يعرض للخطر مكانة مفكرينا الاشكنازيين، ولا يعرض للخطر موقعهم كمجموعة ثقافية مسيطرة في المجتمع الاسرائيلي أو وضعهم كطبقة اقتصادية، بل إن استنكارهم للظلم الواقع على الفلسطينيين سيكسب لهم أكاليلا من الإنىسانية وأدوارا محترمة كباحثين عن السلام وكذابحي البقرة المقدسة. ومع ذلك فإنهم يصنفون الفلسطيني كَ “الآخر” الذي يمكن ابقاؤه على الجانب الآخر من السياج. إلا أن المزراحيين اليهود “لا يمكن تحويلهم الى”أخر” ولا يمكن إلقاؤهم خارج السياج ، ولكن، في أقوى الحالات، يمكن بناء طرق التفافية لتجنب مدن التطوير والاحياء الفقيرة. إن الاعتراف بالظلم الواقع على المزراحيين سيفرض على اليسار الاسرائيلي اصلاح نفسه كذلك والتخلي عن واقعه السيادي .

ومما قاله في ذلك المقال ” إنه في الوقت الذي يملك فيه اليهود الحق لتقرير مصيرهم الجماعي في اسرائيل، فإن على الدولة أيضا أن تتوصل الى اتفاق مع المواطنين الفلسطينيين حول تمثيلهم الجماعي كأقلية عرقية داخلها”.([16])

خامسا: مجال للعمل المشترك

الباحثة والناشطة في ميدان حقوق الانسان (يفات بتون) Yifat Bitton نشرت مقالا في مجلة الدراسات الشرقية تقترح فيه تعاونا مشتركا بين الفلسطينيين العرب في اسرائيل واليهود العرب أساسه المطالبة بالعدالة ضد التمييز الذي يعاني منه الجانبان.، عنوانه “الحلم وبناؤه: التعاون المزراحي العربي لمقاومة التمييز ([17]).

منطلق البحث هوأن الانشغال بالعلاقات الثنائية العربية اليهودية يحول الانظار عن تمييز آخر وهو التمييز داخل المجتمع اليهودي بين المزراحي والاشكنازي، وترى الكاتبة أن الجماعة المزراحية، اليهود العرب، لديها أكبر الامكانيات لتوليد حلقة “يهودية ـ عربية” ذات معنى تسمح باقامة عدل بين اليهود والعرب في اسرائيل بشكل مساواة في الحقوق المدنية ، وخارج اسرائيل بشكل سلام بين الأمتين، العربية واليهودية، وذلك بالاستدعاء المشترك لمبدأ المساواة أمام القانون، حيث أن هذا المبدأ هو الوسيلة القانونية الاساسية للوصول الى العدل الاجتماعي بين جماعات مختلفة من السكان.

وتقول المؤلفة إن العرب في اسرائيل قد نجحوا الى حد ما في الحصول على منع التمييز ضدهم على أساس أنه تمييز قائم على القومية، والنظام القانوني الاسرائيلي ، في رأيها، يحظر التمييز على هذا الاساس، ولكنهم معرضون دائما لأن ينظر الى دعاواهم أمام القضاء على أنها سياسية، كما هو الحال بالنسبة للغة العربية، بالرغم من النص على أنها لغة رسمية، والحال كذلك بالنسبة لبدو النقب ومقاومتهم للمشروع براور.

هذا بالنسبة للفلسطينيين. أما التمييز ضد اليهود العرب (المزراحيين) فهو قائم على اساس الاثنية، وهذا النوع من التمييز لم يرد حظره في النظام القانوني الاسرائيلي،.على خلاف ما هو معمول به في جميع الديموقراطيات، وهذا ما يجعل من الصعب على المزراحيين الحصول على حقوقهم ضد التمييز باللجوء الى القضاء، حيث أنه ينظر الى طلباتهم على أنها سياسية أو تخريبية، وفشلت المحاكم في الاعتراف بالاوضاع المتميزة للمزراحيين كمجموعة اجتماعية تعاني من التمييز في اسرائيل، وفي القضية الوحيدة التي حكمت فيها المحكمة لصالح مزراحي بناء على التمييز كان في ميدان العمل فقط دون تعميم..

بناء على ما تقدم فإن العرب في اسرائيل والمزراحيين في موقف متماثل: مكسب من جهة واحتمالات كارثية من ناحية أخرى، ولكن بتوحيد قواهما فانهما يستطيعان استبعاد الصعوبة والقيام بنضال من أجل المساواة يكون من حيث النتائج في صالح الطرفين.

وتمضي الكاتبة الى القول إن دراسة لطرق التمييز ضد المزراحيين والعرب في اسرائيل تكشف عن أن التمييز يقع على مستويين: مكشوف ومغطى.، بمعنى أن انحيازات تقليدية وعنصرية ضد المجموعتين تتحرك وتكون هي الاساس لهذا التمييز. والتعرف عل هذا الاساس يجعل بالامكان القيام بنضال مشترك ضد التمييز الذي يعاني منه الطرفان ويكون أشد تأثيرا. الجواب ببساطة هو “العروبة”، ليس بمعناها القومي وإنما بمعناها الثقافي، الثقافة الشرق أوسطية ، العربية، التي تهدد ، في اسرائيل، سيطرة الثقافة الاوروبية التي ينظر اليها على أنها متنورة ومرغوبة واساسية لتقدم التحرر وتقويته، في حين أن الثقافة العربية تبدو ، في نظر الغرب ، ثقافة أدنى، بربرية وخطرة على التقدم البشري .

وفي هذا الشأن تشير الكاتبة الى رأيين، الرأي الاول للمرحوم ادوارد سعيد الذي وصف هذا التمييز على انه تعبير عن الاستعمار الاسرائيلي اليهودي ضد الفلسطينيين العرب، وبهذا المعنى فإنه يحصر التمييز ضد العرب في اسرائيل في اطار النزاع القومي، والرأي الثاني هو لِ “إيلا شوحطت”، الناشطة العراقية الاصل اليهودية العربية الاسرائيلية، كما تصف نفسها أحيانا، حيث تصف المزراحيين على أنهم المقلقون للاستشراقية والمركزة الاوروبية التي تعبر عنها الصهيونية، وبهذا فإنها تعيد التأكيد على المحيط الثقافي العربي للتمييز. إنها ترى أن اليهود المزراحيين قد جرى التمييز ضدهم لأنهم من أقطار عربية وأن هويتهم الثقافية هي كتلك التي للعرب بالرغم من كونهم يهوداً من منظور هويتهم القومية. وهو رأي أصبح أوسع شمولا عندما شاع موقف يهودا شنهاف ـ شاهارا من أن الصهيونية تتمتع بذات الصفات التي للمركزية الاوروبية، وبالتالي فإن الصهيونية ترتكز على قواعد ثلاثة : قومي ـ يهودي، ديني ـ يهودي ، وإثني ـ أوروبي، وليس بينها يهودي ـ عربي أو عربي ـ يهودي. وهذا هو الاساس الذي يقوم عليه التمييز المكشوف والمغطى.

وتقترح الكاتبة على الجماعتين إجراء حوار تحددان فيه المصالح المشتركة لأعضاء كل من المجموعتين الذين تضرروا من أمر ما ، بشكل مباشر أو غير مباشر، بسبب هويتهم العربية. وبعد ذلك تعمل المجموعتان على الاصطفاف في صف واحد دفاعا عن هذه المصالح المشتركة التي تضررت. وترى الكاتبة أن هذا ممكن من الناحية القانونية، ومن خلاله، من الجانب الفلسطيني، يمكن ازالة حجاب “القومية” كأساس للتمييز، بحيث ينحصر الحوار في إطار مدني لا سياسي، ومن الجانب المزراحي، فإن هذا النضال قد يفضح وجود تمييز ضدهم ، وتكون المحصلة فضح التمييزضد الجماعتين. والفائدة من هذا لا تنحصر في الجانب القانوني إذ أن الوحدة بين الجانبين من شأنها أن تغير الجو العام وتقود الى اتصالات بين الجماعتين من شأنها أن تؤدي الى علاقات أفضل داخل المجتمع الاسرائيلي.

وتقدم الكاتبة امثلة على امكانيات المطالبة المشتركة هذه بالمساواة والعدالة ما يمكن القيام به من جانب التجمعات الفلسطينية والمحرازية في المدن المشتركة أمثال يافا وعكا والرملة واللد ومدن التطوير، والمطالبة الجماعية بالحقوق الثقافية كتعليم اللغة العربية وممارسة النشاطات التراثية كالموسيقى، كحقوق طبيعية لهذه المجموعات من المواطنين، حيث أنه ليس مطلوبا منهم أن يذوبوا في هوية أخرى أو أن يتبنوا تلك الهوية ، وكل ما يطالبون به هو الحفاظ على عروبتهم المستبعدة من الاجواء الاسرائيلية، عن طريق المطالبة بالمساواة والعدالة.

. وختاما فإن المؤلفة ترى أن العلاقة المزراحية العربية هي المفتاح المتميز في يد المجتمع الاسرائيلي لتحقيق سلام مع الفلسطينيين مما يؤدي الى احتمال السلام الحقيقي والممكن.

لا مراء في جدوى التعاون بين الجانبين للقضاء سلميا، وعن طريق القضاء اذا أمكن، على التمييز ضدهما في دولة تدعي أنها ديموقراطية وانضمت باختيارها للمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان، وخاصة تلك التي تحظر التمييز العنصري بكافة أشكاله وتقرر سيادة القانون والمساواة أمامه، ولكن سجل اسرائيل في هذا الخصوص ليس بالسجل الذي يدعو للاحترام كما أنه كان محل نقد مباشر من جانب محكمة العدل الدولية في فتواها الخاصة بالجدار العنصري الذي تقيمه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وقد أشارت المؤلفة الى اسباب التمييز المكشوفة والمغطاة، وهذا يعني أنه لا يمكن الاطمئنان الى أن القضاء الاسرائيلي يطبق القانون تطبيقا سليما كما يقتضي. وبناء على ذلك فإنه يبدو أن من الضروري وجود تحركات شعبية متواصلة ضد التمييز ومن أجل المساواة والعدالة. وهذا الحراك الشعبي المشترك ما زال في الانتظار.

ومن بين العوامل المثبطة للعزيمة قلقٌ على المصير من جانب اليهود العرب، قلقٌ من احتمال الطرد والتهجير، وهو نفس القلق الذي يخامر فلسطينيي الداخل وتتحين اسرائيل الفرصة المواتية لتنفيذه. وهذا ما أشار اليه يهودا شنهافا وهنان هيفرب في مقالهما سالف الذكر، حيث يوصيان بان يكون حراك اليهود العرب، ناهيك عن حراك مشترك، بفهم وادراك للوضع الذي يعيشونه وهم يناضلون للتحرر من السيطرة الاشكنازية سياسيا واقتصاديا وبرامج تعليم وقيم حضارية غربية تفرض عليهم ، ويسعون في الوقت ذاته للمحافظة على تراثهم العربي وقيمهم.

أما بعد

في مستهل هذا البحث اشرنا الى ما نتصوره خلفية للمواجهة الجارية في فلسطين المعاصرة، ونستحضره مرة أخرى:

” فلسطين التاريخية قَدَرٌها ، وهي تمر بمرحلة جديدة في حياتها، أن يتلاقى فيها نتاجُ “الشرق” ممثلا بالفلسطينيين العرب، سكانها الاصليين في الداخل وفي الشتات، مسلمين ومسيحيين ويهود (السمرة في نابلس) ومهاجرين أو مهجرين يهود عرب من غير سكانها الاصليين ، ونتاجُ “الغرب” المتمثل بيهود أوروبيين هم الآن المسيطرون على مصيرها ومسيرتها. هل ستكون النتيجةُ صدامَ حضارات وثقافات من أجل سيطرة الأقوى ومحاولة استئصال الأضعف كما هو حاصل الآن وكما توحي به قصيدة االيهودي العراقي العربي، أم ستكون تعايشا وتفاعلا وقبولا في تعددية وتنوعية تقبل الآخر ألذي هو الجميع؟”

إن التعددية الفعلية القائمة الآن في فلسطين التاريخية وطبيعة السلطة المسيطرة يفرضان نظرة تاملية عساها تفتح النوافذ لدخول هواء طلق. هناك الآن طرف ثالث دخل في المعادلة لم يكن فاعلا في الاستعمار الصهيوني لفلسطين . هذا الطرف هو اليهود العرب، اصحاب الهوية المزدوجة، ولكنهم لم يكونوا شركاء فاعلين في انتاج الفلسفة الصهيونية ولا في تنفيذها، غير أنهم قد بدأوا يلمسون الاخطارَ التي تتهدهم، ومصدرَ هذه الاخطار، وكانت البداية في تغيير تصنيفهم من يهود عرب الى مزراحيين، أي شرقيين فقط، وهو تصنيف أوروبي مؤداه مسح تاريخهم وثقافتهم، من جهة ، والقضاء على أي ايحاء بعلاقة في الهوية بين اليهود هؤلاء والعرب الذين هم منهم، كما هو المسيحي العربي والمسلم العربي .

في مواجهة هذه الاخطار وقف الاكاديميون منهم موقفهم المبدئي الذي ورثوه، وهو تغيير الواقع المفروض بالتشديد على فلسفة مغايرة تتيح امكانية التعايش المشترك، في نسامح وسلام، في اطارمبدأ التعددية، بجميع أشكالها العرقية والدينية، والتراث الحضاري واللغوي لأبنائها. وفي هذا التحرك استلهموا ثقافتهم التي عايشوها وساهموا في صناعتها لعدة قرون، ولم تؤدِ الاحداث، مهما كبرت، بما فيها الفتح العربي الاسلامي، الى الغائها أو طمسها أو اقتلاع ما كان منها ، أو الى استئصال شعب من أرضه ، أو استعباده فيه، أو ارغامه على التخلي عن دينه أو موروثه الحضاري أو التقافي. وصمد هذا كله ، بدليل الاستمرار الوجودي الحاضر من جميع جوانبه من أقدم العصور حتى اليوم.

والاشكنازيون المتسلطون يعرفون حقيقة ذلك من تقارير البعثات التي أوفدتها الحركة الصهيونية الى الاقطار العربية، ومن بينها تقريرها عن العراق، والذي قالت فيه إن يهود العراق لم يروا أي تعارض بين ديانتهم اليهودية والثقافة العربية، أو كما قيل للبعثة “الدين لله والوطن للجميع”.

وفي حالة التعددية هذه المتداخلة المتعايشة لا تفرض هوية أو تستبعد، كما لا يطلب من صاحبها أو يفرض عليه،مهما كان السبب، أن يختار هوية واحدة من بين هويات سبق له واختارها، كما هو الحاصل الآن يخصوص الهوية اليهودية العربية في اسرائيل، بسبب الصراع العربي الاسرائيلي، الذي أدى اليه منطق الفلسفة الاشكنازية الاوروبية .

صحيح أن الاكاديميين اليهود العرب في اسسرائيل يسعون في موقفهم هذا لاسترداد ثقافتهم وحضارتهم وتاريخهم، الا أن ما يطالبون به من احترامٍ وحفاظٍ على التعددية المتكاملة المتداخلة المعبرة، هو مطلب حضاري انساني، قد ثبتت جدارته وجدواه عند التطبيق والالتزام به. وبالتالي فإنه قابل للتطبيق في كل زمان ومكان، لا سيما في هذا العصر الذي ينادي بحقوق الانسان وحقوق الشعوب ويقننها ويبرم الاتفاقيات الدولية وينشئ المحاكم الدولية ليفرض احترامها من الجميع.

وفي هذا الموقف من جانب هؤلاء الاكاديميين اليهود العرب، فانهم يتلاقون مع طرف اصيل في الصراع القائم الذي ما كان ليعاني منه لو احترمت هذه الأسس، وهو الطرف الفلسطيني. هذا الطرف قد عايش ما عايشوه في تراثهم ويحترمونه في ثقافتهم، وما زال يعايشه، بالقدر الذي يستطيعه في ظل احتلال مُعَادٍ له ولما يمثله من قيم..ولذا فإن اشتراك الطرفين في الدعوة له والتمسك به هو في مصلحتهما من جهة والتزام تراثهما من جهة أخرى، ولا يضيرهما ما يدعيه أخرون من استحالة التعاون بينهما. فقد ادعي بعض الباحثين الاسرائيليين أن فكرة إقامة تحالف بين المزراحيين والفلسطينيين على اساس انهم إخوة “شرقيون” او إخوة “عرب” في مواجهة الاشكنازيين الذين يلامون بسبب الصهيونية هي ضرب من الخيال، فهي لا ترتكزعلى اية حقيقة موجودة أو من المحتمل وجودها حتى في ظروف اقليمية مغايرة جدا”. هذا هراء ومخالف لمنطقة الاشياء.

هؤلاء يدعون هذا ويعترفون في الوقت ذاته أن الفارق في المعاملة بين الفلسطيني والمزراحي هو قائم في معيار ما يعانيه كل طرف من التمييز والعنصرية، ويتجاهلون،كالعادة، التحرك المبدئي ألذي شق طريقه على أيدي الاكاديميين اليهود العرب . أما الفوارق التي يشيرون اليها فهي مثل الادعاء التالي:

“بالنسبة لجمهور المزراحيين فإن الحرمان الاجتماعي الاقتصادي هو الذي اصبح القضية المركزية، بشكل متزايد، وقضايا التمييز الثقافي التي تعاني من مواقف التحقير والعطف الاستعلائي من جانب الاشكنازيين، والتي ما زالت حية حقا، قد اصبحت تدريجيا أقل علاقة كقضية مستقلة، واصبحت تميل لتكون جانبا من جوانب التباغض الثقافي القائم على الطبقية. وفضلا عن هذا فإنه حتى المزراحي المحروم جدا هو مَحْظيٌّ كثيرا بصفته عضوا في الأمة المُضْطَهِدة المسيطرة بالمقارنة مع الفلسطيني الذي يوجد في حالة اجتماعية اقتصادية مشابهة في اسرائيل، ناهيك عن الضفة الغربية او غزة. صحيح حقا أن المزراحيين في اسرائيل هم جماعة محرومة ـ ولكن فقط من حيث أنهم محرومون “نسبيا”كجز من أمة مستوطِنَةٍ مضطَهِدَةٍ. هناك فرق نوعي بين وضعهم ووضع العبيد الافريقيين في أمريكا مثلا الذين في الحقيقة لم يكن لهم نصيب في تحمل المسؤولية عن اضطهاد سكان أمريكا الاصليين من قِبَلِ المستوطنين أو إبادتهم..”[18]

لا تعليق، سوى أن نلفت النظر الى الاشارة للوضع في أمريكا، حيث أن وجه التشابه الحقيقي بين أمريكا واسرائيل هو أن قيام الدولتين متشابه في تاريخه وفلسفته وممارساته. وهذا جانب لا ينساه الاسرائيليون في التلميح له أو التصريح به عند الاقضاي لايقاف الامريكي عند حده.

واستنادا على ما تقدم فإن ما يجمع الجانبين الفلسطيني واليهودي العربي ليس فقط الاشتراك في تراث واحد وانما أيضا في تشابه الظروف المعيشية والمعنوية للجانبين. وعلى خلاف ما يتوهم من استحالة التحالف بينهما فإن الاوضاع التي كشف عنها هذا الاكاديمي الاسرائيلي تفرض عليهما توسيع دائرة التعاون والقيام بنشاطات ومواقف وضغوط مشتركة من أجل اعتماد قواعد التعددية والتنوعية في المجتمع ، وللتخلص من التمييز العنصري الذي يمارس ضدهما، وفي الوقت ذاته لفرض الاعتراف بالهوية المشتركة بينهما وما يترتب على ذلك من اعتراف بالحقوق الثقافية مثل ادراج تعليم اللغة العربية، وهي لغة رسمية في اسرائيل، والتاريخ العربي في مناهج التعليم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن لليهود العرب دورا أساسيا ومهما في انهاء الاحتلال ، وارساء قواعد سلام عادل للاسرائيليين والفلسطينيين وفقا للشرعية الدولية التي يتنكر لها المتسلطون في اسرائيل والتي تحقق عودة من يرغب من اليهود العرب الى أوطانهم الاصلية، وإنهاء الظلم التاريخي الذي وقع للفلسطينيين بطردهم من وطنهم وبيوتهم واراضيهم وذلك بالعودة اليها بكرامة. لقد عانى اليهود العرب من اللجوء، ولذا ليس غريبا أن يقوموا بدور فاعل في انهاء لجوئهم، اذا أرادوا ولجوء الفلسطينيين كذلك، حيث أنههم يتمسكون بحقهم في أ ن يعودوا.

إن بين اليهود العرب دعاة لحلول للنزاع العربي الاسرائيلي، ولكنهم لم يبذلوا حتى الآن ما يقتضيه الموضوع من جهد للوصول الى النتائج التي يتوقعونها. وإننا واثقون من أن اليقظة التي طرأت بخصوص الهوية ستنمو وتتقوى، وأن النشطاء لن يرضوا بأن يظلوا مهمشين، (وهم يقاربون نصف عدد السكان، وبالتعاون مع أشقائهم الفاسطينيين قد يصبحون اغلبية)، في رسم السياسات واتخاذ القرارات التي تمس مصيرهم ومصير أشقائهم، أولئك الذين في الداخل معهم أو الذين تحت الاحتلال. ويقينا فإنهم سيشكلون احزابهم السياسية وتجمعاتهم المهنية منفردين أو بالتفاهم مع إخوتهم عرب الداخل.

ومما يؤسف له أن الأوضاع الحالية في الوطن العربي لا تعين على تقديم أي تصور ذي جدوى لنشاط أوسع.

ملحق

بنت جبيل

تأملاتُ عربيةٍ يهوديةٍ

بقلم : إيلا حبيبة شوحط[19]

Ella Habiba Shohat

ترجمة د. أنيس مصطفى القاسم

عندما يجري بحث قضايا العنصرية والاستعمار في الولايات المتحدة فإن الشعوب التي هي من اصل شرق متوسطي أو شمال افريقيا يجري في الغالب استبعادها. وهذاالمقال يُكتب بهدف فتح حوار متعدد الثقافات يتجاوز التصنيف المبسط لفئات الشرق الاوسط عاى أنهم “بيض”.

وقد كتب هذا البحث أيضا بهدف توسيع المفاهيم الثقافية الامريكية لليَهْوَدة. وموضوعاتي الشخصية تثي تساؤلات حول مركزية التعارض بين العَرْبَنَة واليهودة في الفكر الاوروبي وخاصة في رفض الاصوات العربية اليهودية (السفارديم) في السياقين الشرق أوسطي والأمريكي.

أنا عربية يهودية ، أ بدقة أكبر، امرأةعراقية اسرائيلية أكتب وأُعَلِّم في الولايات المتحدة . معظم أفراد عائلتي قد ولدوا ونشأوا في بغداد ويعيشون الآن في العراق واسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا. عندما واجهت جدتي للمرة الاولى المجتمع الاسرائيلي في الخمسينات كانت مقتنعة بأن هؤلاء الناس الذين يظهرون ويتكلمون ويأكلون بطرق مختلفة عنها ـ أي اليهود الاوروبيون ـ هم في الواقع مسيحيون أوروبيون. فاليِهْوَدَةُ ، بالنسبة لجيلها، كانت متبطة ارتباطا لا انفكاك منه بالشرق أوسطية. وجدتي التي تعيش في اسرائيل وما زالت تتواصل مع الآخرين بالعربية في معظم الاحوال، كان من الضروري تعليمها أن تتحدث عن “نحن” كيهود وهم كَ”عرب”. لمتوسطي الشرق الاوسط ، التمييز الفعال كان دائما بين “مسلم” و “يهودي” و”مسيحي”، وليس “عربي” مقابل “يهودي”.، والافتراض هو أن “العروبة ” تشير الى ثقافةولغة مشتركتين، مع وجود اختلافات دينية. ية

كثيرا ما يكتشف الامريكيون الاحتمالات المقرفةأوابظريفة الطريفة لاحتمالات هوية فيها اختلاط كهذا. وإنني لأستذكر زميلا متمكنا جدا في علمه كان لا يزال يجد صعوبة في تصديق أنني لست ظاهرة مأساوية كأن أكون ابنة عربي (فلسطيني) واسرائيلية (يهوديةأوروبية) بالرغم من الدروس التي القيتها عن تاريخ العرب اليهود.. والعيش في أمريكا الشمالية يجعلها أكقر صعوبة أن ننقل للناس أننا يهود ولكن يحق لنا أن نكون مختلفين بشرق اوسطيتنا، وأننا عرب، ولكن يحق لنا أن أن نكونمختلفين دينيا مثل العرب المسيحيين والمسلمين.

إن “شرطنة” [أي وضع الشرطة ـ بين يهودي عربي هكذا “يهودي ـ عربي”] الحدود الثقافية في اسرائيل هي بالضبط التي أدت الى أن ننجو الى هوياتنا المتداخلة، ومع ذلك فإننا نواجه مرة أخرى في المحيط الامريكي تسمح لنا بالحديث عن ذكريات يهودية ، أي يهودية أوروبية، ولكن لأولئك من بيننا الذين لا يخفون هويتهم الشرق أوسطية في ظل نحن “اليهودية” فإنه يصبح أصعب فأصعب أن نعيش في جو أمريكي مُعادٍ لمجرد “فكرة” “الشرقنة”.

وأنا كعربية يهودية أجدني مضطرة في كثير من الأحيان لتفسير أسرار هذه الهوية التي تبدو متناقضة: إننا تكلمنا العربية وليس اليدشية، وأن ابداعنا الثقافي ، دينيا وغير ديني، لآلاف السنين قد عبر عنه في معظمه باللغة العربية (وميمونيدس هو واحد من المفكرين القلائل الذي نجح في الوصول الى العقل الغربي). وحتى معظم مجتمعاتنا الدينية في الشرق الاوسط وشما افريقيا لم تعبر عن نفسها في صلواتها بلهجة يديشية ، كما أن هذه المجتمعات لا تمارس الحركات الجسدية أو ترتدي الملابس الدينية السوداء التي فُضِّلَ استعمالها في بولندا منذ قرون. وكذلك فإن نساءالشرق الاوسط لم يلبسن أبدا باروكة [شعر مستعار] ، وغطاء شعرهن اذا لبسن غطاءاً، يتكون من أنواع من القماشالمعروف في المنطقة . (وحتى في أعقاب الامبريالية البريطانية والفرنسيةفإن كثيرات منهن لبسن ملابس غربية الطراز). وإذا ذهبتم الى كُنُسنا، حتى تلك التي في نيويورك ومونتريال وباريس ولندن، فإنكم ستعجبون لسماع أرباع النوتات الموسيقية التي يخيل للمستمع غير العارف لها بأنها تنطلق من أحد المساجد.

والآن وحيث أن مكوناتي الثقافيىة الثلاثة التي يتكون منها تاريخي الممزق والمتقطع ـ العراق واسرائيل والولايات المتحدة، قد اشتَبَكَتْ في حرب، فإنه لا مفر لنا من القول بأننا موجودون . إن بعضنا يرفض أن يذوب بحيث يسهل وجود تقسيمات قومية اثنية سلسة. إن قلقي وألمي أثناء ضربات صواريخ السكود على اسرائيل، حيث يعيش بعض أفراد عائلتي، لم يُلْغِ خوفي وألمي بالنسبة لضحايا القذائف التي نزلت على العراق حيث يوجد أيضا بعض أقربائي.

غير أن الحرب هي صديق تاثنائيات، ولا تترك الا حزاً صغيرا للهويات المركبة. إن حرب الخليج مثلا ضاعفت من الضغوط التي اعتاد عليها الشتات اليهودي العربي في أعقاب الصراع الاسرائيلي العربي: ضغط لأن تختار أن تكون يهوديا أو عربيا.فبالنسبةة لعائلاتنا التي عاشت في بلاد ما بين النهرين على الأقل منذ النفي البابلي والذين تعربوا لالاف السنين، والذين اقتلعوا فجأةالى اسرائيل قبل 45 سنة،فإنه عملية إهلاك أن تفرض عليهم فجأة هوية أوروبية يهودية غالبة علة كل الهويات الاخرى على اساس تجارب في روسيا وبولندا والمانيا.

أن يكون الانسان يهوديا أوروبيا او أمريكيا قَلَّما ينظر الى ذلك على أنه تناقضـ أما أن يكون يهوديا عربيا فإنه ينظر اليه على أنه نوع من أنواع التناقضات المنطقية، وحتى القضاء على الكينونة الأصلية, إن هذه الثنائية قد جعلت العديد من اليهود الشرقيين (اسمنا في اسرائيل الذي يشير الى بلادنا الأصلية الاسيوية والافريقية الذي يجمعنا هو مزراجي) قد جعلت هؤلاء يصابون بانفصام عميق في الشخصية لأنه أول مرة في تاريخنا يفرض علينا التضاد بين عروبتنا وبهوديتنا.

الخطاب المثقف في الغرب يبرز التراث اليهودي المسيحي، ولكنه نادرا ما يعترف بالثقافة اليهودية الاسلامية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا او بتلكالثقافة فيما سبق الطرد من اسبانيا (1492)، أو تلك الأجزاء الاوروبية من الامبراطورية العثمانية. إن التجربة اليهودية في العالم الاسلامي كثيرا ما تصور على أنها كابوس لا نهاية له من الاضطهاد والإذلال.

ومع أنني لا أريد بأي وجه من الوجوه أن أرسم تلك التجربة على أنها مثالية ـ حيث أنهاكانت هناك احيانا توترات وتكييزات، بل وحتى عنف ـ ولكن بوجه عام فقد عشنا مرتاحين في أوساط المجتمعات الاسلامية.

إن تاريخنا وبكل بساطة لا يمكن بحثه بلغة أوروبية يهودية. فكيهود عراقيون،في الوقت الذي احتفظنا فيه بهويتنا المجتمعية ، كنا بشكل عام مندمجين بصورة جيدة بالسكان الاصليين،مشكلين بذلك جزءاً لا ينفصل من حياته الاجتماعية والثقافية. وحيث أننا كنا مُعَرَّبين بالكامل، فقد استعملنا العربية حتى في أناشيدنا واحتفالاتنا الدينية. وقد زادت توجهات القرن العشرين نحو التحرر والعلمانية الى تحريك علاقات أعمق بين ثقافةاليهود العراقيين بالثقافة العربية، الآمر الذي أدخل اليهود في ميدان في غاية النشاطوالجماهيرية في الحياةالثقافية. كتاب يهود مرموقون وشعراء وعلماء قاموا بدور حيوي في الثقافة العربية، وبرزوا في المسرح الناطق باللغة العربية وفي الموسيقى كمغنين ومؤلفين وعازفين على آلات موسيقية تقليدية.

وفي مصر والمغربوسوريا ولبنان والعراق وتونس أصبح اليهود أعضاء في المجالس النيابية وفي مجالس البلديات وفي القضاء، بل إنهم احتلوا مراكز اقتصادية عالية . [فوزير مالية العراق في الاربعينات كان اسحق باسون، وفي مصر جاماس سنوا ـ مراكز أعلى ـ يا للسخرية ، من تلك التي وصل اليها أبناء مجتمعنا بوجه عام في الدولة اليعودية حتى التسعينات !!].

ونفس العملية التي جردت الفلسطينيين من أملاكهم وأراضيهم وحقوقهم الوطنية ـ السياسية قد ربطت بتجريد يهود الشرق الاوسط وشمال افريقيا من أملاكهم وأراضيهم وتجذرهم في الاقطار الاسلامية. كلاجئين أو مهاجرين هجرة جماعية (حسب منظور كل واحد من الناحية السياسية) فقد أجبرنا على أن نترك كل شيء وراءنا وأن نتخلى عن جوازات نا العراقية. ونفس العملية كذلك حلت باقتلاعنا أو بوضعنا الغامض في اسرائيل نفسها، حيث يجري التمييز ضدنا بشكل منتظم من قبل مؤسسات تستعمل كل طاقاتها وأدواتها بصورة ثابتة ومستقرة لصالح اليهود الاوروبيين ، وبصورة ثابتة ومستقرة ضد مصلحة اليهود الشرقيين. حتى وإن ملامحنا الجسدية تخوننا وتؤدي الى استعمارنا داخليا أو الى الخطأ في تصورنا بدنيا, فالنساء السفرديميات الشرقيات كثيرا ما يصبغن شعرهن الاسود ليصبح أشقر، وكذلك الرجال يقبض عليهم أكثر من مرة، أو يضربون عندما يعتقد خطأ بأنهم فلسطينيون. وما كان يعتبر بالنسبة للمهاجرين الاشكناز من روسيا وبولندا “ارتفاعا” اجتماعيا (aliya) كان لليهود الشرقيين “هبوطا” (yerida)

ونتيجة لتجريدنا من تاريخنا، فقد اجبرنا، بسبب وضعنا الذي لا خروج منه، على كتم حنيننا الجماعي الى الماضي،ولو على الأقل في المحيط العام. إن النظرة الغالبة من أن شعبا واحدا قد توحد مرة أخرى في وطنه القديم تُلغي، بالأنر، أيةَ ذكرى قويةٍ العاطفةَ للحياة فيما قبل اسرائيل. لم يسمح لنا أبدا بأن نندب الصدمة النفسية التي تتضاعف وتتجسد لبعضنا من صور الدمار الذي يحل بالعراق. إن ابداعاتنا بالغربية والعبرية والآرامية قلما تدرس في المدارس الاسرائيلية، وتزداد صعوبة اقناع ابنئنا بأننا فعلا كنا هناك، وأن بعضنا ما زال في العراق والمغرب.

الإعلام الغربي يفضل، بكثير، منظر التقدم المنتصر للتكنولوجيا على بقاء شعوب الشرق الاوسط وثقافاته، وما قضية اليهود العرب الا واحدة من العديد من الاسقاطات الكلامية لا غير. من الخارج، لا معنى لمجتمعنا . وهناك معنى أقل لتنوع منظوراتنا السياسية، فحركات السلام الشرقية ـ السفاردية ، من حركة الفهود السود في السبعينات الى تحالف ال “الكيشِت” “قوس قزح” ، تحالف جماعات مزراحية في اسرائيل لا تدعو فقط الى سلام عادل للاسرائيليين والفلسطينيين فقط/ ولكن أيضا الى الدمج الثقافي والسياسي والاقتصادي لاشرائيل في الشرق الاوسط. وبهذا توضع نهاية لثنائية الحرب وللبساطة التي ترسم بها الهويات الشرق أوسطية..

أما بعد

ونتيجة قيام اسرائيل والاديولوجية التي تبنتها والسياسات التي سارت عليها منذ قيامها فقد تواجهت الآن في فلسطين التاريخية مجموعات بشرية تنتمي لأصول ولثقافات مختلفة، ولكنها تخضع كلها للسيطرة الاسرائياية ، وتسعى كل مجموعة، بالرغم من السيطرة الاسرائيلية، للحفاظ على حريتها وهويتها وثقافتها الموروثة، وحقوقها ، في مواجهة ما تمارسه اسرائيل من سياسات وقيم. وهذه التجمعات البشرية هي (1) سكان فلسطين الاصليون في الضفة والقطاع، الذين يخضعون للاحتلال الاسرائيلي المباشر منذ عام 1967 و(2) فلسطينيوا الشتات، و (3) سكان فلسطين الاصليون من عرب ويهود فلسطينيين الذين يخضعون للسيادة القانونية الاسرائيلية، و(4) اليهود العرب الذين هاجروا أو هجروا الى اسرائيل، و (5) اليهود الاشكنازيون أي اليهود الاوربيون المسيطرون. هذه التعددية من جهة والانفراد بالسيطرة من جهة ثانية ومحاولة فرض اديولوجية استئصالية من جهة ثالثة تواجه تحديات مصيرية بالنسبة للمشاركين فيها وبالنسبة لفلسطين والمنطقة كلها كذلك، ما لم تطهر اسرائيل نفسها من اديولوجيتها الاستئصالية الكولونيالية المستوردة من تراثها الاوروبي الكولونيالي الاستشراقي.

[1] ملاحظة. معظم المراجع المشار اليها في هذا البحث موجودة على الشبكة العنكبوتية بالعناوين الواردة في البحث ويمكن الرجوع اليها.

* نشر ها البحث في كتاب يهود البلاد العربية الذي قام نشره مركز دراسات الوحدة العربية بيروت سنة 2015.

[2] Pos t-Zionism : the Sephardic Question, Middle East Quarterly, Spring 2005, by Meyrav Warmser

[3]Dialectic of Exploitation and Co-option, Matzpen : The Socialist Organisation in Israel,Matzpe.org, 10 July 2008.

[4] Class divisions in Israeli society, by Emmanuel Farjoun, posted on the web on may 14, 2014.

[5] David Green, o.cit.quited from her book Sephardim in Israel:Zionism from the Standpoint of its Victims.

[6] Ehud Ein-Gil and Moshe Machover, op.cit.

[7] انظر الملحق لمعرفة جوهر موقفهم

[8] انظر الملحق حيث ترجمة لإحدى مقالاتها

[9] Arab Jews´ after structuralism : Zionist discourse and the (de) formation of an ethnic identity ,Social Identities, vol 18 , No 1, January2012, by Yehouda Shenhava and Hannan Heverb.

[10] المصدر السابق

[11] Qouted by David Green in his book Arab Jews and Propoganda:Explorig the Myth of Expulsion. http://thegharqatree.blogspost.com.

[12] ومن الجدير بالذكر أن موشي ماشوفير غادر اسرائيل الى بريطانيا هو وعائلته وحصل على الجنسية البريطانية وابنه دانيال اصبح محاميا في لندن ومن بين المحامين الانجليز الذين تطوعوا للتعاون مع منظمات حقوق الانسان الفلسطينية لملاحقة العسكريين والسياسيين الاسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية ضد الفلسطينيين أمام محاكم الدول العضوة في اتفاقيات جنيف.

[13] المستقبل العربي العدد 394 كانون الأول(ديسمبر) 12/2011 السنة الرابعة والثلاثون ص 22ـ23 .

[14] www.jstor.org/discover/10.2307, American Journal

[15] المصدر السابق Yehuda and Hannan>

[16] انظر http: //en.wikipedia.org/wiki/Yehoda Sheva

[17]Journal of Levantine Studies, vol.14, no. summer 2014, The Dream and its Construction: Mizrahi Arab Cooperation to Combat Discrimination, by Yifat Bitton, http://www.levantine-journal.org

[18] Class divisions in Israeli society, by Emmanuei Farjoun, posted on the web on May 14, 2014.

[19] إيلا حبيبه شوحط ” استاذة الدراسات الثقافية والنسوية في جامعة مدينة نيو يورك (CUNY)، كاتبة وخطيبة وناشطة، مؤلفة لعديد من الكتب والدراسات حول الشرق والاستشراق والغرب والمركزية الغربية والتعددية الثقافية والإ علام ،وترجمت مؤلفاتها للعديد من اللغات من بينها العربية والعبرية والتركيةوالافرنسية والاسبانية البرتغالية والالمانية والبولندية والايطالية. من اسرة بغدادية ومواليد عام 1959 وتُعَرِّفُ نفسها على أنها “عربيةـ يهودية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *