Home » كم عمر الفشل؟

كم عمر الفشل؟

نُشرت في جريدة السفير اللبنانيه بتاريخ 31/7/2015

على هامش اقالة ياسر عبد ربه
كم عمر الفشل؟

الدكتور انيس فوزي قاسم

قبيل اجازة عيد الفطر تمت اقالة ياسر عبد ربه من أمانة سرّ اللجنه التنفيذيه لمنظمة التحرير الفلسطينيه دون إبداء الاسباب. وأبدى ياسر عبد ربه امتعاضه من “الطريقه” التي تمت بها اقالته، باعتبار انها تمت بدون قرار من اللجنه التنفيذيه التي هو عضو فيها منذ اربعين عاماً تقريباً. وللعلم، فان النظام الداخلي للمنظمه لم يورد ضمن هيكليته منصب “امين سر” بل هو ابتكار من المرحوم ياسر عرفات دون سند ودون قرار من اللجنه التنفيذيه

ومثل الكثير من السياسيين، حين يخرجون من مناصبهم تراهم فجأه يبلغون “سن الرشد”. وكمثال على ذلك، حين انتهى الرئيس جيمي كارتر من اعباء الرئاسه، اكتشف ان اسرائيل دولة أبارتهايد، وهو الذي مارس ضغوطاً ثقيله على المصريين في كمب ديفيد للوصول الى “معاهدة السلام المصرية الاسرائيليه”. ونلحظ ذلك أيضاً على المستوى الوطني والعربي دون ان نسوق امثله معروفه. وينطبق ذات الحال على الاخ ياسر عبد ربه، فمنذ ان تمت اقالته وخروجه من دائرة الرئيس المصغره قال:”ينبغي علينا الاعتراف صراحة بان خطتنا السياسيه منذ أوسلو حتى الان فشلت فشلاً ذريعاً وتاماً وان رهاننا على حلِّ يؤدي الى انهاء الاحتلال عن ارض وطننا عبر المفاوضات كسبيل أوحد انهار كليا.” ان هذا قول يدلل على بلوغ “سن الرشد”، لكن كم هو عمر الفشل الذي يتحدث عنه الاخ ياسر عبد ربه؟ ومنذ متى ادرك ان العمليه السياسيه فاشله؟ وهل كانت إقالته بسبب خلافه السياسي مع الرئيس من ان العمليه السياسيه فاشله قد عجلت في بلوغه “سن الرشد”؟!

اذا لم يأت التاريخ الاّ على مهمتين اثنتين من المهام التي شارك فيهما ياسر عبد ربه، فهذا يكفي ان يذهب في سجلات التاريخ كأحد مهندسي أكبر مصيبتين تمّ ارتكابهما بحق القضيه الفلسطينيه. المصيبه الكبرى الاولى انه كان أحد اعضاء الخليه السريه الضيّقه التي تولت عملية السمسره لاتفاق اوسلو. وبشكل أدق، كان هو الوحيد الذي رافق العمليه التفاوضيه من بدايتها الى تاريخ إقالته في 30 حزيران 2015، وكان يجيد الانجليزيه باعتبارها لغة التفاوض. أي انه كان على علم ودرايه بكل معاني الكلمات التي صاغ بها يؤئيل زنجر، وهو المحامي الاميركي المتمرس الذي كان موضع ثقة شمعون بريس، اعلان المباديء والاعتراف المتبادل. ان قدرته اللغويه كانت افضل من قدرة اعضاء الخليه الباقين

كانت الحلقه التي ادارت المفاوضات السريه تتكون من أبي العلاء وحسن عصفور وأبي مازن وياسر عبد ربه والمرحوم ياسر عرفات. وبسبب قربه من ياسر عرفات استطاع ان يزيّن له ما عجز ابو مازن عن صياغته وتفسيره وتسويقه. ويؤكد تاريخ المفاوضات، او ما تبقى منه بعد فقدان ملف المفاوضات من ارشيف وزارة الخارجيه النرويجيه، ان دوره كان مفصلياً. ويعلم الجميع ان ابا مازن هو صاحب نظرية التنازلات التي لا تنتهي باعتبار انه مقتنع بأن المجتمع الاسرائيلي ليس كتلة صماء بل يمكن التأثير على اجنحه مختلفه منه والوصل الى حلٍّ معها. وكان ياسر عبد ربه من القلائل الذين اعتنقوا ذات الاطروحه

من المهم ان نتذكر ان الاخ ياسر عبد ربه جاء من جناح اليسار الفلسطيني، حيث جاء من لدن الجبهه الديمقراطيه لتحرير فلسطين وقد إنشق عن الاخ نايف حواتمه واسس فرع “فدا”، وهذه قصه من قصص الخيال الفصائلي الفلسطيني. وباعتباره من جناح اليسار كان أقرب – او هكذا كان من المفروض- الى الفهم العميق بالصهيونيه ومن انها “اعلى مراحل الاستعمار” وان تركيبها الايديولوجي ومناهجها لا يسمح لها بالعيش بسلام، واذا رغبت الصهيونيه بالعيش بسلام مع جيرانها، فانها سوف تفقد مبرر وجودها ولا تعود ذات وظيفه خدميه للاستعمار البريطاني والاميركي، وينتهي بها الحال الى الاندثار. وكانت هذه عقيدة اليسار الفلسطيني والعربي والاسرائيلي. وجميعنا يذكر حركة “ماتسبين” الاسرائيليه التي كانت تحذر الفلسطينيين من تصديق اطروحات السلام التي تنادي بها القياده الصهيونيه، وقد تطورت هذه الحركه في اواخر الستيننات واوائل السبعينيات وهي الفتره التي كان فيها ياسر عبد ربه من رموز اليسار الفلسطيني

ثم نعود الى اتفاقيات اوسلو التي اكتشف الاخ ياسر عبد ربه فجأه عند اقالته انها عمليه فاشله. يقول الان انه ادرك ان مسار اوسلو فشل في ايصال الفلسطينيين الى “انهاء الاحتلال عن ارض وطننا.” وهل يحتاج الاخ عبد ربه الى عقدين من الزمن لادراك ان الفشل كان من مكوّنات اتفاقية اوسلو الاولى وان السقوط وقع منذ رسائل الاعتراف؟ وعلى سبيل المثال، هل يدلنا الاخ ياسر عبد ربه على نصٍّ واحد في اتفاقيات اوسلو الثمانيه يؤشر بشكل مباشر او غير مباشر على “انهاء الاحتلال” أو على كلمة “الانسحاب من الاراضي المحتله” او على الوصول الى “حق تقرير المصير”؟؟ هل يدلنا الاخ عبد ربه على حق واحد ورد في اتفاقيات اوسلو لصالح الفلسطينيين او لصالح الاراضي المحتله أو لصالح القضيه الفلسطينيه؟ ألا يدرك الاخ عبد ربه انه حين اطلع على مسودة اتفاقية اوسلو الاولى والثانيه حمّلت الجانب الفلسطيني مهمات الاحتلال واصبحت منظمة التحرير الفلسطينيه، صاحبة انصع تاريخ واكثر احتضاناً وتعاطفاً في العالم، مجرد مقاول من الباطن للاحتلال؟ فهل من الضروري ان تمضي اثتين وعشرين سنه على اعلان اوسلو لكي نبلغ “سن الرشد”، أم ان الاقاله هي التي اوصلتنا الى سنّ الرشاد؟

ولو قارن الاخ ياسر عبد ربه أوّل اتفاقيه من اتفاقيات اوسلو مع التوصيه الامميه الصادره عن هيئة الامم المتحده في العام 1947 الخاصه بتقسيم فلسطين، لادرك بسرعه وببساطه ان قرار التقسيم كان اكثر عداله ورحمه للفلسطينيين وفلسطين من أيٍ من اتفاقيات اوسلو. ان التوصيه بالتقسيم – على قباحتها وهمجيتها – كانت اكثر رحمة على الفلسطينيين حيث خصصت لهم دوله على جزء من فلسطين ووضعت شروطاً تحرم التمييز العنصري على اساس من الدين او العرق او اللون في كلا الدولتين، ووضعت هيئة الامم صيغاً دستوريه كانت سوف تحمي الفلسطينيين من ممارسة التمييز العنصري ضدهم، ومصادرة ممتلكاتهم. حتى ان اعلان بلفور، الذي لم يشارك في صياغته سوى حكومة الحرب البريطانيه وحاييم وايزمن، كانت اكثر عداله من أي من اتفاقيات اوسلو. ألم يرد في الاعلان شرط صريح وقاطع “انه من المفهوم ان لا شيء سوف يضر بالحقوق المدنيه والدينيه للجاليات غير اليهوديه في فلسطين.” هل ورد شيء في اتفاقيات اوسلو تضمن حقوقاً مدنيه او شبه مدنيه للفلسطينيين؟

ولا بدّ من تأكيد ملاحظة هامه في السياق الفلسطيني وهي ان مشاركة الفلسطينيين في مناقشات الجمعيه العامه لللامم المتحده كانت ضئيله وتمت عبر الوفود العربيه المرعوبه من الهيمنه البريطانيه والاميركيه عليها. ومع ذلك، حين فاوض القاده الفلسطينيون قضيتهم، عادوا بخفي حنين… نعم بخفي حنينّ!! وحين فاوضوا، وكان ياسر عبد ربه من مهندسي اتفاقيات اوسلو أوصل، ورفاقه، القضيه الى الدرك الاسفل من جهنم

اما المعصيه الكبرى الثانيه التي تظل معلقه في رقبة الاخ ياسر عبد ربه، فكانت “وثيقة جنيف” التي وقعت بعد مرور اكثر من عقد من الزمن على مهزلة اوسلو “وفشلها” في انجاز تقدم واحد، شارك الاخ ياسر عبد ربه في ما يسمى “وثيقة جنيف”، في العام 2005، والتي رسمت حدود التنازل الرسمي/غير الرسمي الفلسطيني لصالح الصهيونيه. حين شارك ياسر عبد ربه في وضع الوثيقه كان أمين سرّ اللجنه التنفيذيه، اي انه كان يتقلد منصباً رسمياً. ورغم اعلانه المتكرر انه كان يقوم بتلك المهمه بصفته الشخصيه، الاّ ان المعصيه قد لاحقته في الحالتين. فلو كان يتصرف بصفة رسميه – وعلى الارجح انه كان يقوم بتلك المهمه بتكليف من ياسر عرفات- فانه من غير اللائق لقائد يساري فلسطيني ان يركض وراء يوسي بيلين، اكثر الصهاينه نعومة وخبثاً، مصدقاً اياه انه مع الحلول العادله لأي مسألة تتعلق بالقضيه الفلسطينيه، ويشترك معه في هندسة وثيقة جنيف. ولو كان يشارك بصفته الشخصيه، فانه من غير اللائق كذلك لقائد فلسطيني يساري ان يشترك في مهزلة أكثر أذى من مهزلة اوسلو سيما وهو مشارك فعال في وضع تلك الوثيقه

ان اكبر مخاطر وثيقة جنيف انها بعثت برساله الى الاسرائيليين من احد اكثر القاده قرباً وتأثيراً على ياسر عرفات، وأحد أعضاء منظمة التحرير هم على استعداد للتنازل عن حق عودة اللاجئين. قد يقال ان تلك وثيقة غير رسميه، وهذا صحيح، الاّ انها كانت تؤشر على مدى استعداد القياده الفلسطينيه الرسميه للذهاب في مقايضة “حق العوده” بمجرد اي فتات من طاولة مفاوضات الصهيوني

وللحق، يجب التذكير ان سلوك ياسر عبد ربه في جنيف، لم يؤثر في سلوك الدكتور صائب عريقات في مفاوضاته التي كشفت عنها اوراق “الجارديان” البريطانيه. فكل ما كان يعرضه على تسيبي ليفني كانت تلقيه جانباً باحتقار واهمال، وتقول له بما معناه “سمعنا ذلك قبلك … إعطني شيئاً ذا معنى” وظل الدكتور عريقات يلهث بالتنازلات المتكرره، الاّ ان الشكر يزجى الى الطمع الاسرائيلي الذي افشل مسلسل التنازلات المذلّه. اي ان مسار ياسر عبد ربه والذي تبعه صائب عريقات يدل .على ان هذا المسار المعيب في التنازلات هو سياسة ثابته للسلطه القائمه على شؤون منظمة التحرير

ودون ان يبدو ياسر عبد ربه وكأنه الوحيد الذي ارتكب هذه الكبائر بحق القضيه الفلسطينيه، فان جميع مهندسي أوسلو واللاهثين وراء السراب الصهيوني يقعون في ذات الحفره، وهكذا تحولت اوسلو، بالنسبة لهم، الى بيزنس

Business!!

*****

عندما اطلع الصديق الزميل الذي أعتز بصداقته وزمالته على المقال وصورته هو بدلا من صورتي وجه الرسالة التالية الى رئيس التحرير دون معرفتي لا بنشر المقال ولا بالخطأ الذي وقع بخصوص الصورة، وهي رسالة تعبر عما يتميز به  الصديق الزميل من  كرم  أخلاق وتواضع.

أنيس مصطفى القاسم

السيد رئيس التحرير المحترم”
وكالة سما الاخبارية
تحيه طيبه وبعد،

كنت اطلع على نشرتكم صباح هذا اليوم وفوجئت بنشركم مقالاً هاماً لاستاذنا وعميدنا الدكتور انيس مصطفى القاسم، ولكن وضعتم صورتي بدلاً من صورته. لم تكن الاول ولن تكون الآخر الذي يخلط بين الاستاذ وتلميذه.

ارجو التصويب مع خالص التحيه والتقدير.

المخلص

“انيس فوزي قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *